العنوان المجتمع الثقافي(1443)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001
مشاهدات 68
نشر في العدد 1443
نشر في الصفحة 50
السبت 24-مارس-2001
الشعر الإسلامي وحاجة الدعوة إليه
لن يؤثر شعرنا وتنفع كلماتنا إلا إذا أفنينا حياتنا كلها لإعلاء كلمة الحق
علي عثمان الحكمي
إن الناظر في سيرة النبي صلي الله عليه وسلم في حياة الجماعة المسلمة الأولى ليبصر الأثر المتميز الذي تركه الشعر الإسلامي الأصيل في ذلك الوقت، ويعلم مدى التغيير الذي أحدثه هذا النوع من الأدب في حياة الجماعة المسلمة الأولى ويدرك تأثيره المتدفق في أحوال الصحابة رضوان الله عليهم من جهة وتأثيره الواضح والفتاك في حياة الأعداء والمحاربين والمنافقين من جهة أخرى.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم القائد الواعي والمربي القدوة، يعلم أن هذا المنهج له أثره البالغ في حياة المسلمين ومسيرة الدعوة، فقد كان النبي صلى الله عليه و سلم الله يحب الشعر ويستزيد منه.
فقد جلس النبي صلى الله عليه وسلم يومًا مع أصحابه وأقبل عبد الله بن رواحة- رضي الله عنه- فسأله النبي صلى الله عليه و سلم «كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول؟» فأجاب عبد الله بن رواحة- رضي الله عنه: «أنظر في ذاك ثم أقول»، ومضى على البديهة ينشد:
يا هاشم الخير إن الله فضلكم على البرية فضلاً ما له غير
إني تفرست فيك الخير أعرفه فراسة خالفتهم في الذي نظروا
ولو سألت أو استنصرت بعضهمو في حل أمرك ما ردوا ولا نصروا
فثبت الله ما أتاك من حسن تثبیت موسى ونصرًا كالذي نصروا
فسر الرسول ﷺ وقال له: «وإياك فثبت الله» وحين كان النبي ﷺ يطوف بالبيت في عمرة القضاء كان ابن رواحة- رضي الله عنه- بين يديه ينشد من رجزه:
يا رب لولا أنت ما اهتدينا ولا تصـدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الذين قد بغوا علينا إذا أرادوا فـتنة أبينا
وعن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: اهجوا قرشًا فإنه أشد عليهم من رشق النبل.. فأرسل إلى ابن رواحة فقال اهجهم، فهجاهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه وجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال رسول: لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبًا، حتى يخلص لك نسبي فأتاه حسان ثم رجع فقال رسول الله ﷺ: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله، فقال حسان- رضي الله عنه - قصيدته التي فيها:
هجوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
قالت عائشة فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «هجاهم حسان فشفی وأشفي» رواه البخاري ومسلم
وعن كعب بن مالك- رضي الله عنه- أنه قال للنبي ﷺ: إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل فقال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكان ما ترمونهم به نضح النبل»، أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح.
وغيرها من الأمثلة التي تؤكد لنا أهمية الشعر الإسلامي في مسيرة الدعوة وتبين لنا أن وجود ذلك في صف الجماعة المسلمة يكون تربية لهم وإشعالاً لروح الحماسة، وحثًا لهم على مواصلة الجهاد وتقديم البذل والعطاء. ولقد رأينا شعراء الجماعة المسلمة الأولى- رضي الله عنهم جميعًا- ينافحون عن الإسلام ويدافعون عن الدعوة الإسلامية بكل ما يملكون من فصاحة وقدرة شعرية.
يقول الدكتور: عدنان علي رضا النحوي في كتابه «الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته».. وظل الشعر على هذه الألسنة المؤمنة يدفع اللحن الرائع والأغنية الشجية والدعوة القوية، لحنًا خالدًا أبد الدهر، وأدبًا إنسانيًا يتعلم منه الإنسان أعظم المعاني وأغناها.
وما أحوجنا نحو اليوم إلى أن نتعلمها قبل غيرنا، وهي بين أيدينا، وأن ينهج الأدب الإسلامي اليوم نهجها، ويطرق أبوابها.
ولذلك كان لزامًا على الحركة الإسلامية اليوم أن تأخذ منهج النبي، ولا تغفل هذا الجانب، وعليها أن توليه اهتمامًا كبيرًا، لتخرج لنا الدعوة جيلاً رائدًا من الأدباء والشعراء الذين يخدمون هذه الأمة، ويدفعون مسيرة الدعوة الإسلامية إلى الأمام، وعلى الدعاة والمربين أن يعتنوا بالأدباء والشعراء، وأن يبحثوا عن الذين يملكون هذه المواهب لتنميتها فيهم وتوجيهها التوجيه السليم.
