العنوان تقارير خاصة: هموم الإسلام والمسلمين في إرتيريا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1984
مشاهدات 93
نشر في العدد 693
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 27-نوفمبر-1984
ارتبط تاريخ إرتيريا منذ أقدم العصور بظروف الجزيرة العربية بحكم روابطها العضوية والثقافية وموقعها الجغرافي، فهي لا يفصلها عن اليمن إلا مضيق باب المندب الذي لا يتجاوز عن عشرة أميال، وكانت النشاطات الاقتصادية والثقافية والسياسية والعلاقات الاجتماعية في إرتيريا كثيرًا ما تتأثر بالأوضاع العامة في شبه الجزيرة العربية.
وبعد ظهور الإسلام هبطت بثغر باضع «مصوع» أول بعثة إسلامية مهاجرة بدينها في طريقها إلى الحبشة بإمرة الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كانت شواطئ إرتيريا محل اهتمامه الخاص للاعتبارات الأمنية فضلًا عن اعتبارات نشر الدعوة الإسلامية. فأرسل إليها كتيبة مجاهدة بقيادة علقمة بن مجزرة الكناني في شهر صفر من السنة التاسعة للهجرة النبوية.
وفي عهد الخلافة الأموية كانت السلطة والدعوة الإسلامية قد تمكنت ابتداء من عام ٨٤ هـ من الشواطئ الإريترية.
وقد قامت على امتداد الشاطئ الإرتيري عدة إمارات إسلامية كان لها الدور البارز في نشر الإسلام على طول الشاطئ وعمق البلاد.
ويبلغ سكان إرتيريا حاليًا حوالي أربعة ملايين نسمة يشكل المسلمون غالبيتهم، وهناك مجموعات سكانية متعددة ومتميزة دون أن توجد أي حواجز فيما بينها.
وقد ظلت الروابط العامة بين السكان طوال القرون العديدة في تعاون واحترام متبادل إلى أن أقبل في عام ١٥٤١ م جيش برتغالي خليج «زولا»الإرتيري في طريقه إلى الحبشة لنصرة ملكها على الإمام أحمد بن إبراهيم الأشول الصومالي أمير إقليم هرر وفاتح الحبشة المشهور.
كذلك فإن النائب حاكم إقليم مصوع وتوابعه قد استنجد بالأسطول التركي لمواجهة الجيش البرتغالي؛ حيث جرت بين الجيشين معركة فاصلة على مدخل البحر الأحمر انتصر فيها الجيش العثماني.
وفي عام ١٨٦٥ تنازلت دولة الخلافة العثمانية عن ارتباطاتها في إرتيريا للدولة الخديوية المصرية التي ربطت إدارة معظم أجزائها بإقليم «التاكا» السوداني «الإقليم الشرقي حاليًا».
وحين اندلعت الثورة الإسلامية المهدية في السودان انسحبت الحكومة الخديوية من إرتيريا تحت ضغوط دولية مختلفة، فانتهزت إيطاليا الفرصة فاحتلت جيوشها في سنة ١٨٨٥م إقليم مصوع وملحقاته بتشجيع من بريطانيا التي كانت تعاني من منافسات فرنسا في البحر الأحمر، وظلت إيطاليا متمسكة باحتلال إرتيريا حتى عام ١٩٤١م حين هزمت أمام دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
ولتحديد أثر الاتجاهات الثقافية والعقائدية والسياسية المعاصرة على أوضاع المسلمين والإسلام في إرتيريا ينبغي إعطاء فكرة موجزة عن قضية تقرير المصير والثورة المسلحة.
قضية تقرير المصير:
وضعت إرتيريا تحت الانتداب البريطاني في سنة ١٩٤١م. ولما لم تتوصل دول الحلفاء إلى حل بشأن تقرير مصير المستعمرات الإيطالية السابقة ومن ضمنها إرتيريا أحيلت المشكلة برمتها إلى أروقة الأمم المتحدة.
وقد كانت القضية الإرتيرية مثارًا للخلافات الحادة بين الدول الكبرى والدول المعنية لصعوبة التوفيق بين مصالحها المتعارضة في إرتيريا.
