; الإذاعة البريطانية... حقائق وأرقام | مجلة المجتمع

العنوان الإذاعة البريطانية... حقائق وأرقام

الكاتب معاذ الرفاعى

تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1990

مشاهدات 76

نشر في العدد 956

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 27-فبراير-1990

 

تتخذ إذاعة لندن سمتًا متزنًا في بثها وفي تحقيقاتها وفي الكثير من برامجها، مما يوحي للمستمع بأنها حيادية في تحليلها، موضوعية في نقلها للأخبار وتغطيتها للأحداث.

وقد استقطبت هذه الإذاعة بأسلوبها المدروس وطريقتها المؤثرة جمهورًا غفيرًا من المستمعين العرب، حيث إن ساعات بثها التي تبلغ تسع ساعات يوميًا تخاطب مختلف الطبقات من المثقف إلى العامي ومن رواد البحوث والدراسات إلى طلاب المتعة والتسليات.

 ويظن كثير من الناس بأنها هيئة أهلية ليس لها علاقة بالحكومة البريطانية لذلك فهي مستقلة لا تخضع للتوجيه الرسمي، والحقيقة أنها كانت في بداية أمرها كذلك، ولكن عندما أحست الدولة بأهميتها كأداة دعائية خطيرة قررت السيطرة عليها فوضعت نظامًا لها عام 1927، وأصبح للبرلمان بموجبه حق التدخل في شؤونها مقابل الدعم المالي، وكمظهر من مظاهر اهتمام الدولة بها أصبح تعيين أعضاء مجلس إدارتها التسعة يتم بمرسوم من قبل ملكة بريطانيا، كما أن تحديد عدد اللغات التي تبث بها الأقسام الخارجية ومُددها صار من اختصاص الحكومة البريطانية.

والجدير بالذكر أن هذه الإذاعة على علاقة وثيقة بالمخابرات البريطانية، فقد نشرت الإزفستيا السوفيتية في عددها الصادر بتاريخ 5/12/1968 بعض الوثائق التي تؤكد هذه العلاقة حيث كشفت عن اتفاق عُقد بين الإذاعة وإدارة المخابرات تُسلّم بموجبه الإذاعة الرسائل التي تردها إلى جهاز المخابرات لدراستها والتعرف على أسماء مراسليها وأماكن إقامتهم، مما يفيد عملاءها ويسهل لهم بعض أهدافهم، هذا بالإضافة إلى التعاون الإداري الذي يضمن لرجال المخابرات العمل في الإذاعة، ولموظفي الإذاعة العمل في المخابرات مما يجعل رجال المخابرات البريطانية أو عملاءها يتحركون بجدية أكثر لأنهم يحملون شارة المراسل الإذاعي التي لا تثير الشك والريبة، بل إن الوثائق تؤكد أن المخابرات البريطانية تستطيع أن تطلب من الإذاعة بث بعض المواد والتركيز على أخبار محددة دون غيرها، وقد صرح المدير العام للإذاعة البريطانية بأن المخابرات تمول العديد من برامج الإذاعة.

 

أول قسم أجنبي: كان أول قسم أجنبي تفتتحه الإذاعة البريطانية هو القسم العربي عام 1938 حيث كانت الثورة العربية التي بدأت عام 1936 في فلسطين تقلق الحكومة البريطانية التي سبق لها أن وعدت اليهود بوطن قومي في فلسطين فكان الهدف من إنشاء هذا القسم:

1.     إقامة جبهة ثقافية تدعم وتساند الجبهة العسكرية للاستعمار البريطاني، حتى إذا اضطرت إلى سحب قواتها خلّفت وراءها جيشًا من المعجبين المدجنين بغزوها الثقافي وذلك عملًا بالقاعدة التي تقول: «إن السياسة البريطانية تستمر مئة عام بعد انسحاب جيوشها».

2.     إظهار اللاجدوى من مقاومة العرب وإدخال اليأس إلى قلوبهم بواسطة بثها الموجه الذي يضخم الحدث أو يقلل من شأنه حسب الحاجة وبمقتضى حال المستمعين الذين يتأثرون بالدعايات ويرتعبون من تهويل المواقف ويُؤخذون بالتهديدات وفي النهاية يكون التركيع والتوقيع والاستسلام.

3.     نشر نمط الحياة البريطانية في مقابل الواقع العربي المتخلف بعيدًا عن دراسة الأسباب الموضوعية للتقدم والتخلف وعن نقاط الضعف وعوامل الانهيار في المجتمع البريطاني.

4.     وصف الذين لم يخضعوا للغزو الفكري ومحاولات التذويب والتغريب ويطالبون بالعودة إلى الجذور بالمتطرفين والمتعصبين والمتشددين، ولا تنس أن تضيف وراء كل وصف مما سبق كلمة (المسلمين) لتوحي بأن هذه صفات متأصلة في حياة المسلمين.

5.     نزع ثقة المستمعين من كل مقومات أمتهم، اللغة - الدين - التاريخ وغرس البدائل الاستعمارية، حتى أولئك الذين نجحت فيهم تجربة السحر البريطانية يستحون من انتمائهم لأمتهم.

