العنوان فقهوهن في دين الله
الكاتب الشيخ معوض عوض إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1981
مشاهدات 69
نشر في العدد 530
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-مايو-1981
ما أعظم دلالة أن نلتقي على كلمات امرأة، احتفى إليها الرسول بكل وعي فيه وقوة بكلماتها وما هي به على مشهد من أصحابه، إنها الصحابية الجليلة أسماء بنت زيد الأنصارية. لقد جاءت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك، إن الله -عز وجل- بعثك إلى الرجال والنساء كافة، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد في بيوتكم، وحاملات أولادكم، وأنتم معاشر الرجال، فضلتم علينا بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجًا أو معتمرًا أو مجاهدًا، حفظنا لكم أموالكم وغسلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم أفنشارككم في الأجر والثواب؟
قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها هذه؟
فقالوا: ما ظننا امرأة تهتدي إلى مثل هذا.
فقال صلوات الله عليه لأسماء: انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك أن حسن تبعل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله».
إنني أنطلق من هذا الحوار الخير بين امرأة عرفت بالدقة موقعها الحق في بيتها، فأرادت أن تتعرف على مكانتها الحقة عند ربها سبحانه وبين ناس زمانها في رؤية واضحة لا تختلط فيها الأهواء والمطامع والأشواق بمراد الله الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
إن من حق المرأة المسلمة في كل عصر وبعد أن تعرف دينها، وأن تطالب أن تعرف دينها، وأن تطالب بهذا الحق كل مسؤول في أي مستوى بإصرار، وبالحكمة وأدب الإسلام، وما جعل الله القوامة للرجال ترفًا ولا شرفًا، ولكنها مسؤولية يكلفون بها لمعرفة المرأة بدينها كل باب ويهيئون لذلك الأسباب ويعينونها على أخذ كل وسيلة سوية، لتصحح عقيدتها، وتعلم ما أوجب الله عليها، وتعرف السلوك الذي نهجه الله لحياتها وبلغنا إياه النبي -صلى الله عليه وسلم- فالإسلام دين الله للرجال والنساء على سواء، طولبن فيه بما طولب به الرجال من إيمان بالله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم الشهر، وحج البيت وحسن الخلق، وصدق الحديث، ووفاء بالعهد ورعاية لأمانات الله والناس، وكفى بالله شهيدًا، وهو يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب : ٣٥) ويقول الله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (آل عمران : ١٩٥).
إن كثيرات من النساء أمهات وزوجات وبنات وأخوات يجهلن الكثير الكثير من أمور دينهن ومن ذلك الصلاة ومقوماتها من الطهارة ومن الأحداث والشؤون الخاصة بهن بلغت منهن المحيض، وجهلهن بما وراء الصلاة من تكاليف الإسلام يجري على مستوى جهل كثيرين من الرجال بذلك.
وقد يكون إثم الرجل كبيرًا في هذا الجهل لأن فرصته أوسع في التردد على المساجد، وعلى حلق الوعظ، ومجالس العلماء التي تنعقد بتوجيه من وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت وباندفاع ذاتي من كثيرين في ديوانياتهم وفي بعض المساجد التي تتعهد أمر الدعوة إلى الله، فلا يسعنا إلا أن نسهم سعداء مقدرين في ذلك الخير الذي هداهم الله إليه، وفي جمعيات نود أن تستعيد عهودها الأولى التي كانت فيها منابر دعوة، ومنابر هداية وإصلاح، وينابيع بر وإحسان.
إن الرجال الذين لم ينتفع أكثرهم بحلق الوعظ وعمل الدعاة الأمناء إلى الله، يظلمون المرأة، فلا يعطونها فرصة التفقه في الدين ومعرفة ما عليها لله تعالى من حق الطاعة، وما عليها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حق الإتباع والانتفاع بتوجيهاته لشقائق الرجال إلى المدى الذي يكن فيه كما قال الله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (النساء:٣٦).
إن من حق المرأة أن تعرف دينها، وأن يسارع الآباء والأزواج وولاة الأمور في المجتمع المسلم لتيسير هذا الحق في زمن تضاعفت فيه البرامج والمناهج والوسائل التي تزيد في انصراف المرأة عن الفقه في الدين، وأخذ ما ينفع من المعارف والثقافات التي تعددت واتسمت برعاية المرأة، وما هي من ذلك في شيء، وكم من القوى تحرص على تشكيك المرأة في إعزاز الإسلام لها واهتمامه بها على النحو الذي يبرز في السورة التي تحتل اسم «النساء». وتعرض حقوقهن زيادة على الحقوق التي تطالعك لشقائق الرجال في النور، وفي سورة أخرى وآيات ذوات عدد في كتاب الله تعالى، وفي سنة النبي وسيرته وحياة سلف هذه الأمة المسلمة، ولا يمثل ما أعطيه وتعطيه الشرائع البشرية والحضارات الصناعية للمرأة إلا قطع الزجاج البراق من الجواهر التي أعطاها لها الإسلام العظيم، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ (النساء: ٤) وقال: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء:7) .
وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل : ۹۷) وما ينبغي أن نترخص في إعطاء المرأة حق المعرفة بدينها، قبل أن تسبقنا إليها شياطين الإنس، إنهم يسمون لها الانحلال والابتذال عصرية، ويسمون التشبث بالدين جمودًا ورجعية، ويسمون الاحتشام والتصوف والعفاف تزمتًا وردة إلى عهد الشيخ والقيصوم ولبن النوق ونظام الحريم كما يقولون، ويصرخ بعض الرجال قائلين: «لقد حرم الشيوخ كل شيء» والتحريم والتحليل ليس إلا لله وهو يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل : ١١٦).
ليت نساءنا يأخذن لأنفسهن ببعض ما قال الله لأمهات المؤمنين ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ﴾ (الأحزاب: ٣٣)
وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ﴾ (الأحزاب: ٣٤) وليتنا نعرف مسؤوليتنا عن معرفة النساء بدينهن ونحن نذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «والرجل في أهل بيته راع وهو مسؤول عن رعيته»، وقوله: «وما لقى الرجل ربه بذنب أعظم من جهالة أهله».