وبعد مخاض طويل من الآلام والأحزان والمساومات أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا في 2/12/1950 تحت رقم 290/1/ ٥/١/٢٩٠ يقضي بإقامة اتحاد فدرالي بين إرتيريا وأثيوبيا. وكان من الواضح للعيان أن هذا القرار قد تجاهل الرغبات الحقيقية الأغلبية الشعب الإرتيري، وأنه جاء تجسيدًا للمصالح الأثيوبية ومحاباة لمكاسب الأقلية النفعية.
وقد دخل القرار حيز التنفيذ 15/9/1952، وجندت أثيوبيا نفسها مع بداية تطبيقه للإجهاز على مضمون النظام الفدرالي، فبدأت تنقضه وتهدمه شيئًا فشيئًا؛ حتى ألغته نهائيًّا في 14/11/1962 تحت إعلان مسرحية برلمانية.
إعلان الثورة المسلحة:
وحين غدرت إثيوبيا بالنظام الفيدرالي لم يكن أمام الشعب الإرتيري إلا أن يعلن ثورته المسلحة في أول سبتمبر سنة ١٩٦١ بقيادة الشهيد حامد إدريس عواتي. وكان للشخصيات الإسلامية الدينية في إرتيريا دور بارز في نجاح الخطوات الأولى لانطلاقة وتثبيت الثورة المسلحة.
وقد واجهت الثورة منذ البداية رفضًا مسلحًا من إثيوبيا وعملائها المحليين الذين انساقوا وراء الدعايات الأثيوبية المتناغمة مع أبواق الطائفية ضد الإسلام والمسلمين، وقد أمكن بمرور الوقت تحت حكمة وصبر المسلمين من اقتناع القطاعات الواسعة من مواطنيهم المسيحيين لتأييد الثورة المسلحة والقتال في صفوفها. غير أن الدور البارز في قيادة الثورة قد تحول من المسلمين إلى تيارات معادية للإسلام مستغلة في ذلك غفلة المسلمين وقلة وعيهم بإسلامهم وتمزق وحدتهم.
وتوجد الآن عدة تنظيمات سياسية وعسكرية في الساحة الإرتيرية، ولكن من الناحية العملية هناك جبهتان جبهة التحرير الإرتيرية وتضم ثلاث فصائل مسلحة وهي تسعى الآن لوحدة فصائلها وأكثرية قاعدتها من المسلمين. أما الجبهة الثانية فهي الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا وهو تنظيم سياسي وعسكري أكثرية قاعدته من المسيحيين وله روابط وتحالفات مع بعض الفصائل المسلحة في أثيوبيا خاصة مع الجبهة الشعبية لتحرير تقراي وإقليم تقراي الإثيوبي تربطه - مع القسم الجنوبي الإرتيري ذي الأغلبية السكانية المسيحية – مقومات عرقية، ودينية، وثقافية، وجغرافية.
ومن المفارقات الواضحة بين الجبهتين، أن الجبهة الشعبية لتحرير إرتيريا معروفة باستراتيجيتها ذات البعد القومي الحبشي وبتكتيكاتها الماركسية العلمانية المرحلية. أما جبهة التحرير الإرتيرية - بفصائلها الثلاث- فإن أيدولوجيتها غير محددة المعالم بجانب تأرجحها وعدم استقرارها. فتوجد فيها أفكار الوطنية والعلمانية والماركسية.
منظمة الرواد المسلمين:
وبعد أن استعرضنا خلفيات القضية الإرتيرية في مراحلها السابقة، من المهم أن نشير إلى أنه تم الإعلان عن منظمة الرواد المسلمين الإرتيرية في نهاية عام ۱۹۸۱ للعمل على رفعة شأن الإسلام والمسلمين في إرتيريا.
وقد واجهت المنظمة عقبات عديدة نذكر منها:
1- فتور همة المسلمين وتشتت كلمتهم وقلة فهمهم للمعاني الشمولية للإسلام.
٢ - قوة وتماسك الأفكار المعادية للإسلام وهيمنتها السياسية والعسكرية على الثورة واتساع دائرة نفوذها الخارجي.
3- تردي الأوضاع العامة الإرتيرية وخاصة في الوسط المسلم الاجتماعي الإرتيري.
4- الإسهام والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية بفصائل الثورة الإرتيرية بحسبان أن ذلك يعتبر خطوة أولى لتحقيق النصر على العدو الأثيوبي.