 

السم في الدسم: سلسلة دروس تعليم اللغة الإنجليزية يتابعها ويستفيد منها عدد غير قليل من المهتمين بدراسة اللغة الإنجليزية وهذه خدمة جيدة من إذاعة لندن لكن ما هو الثمن؟

1.     من خلال الأمثلة والشواهد تقوم بنشر الثقافة الأجنبية وأسلوب التفكير الإنجليزي في صفوف المستمعين.

2.     في ختام الحلقات يسأل المذيع المستمع إن كان يرغب في نسخة مجانية من كتاب يساعده على تعلم الإنجليزية وعند الموافقة ترسل له الإذاعة نسخة من الإنجيل بالعربية والإنجليزية.

هذا وتقوم الإذاعة بمخاطبة المرأة العربية المسلمة بأسلوب جذاب يهدف إلى خداعها وتضليلها في محاولة لإظهار الشفقة وكسب الثقة ولكن ماذا تقول؟ «حقوق المرأة ماذا يقول عنها الكتاب المقدس؟» «كيف تعيشين في سلام من ضغوط السجن؟» «كيف تجدين حلولًا لمشاكل أسرتك؟» والإجابة عن هذه الأسئلة تتضمن ذكر أقوال من الإنجيل بالإضافة إلى نشر المفاهيم الغربية والقيم الإباحية. كما تتحدث الإذاعة البريطانية عن الجهاد في أفغانستان بعد انسحاب الروس بأنه عبارة عن حرب أهلية بين الأفغان محاولة بذلك صرف الأنظار عن الأهداف الحقيقية من وراء الجهاد الإسلامي في أفغانستان، وتصف قادة المجاهدين والشباب العرب الذين يقاتلون مع إخوانهم الأفغان بأنهم يعملون على نشر الوهابية، ولهذه الكلمة ظلالها في نفوس الأفغانيين، كل ذلك لإيجاد شرخ واسع وهوة عميقة بين المجاهدين والعرب الذين يناصرونهم من جهة وبين الشعب الأفغاني من جهة ثانية، وكل ذلك في إطار تأييد الإذاعة البريطانية للمجاهدين ومعارضتها للغزو السوفيتي مما يجعل السم القاتل في العسل المغشوش.

أزمة ثقة:

يعيش المستمع العربي أزمة ثقة مع الإذاعات العربية في الشكل والمضمون، فنشرات الأخبار على سبيل المثال يغطي جزء كبير منها الأنباء المحلية المهمة وغير المهمة، بالإضافة إلى التشريفات والجزء الذي يغطي الأخبار الخارجية عبارة عن نقل مشوش لما تبثه وكالات الأنباء، فإذا أدار مفتاح الراديو إلى إذاعة لندن وجد غير ذلك، المذيع يقدم النشرة بنبرة متأنية وصوت واثق مما يبعث الاطمئنان ويبعث على التصديق والأخبار تتناول أهم الأحداث التي ينتظرها المستمعون بشغف وترقب وصياغة الخبر من نوع المختصر المفيد الذي لا يفقد المستمع صبره ولا يسبب له الملل والخبر نفسه يغطي الأماكن الساخنة في العالم حتى الأخبار المحلية كثيرًا ما يلجأ المستمع العربي إلى إذاعة لندن ليتأكد مما يذاع أو يشاع عنها.

ضغوط مكثفة:

تستغل الإذاعة البريطانية ثقة المستمعين التي ذكرنا بعض أسبابها فتذيع بعض الأخبار مهولة مكبرة، وربما كانت مفتعلة مكذوبة، وذلك بهدف الضغط على نفسية الناس والإحراج للحكومات أو لبعض المسؤولين، أو للتأثير على الرأي العام العالمي بغية دفعه إلى تبني المواقف وتأييد بعض الجهات. من أمثلة ذلك أنها عندما غطت أنباء المعارك حول جلال آباد في أفغانستان قالت بأن الجيش الباكستاني يشترك في القتال، وإنه قُتل من جنوده 260. وبعد ذلك تبين بأن الخبر لا أساس له من الصحة لكن بعد أن أدى دوره في الضغط على الحكومة الباكستانية. وأثناء العدوان الإسرائيلي على البلاد العربية في 5/6/1967 لم تذكر الإذاعة البريطانية أن إسرائيل هي التي بدأت العدوان خلال تغطيتها لأخبار الأيام الأولى من حرب الأيام الستة، وعند الحديث عن المعارك كانت تذيع البيانات العسكرية للطرفين ولكنها تذكر بالتفصيل الأقاويل الإسرائيلية وتظهر الأماكن التي يحقق الجيش الإسرائيلي انتصاراته فيها، كما تُسهب في وصف المأساة التي أصابت القوات العربية. وقد قامت إذاعة لندن في تلك الأثناء برفع مدة البث اليومي وزيادة عدد نشرات الأخبار لتحكم سيطرتها الضاغطة على جماهير المستمعين الذين يتابعون أنباء المعارك وتدخل في روعهم ما يُعَمِّله القارئ من عوامل الوهن والخوف والاستخذاء.