ولقد نادى الأستاذ محمد أحمد الراشد في كتابه «صناعة الحياة»، قائلاً: «إن فحصًا بين شباب الدعوة عن ذوي القابلية الشعرية، واختيار عدد منهم وتدريبهم وتشجيعهم هو من الأولويات الواجبة في الخطة الجادة، ليصفوا منهم للدعوة في القطر خمسة من بين فحل مجيد تعلق قصائده في أستار الكعبة وآخر ممهد ومعين، ليضيف جميعهم خلال تسع سنوات من الترنم خمسة آلاف ولي إلى الرصيد ثم ليرفعوا العدد إلى خمسين في السنة العاشرة يوم يهتز اللواء فتبني أبياتهم بيوت المدينة الفاضلة».
حقاً فرسالة الشاعر رسالة سامية، لأنها تنطلق لتفصح عن الحق الذي غاب عن البشرية زمنًا طويلاً، فلعل أملاً يعود إلى قلوب اليائسين يشعل فيهم حب العمل والجهاد، ولعل المجد الضائع يعود إلى مسكنه القديم.
واحتقار تأثير الشعر والشعراء من الحماقة، فتأثيرهم أوسع من غيرهم إن لم يكن في ذلك مبالغة، فقد يبلغ أثرهم آفاقًا وحدودًا قد لا تبلغها كلمات الوعاظ والمفكرين:
آفاق شـعرك لا تحد وله مع الأمجاد وعــد
في كل ميــدان لـــه سبق.. وخيل تســـتعد
ورسالة الأدب الوفيـــ ــع هدي.. وإيداع وجد
ولـسانه بالطهر يلهـ ـج.. و هو للعلياء يحدو
ما عابه طيش الهــــــــوى أو غاب عن معانه رشــد
أبياتــه- كلمــاته أبدا لـــدين الحق جنـــــد
يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد.. وإذا كان تأثير المفكر والمفتي علميًا فإن تأثير الشاعر أخلاقي من جهة، وهممي من جهة أخرى يحبب للنفوس البذل، ويوجد فيها الاستعداد لركوب الصعاب، وبخاصة إذا نشر شراع الدعوة وقت هبوب الرياح فينزل الشعراء ليضرموا حرارة التحدي ويغرسوا روح الهدم والبناء فإذا كان الأثر كذلك فعلى الشاعر أن يكون بارعًا في شعره، متقنًا له مبدعًا في أدائه، واعيًا لألفاظه ومعانيه متفننًا في انطلاقه وخياله، يفهم كلماته العالم والمتعلم والأديب وغير الأديب، وتؤثر كلماته في من يسمع منه ويقرأ له.
يقول الأستاذ محمود شاكر سعيد في كتابه في «الأدب الإسلامي»: «فإن الإسلام يطالب الأديب المسلم بأن يدفع بأدبه إلى الفضيلة وأخواتها لا إلى الرذيلة وبناتها، وعندما يطلب منه ذلك فإنه لا يطلب منه أن يفعله بأسلوب الواعظ، أو بخطابة سياسية أو بطريق مباشر أشبه ما تكون بطريقة المصلح الاجتماعي، بل على الأديب أن يفعل ذلك بأسلوب الفنان وبإيحاءاته وتأثيراته».
والشاعر المسلم إن لم تشعل كلماته ظلام الطريق، وتزيل عباراته ومعانيه وأفكاره لبنة من لبنات الجاهلية فيا ليته يسكت.
ولن يؤثر شعرنا، وتنفع كلماتنا، إلا إذا أفنينا حياتنا كلها في سبيل إعلاء كلمة الحق، وتوضيح أفكارنا وبيان دعوتنا إلى الناس ليفهموها ويعقلوها، فإن التحقوا بركبها فهو خير كبير، وإلا فإن ألسنتهم ستظل تلهج بالدعاء لها أبد الدهر.
ولتعلم أيها الشاعر المسلم أن الفكرة التي تسقى بدم الجهاد والبذل سوف تنمو لتصبح في يوم من الأيام شجرة باسقة مثمرة، يستظل بظلالها السائر، ويقطف من ثمارها البشر.
ورحم الله المفكر المبدع والداعية المجاهد والأديب الشاعر سيد قطب حيث قال: «إنه ليس كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين، فتحركها وتجمعها وتدفعها إنها الكلمات التي تقطر دماء، لأنها تقتات قلب إنسان حي! كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان!
إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئًا كثيرًا، ولكن بشرط واحد.. أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم! أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم.
أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق، ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثًا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها، وغذيناها بدمائنا انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء...!
وحقًا لقد عاشت أفكار هذا البطل خالدة، لأنه قد غذاها بدمائه الطاهرة فأصبحت حية قوية على مدى الزمان.
لست بالشاعر المدل إذا لم يك شعري قذائفًا من وقود
وإذا ما انطوى على الغمد سيف أو خلا السلاح من هوى صنديد
سوف يمضي على الطريق قصيدي کالندى رف في ربيع جديد
وإن الدعوة الإسلامية اليوم بحاجة إلى الشاعر الذي يوضح للبشرية معالم الطريق الذي ضله السائرون ليعيدهم إلى المسار الصحيح.
وهي بحاجة إلى الشاعر الذي يعلنها صريحة في وجه طغاة البشرية الظالمين الذين لا يعرفون طريقًا ولا مكانًا لسلاسلهم السوداء، وقيودهم الخبيثة إلا تلك الأيدي المتوضئة الطاهرة النقية.
وهي بحاجة إلى الشاعر الذي يحمل هموم أمته التي ارتسمت منهجًا غير منهجها، وسلكت طريقًا غير طريقها، ليعيدها إلى سالف عزها ومجدها، وهي كذلك بحاجة إلى الشاعر الذي يمسح الدموع البريئة من أعين اليتامى والمساكين والشيوخ والأرامل الذين يعيشون ألوانًا من الذل والاضطهاد.
فأين الشاعر الذي يبكي لتضحك الأمة ويحترق ليضاء الطريق؟!
فانهضوا يا شعراء الإسلام والدعوة واحملوا النبراس ليقتل الظلام..
ويولد الصباح.. وننتصر .. وفي الختام لتعلموا أن:
الشاعر الفذ الذي نصبو له.. وننشد
طريقه نحو العلا.. يسمو بنا ويصعد
هواه للحق الذي في نهجه يسدد يفيض وحيًا ملهمًا قصيده المخلد
يغوص في أعماقنا.. يوقظنا.. فنولد
واحة الشعر
أطفال الحجارة
شعر: أسامة العربي
إلى أطفال فلسطين الأبطال الذين يقابلون الموت بصدور عارية، ولا يجدون سلاحًا يحررون به المقدسات إلا الحجارة:
في أيديكم يزهو الحجرُ يَعْصِفُ بالظلم وينتصر
يُخْرجكم من ذل يهود حجر لم يَصْنَعُهُ البشر
ذكرنا ذا الحجر بحجر يفتك بالفيل فينفجر
من سجيل جاء الحجرة وأبابيل تجيء الطير
حجر أسمع كل العالم أن الأرض صداها الحُرُّ
رجل باع النفس وَوَفَّى ورجال ثمة تنتظر
بطواغيت العالم بالأصنام وبالأسطورة كفروا
صنم القنبلة العظمى والدول العظمى صنم أشـــر
ما خافوا إلا الله فهبوا أسدًا كالسيل انحدروا
تلكم أول شعلة نار في وجه الباغي تَسْتَعِرُ
تنذر أن صواعق أبطال القدس الصيد ستنتشر
* * *
يا أطفال القدس هنيئاً فغداً يَنْبُتُ فيكم عمر
وغداً يرجع جيش صلاح فيُعيد القدس وينتصر
من غيركم يَصْدُقُ فيهم وعد الله وياتي الخبر
أن يَنْطِقَ صُمُ الصخر ورائي صهيوني يستتر
فاقْتُلْهُ فإن الأرضَ تَئِنُ من الأشرار وتنفجر
* * *
لا تهدوا طفل القدس دُمّى دُمْيَنَّهُمْ حَجَر او أطر
لا تسعدهم لعَبُ أو حلوى لا . لا تُسعدهم صُورُ
لا فرح لهم فأراضيهمْ عَطشى ودماؤهُمُ نهر
قطمُوا عن شهواتِ الدنيا وعلى الموت فداءً فطروا
* * *
معذرةً منا يا حجرُ بك نرمي قومًا قد فجروا
هم شر أباليس الدُّنيا فارْمُوهُمْ رجما ينتحروا
يا أطفال القدس هنيئًا فبطولتكم فينا دُرَرُ
تاج فوق رؤوس الأحرار شموع يحسدها القمرُ
فبطولتكم تحكيها الأرض الرملُ الأزهار الشجر
تصعد للشهب وتسكن في السحب ويَهْمي منها المطر
تُنبتُ أفئدة لا تعرفُ خوفًا لا يُفزِعُه ما خَطَرُ
أشعاري ذابت واحترقت إجلالاً ليبين الحجر