5- إن أصرار منظمة الرواد المسلمين الإرتيرية على كشف التوجهات الحزبية السياسية والعقائدية السرية في داخل الفصائل الثورية الإرتيرية ومطالبتها بضرورة الحرية والعلنية لكافة النشاطات السياسية في ضوء احترام الأديان السماوية، والأعراف العامة للشعب الإرتيري ومراعاة ظروف مرحلة التحرر الوطني يعتبر مبادرة واعية وسليمة لصالح النشاط الإسلامي في إرتيريا.
وقد أصدرت المنظمة عددًا من البيانات والنشرات، وعبرت فيها عن جملة المواقف المؤيدة للجهود الوطنية والشقيقة والصديقة لرأب وحدة فصائل الثورة الإرتيرية. وتقوم بهذا الدور في الوقت الذي تحرص فيه للتعبير باستمرار عن مبادئها ومنطلقاتها الإسلامية، وتتصدى وتفند مبادئ ومزاعم الأفكار الضالة المضللة.
وهي قبل كل شيء تتأسى في كل خطواتها بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. (فصلت: 33-34) صدق الله العظيم..
نداء:
- هذا ونظرًا للمجاعة التي يتعرض لها الشعبان الإرتيري والأثيوبي وعدد من دول أفريقيا وجهت اللجنة العليا للتحضير لاجتماع المجلس الوطني الإرتيري نداء جاء فيه:
أن اللجنة العليا للتحضير لاجتماع المجلس الوطني الإرتيري تناشد كل الحكومات وجميع دول العالم وكل المنظمات الإنسانية للعمل على:
۱ - إيقاف تغذية الآلة الحربية الأثيوبية المسخرة ضد شعبنا.
2 - الضغط على حكام إثيوبيا سياسيًّا واقتصاديًّا وكذلك من خلال المنظمات الإقليمية للتفاوض مع الثورة الإرتيرية للوصول إلى حل سلمي للمسألة الإرتيرية واضعين في الاعتبار الحق المشروع للشعب الإرتيري في تقرير مصيره واستقلاله الوطني.
- تكوين لجنة دولية لإنقاذ الشعب الإرتيري الذي يتعرض للموت من المجاعة بسبب الجفاف ونتيجة لسياسة الأرض المحروقة التي اتبعها حكام إثيوبيا. وجمع المساعدات الإنسانية وتوزيعها على المناطق المتضررة من الجفاف في إرتيريا.
٤ - التعاون مع الهيئات الإنسانية الإرتيرية والتي لها الاستعداد لإمدادهم بكل ما يلزم؛ حيث إنها المؤهلة والمقتدرة للوصول إلى كل أجزاء إرتيريا والمناطق المتضررة بالجفاف على وجه الخصوص.
- كما بعثت اللجنة العليا للمجلس الوطني الإرتيري ببرقية إلى أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح هذا نصها:
وفقًا لما تقدمه إياديكم البيضاء السخية لأبناء العروبة والإسلام والإنسانية جمعاء من عون ومساعدة في محنها المتنوعة وخصوصًا تلك الناجمة عن الكوارث الطبيعية مثل الجفاف:
نتوجه إلى سموكم وكلنا أمل ورجاء أن تمدوا يد العون السريع للمليوني إرتيري من أصل أربعة ملايين يتعرضون للموت جوعًا بسبب الجفاف الشديد بدون أن تصلهم يد المساعدة من أية جهة حتى تلك التي تأتي من المنظمات الإنسانية عبر إثيوبيا؛ حيث إنهم يقطنون في المناطق المحررة التي لا تصلها سلطات الاحتلال في الأثيوبي، ولا أية منظمات إنسانية تأتي عبرها، ولقد استفحلت المجاعة ونفقت الماشية ومئات الناس، فقد أحصينا في سبعين قرية من قرى بركة في غرب إرتيريا ومات نحو (٥٠٠) خمسمائة إنسان جوعًا خلال الشهرين الماضيين، فيما ظلت قوافل البشر الجائعة تتدفق إلى السودان الذي يعاني نفسه من مشاكل الجفاف.
لهذا نلتمس من سموكم وقد عودتمونا على الدعم والمساعدة أن تشملوا بعطفكم منكوبي الجفاف في إرتيريا وتمدوا لهم يد العون السريع بالذرة والقمح، والعدس، والتمر، وغيرها.
ولكم سلام الله وأجره.