لقد قالت إذاعة لندن أثناء حرب 1967 بأن القوات الإسرائيلية تزحف نحو دمشق، وأن مبنى وزارة الدفاع السورية قد تهدم بشكل تام ثم عادت بعد أن فعل الخبر فعله لتقول بأن وزارة الدفاع لا تزال قائمة وبنايتها لم تُصب بأذى. وفي حرب رمضان 1973 التي استعاد فيها العرب بعض كرامتهم المهينة كانت إذاعة لندن تقلل من قيمة الانتصار وتهون من شأنه، وفي الوقت نفسه تذيع بأن القيادة الإسرائيلية مليئة بالتصميم لاستعادة الأراضي التي خسرتها، وقد شنت أثناء الحرب معارك نفسية ضد العرب فتحدثت بالتفصيل عن تحركات الأسطول السادس الأمريكي، وأنه على أهبة الاستعداد لأي أعمال هادفة من وراء ذلك إلى زعزعة ثقة العرب بأنفسهم، كما أن كثيرًا من حوادث العنف التي تجري في العالم تتولى الإذاعة البريطانية اتهام الفلسطينيين بفعلها قبل أن تتأكد من الحقيقة، وذلك لإظهارهم أمام الرأي العام بالإرهابيين ولكسب مزيد من العطف والتأييد لإسرائيل والقضية اليهودية.

 

مع الهجرة اليهودية:

رغم أن العالم يشهد تدفق اليهود السوفييت على فلسطين لدعم الكيان اليهودي الذي تهدده الزيادة المطردة في أعداد الفلسطينيين، ورغم تحذيرات الزعماء العرب من خطورة هذه الهجرة، وأنها ستكون على حساب الوجود الفلسطيني وعلى حساب أمن واستقرار الدول المجاورة، فإن إذاعة لندن تعتبر الأمر مجرد عمل إنساني يخدم قضية الحرية في الاتحاد السوفيتي، هكذا بكل بساطة ولكي تهون من وقع أخبار الفلاشا السوفيتية، ومع علمها بأنها صفقة في التجارة السياسية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة فقد ذكرت في نشرتها الإخبارية مساء يوم 9/2/1990 بأن وزير خارجية أمريكا حث نظيره السوفيتي على الحد من هجرة اليهود، وفي يوم 10/2/1990 تنشر الصحف أن الرئيس الأمريكي يدعو السوفييت إلى السماح لليهود بالهجرة مباشرة إلى إسرائيل والتصريح الذي تنشره الصحف في الصباح إنما هو من أحداث المساء فلماذا لم تنقله إذاعة لندن ونقلت كلام وزير خارجية أمريكا فقط؟ إلى هذا الحد يبلغ استهتار هذه الإذاعة بعقول العرب؟ أم أنها تتغابى بغية أن يصدقها الذين لا يتابعون الأحداث؟ أم أنها تذكر ذلك من باب التعازي في المصاب العربي المحزن؟

 

لا غرابة:

قد يكون من نافلة القول أن نذكر بأن القائمين على الإذاعة البريطانية من اليهود المتعصبين والصهاينة الحاقدين، فالمدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية يهودي صهيوني، وقد قام بتعيين يهودي من أصل مصري يدعى ابن عمار نائبًا لرئيس القسم العربي، فهل ما تبثه الإذاعة البريطانية بدافع من عنصرية هؤلاء اليهود القائمين عليها؟ أم أن تعيين هؤلاء اليهود في هذا الموقع كان بدافع العداء الصليبي الموروث؟ نحن نعتقد بأننا في مواجهة حقد مركب تعمقه المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة بين الصليبيين والصهاينة ويحافظ عليه ما نعانيه من بلاهة وعجز وتخلف.

 

في الختام:

لم يكن في النية تقديم دراسة مفصلة حول الإذاعة البريطانية وإنما تسليط بعض الأضواء على نشاط هذه الإذاعة وخطورتها وتأثيرها على شريحة من المستمعين بالإضافة إلى تنبيه القراء من خلال المؤشرات التي ذكرناها والتي نأمل أن تسهم في إنارة بصائر بعض المعجبين بإذاعة لندن، لتكون عندهم المناعة ضد الوباء الذي يمكن أن يتسرب إلى عقولهم ونفوسهم عبر إخباريات وبرامج هذه الإذاعة، ولإعطائهم فكرة يُمحصون على أساسها ما يستمعونه، فلا يصدقون كل شيء ولا يعتبرون هذه الإذاعة مصدر ثقة لا تذيع إلا الحقائق، وليس لها أغراض من وراء عروضها، كما أننا نضع هذه الكلمات بين أيدي المهتمين كحافز للقيام بعمل متكامل ودراسة تستوعب الموضوع من كل جوانبه تُعرض في كتاب لتتم الفائدة ويعم النور وتنجلي الظلمة عن العيون.

 

 

الرابط المختصر :