; المجتمع الثقافي (العدد 1410) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1410)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-2000

مشاهدات 76

نشر في العدد 1410

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 25-يوليو-2000

 وجهة النظر إلى المصالح بيننا وبين الآخر

سمح غير المسلمين لعقولهم بالحكم على وجه المصلحة أو عدمها في المسميات والأمثال.. أي سمحوا لها بالبحث في أمور دينية ليست محسوسة لا تدخل في اختصاص العقل أصلًا.

محمود الكسواني 

التفكير بصفته نشاطًا بشريًا، إنما يسعى في المحصلة للحكم على الأفعال والأشياء بعد أن تنقلها الحواس الإنسانية إلى الدماغ، وما إن يتبلور حكم العقل ويظهر حتى يتخذ لنفسه سبيلًا أو طريقًا أو وجهة إجبارية يمليها عليه الحكم نفسه، هذا السبيل أو الطريق أو الوجهة هو ما يطلق عليه وجهة النظر، فوجهة النظر ليست الحكم نفسه وليست كذلك السلوك المبني على هذا الحكم إنما هي الطريق أو السبيل أو الوجهة التي يقصدها حكم العقل ليتحول بعد ذلك إلى سلوك.

على أي حال فإن هذا السلوك الذي نشأ عن وجهة النظر إنما نشأ كرد فعل للمواقع المراد اتخاذ موقف بشأنه، وقد يأخذ هذا الموقف أشكالًا سلوكية عديدة، كالفعل أو القول أو الإنكار والاستهجان، أو التقرير والموافقة أو اللامبالاة باعتبار أنها سلوك سلبي، ومن هذه الأشكال السلوكية الضحك أو البكاء أو الفرح أو الحزن أو الخوف أو الشجاعة.. إلخ.

ولأن وجهة النظر تؤثر بسلوك الأفراد والجماعات وطرق معيشتهم وتفكيرهم فلابد من إماطة اللثام عن وجهة نظر المسلم ووجهة نظر الآخر تجاه الأفعال والأشياء.

نحن إذن بصدد تعرف رؤى «جمع رؤية» للأفعال والأشياء بمنظار العقل «الفكر» فالرؤية تمثل «عملية تفسير للأشياء والأحداث في البيئة لجعلها ذات هدف» (1).

وبما أن الرؤية نشاط تفسيري، فمحلها العقل، أو الفكر، ومجال بحثها وفهم معطياتها منتجات العقل: كالعلوم والفنون، والآداب والفلسفات، والفقه واللغات، «كذلك المعرفة من حيث هي معرفة، إنما هي نتاج العقل، أي أنها صالحة للتفكير وصلاحها مستمد من واقعيتها أي وجودها كواقع محسوس» (2)

وهذا التعريف لوجهة النظر يلزمها أن تكون صورة مطابقة لحكم العقل، لأجل ذلك لا يمكن أن تجد عند الأقوياء من العقلاء تباينًا أو إختلافًا بين أحكام أفكارهم ووجهات أنظارهم وبالتالي تجد سلوكيات هذه الفئة من الناس وتصرفاتها مطابقة لوجهات نظرهم فلا ينافقون ولا يتملقون، لأنهم مصدقون لأحكام عقولهم مؤمنون بها.

بالمقابل يكثر هذا التباين والتناقض بين وجهات أنظار المهتزين فكريًا والضعفاء الذين يتصرفون بما يناقض وجهات أنظارهم، وهذا نابع من ضعف إيمانهم بأحكام عقولهم، وتكذيبهم لها، فعقولهم على سبيل المثال أقرت بعناية الخالق لما خلق، ولكنهم لا يؤمنون به، فنجد الواحد منهم يحمل وجهات نظر عديدة، فتراه ينسب الخلق للطبيعة، والعناية للقانون البيئي، فهو مهتز فكريًا، متذبذب سلوكًا ومواقف، فضعف الفكر يؤدي إلى تعدد وجهات النظر، وتناقض التصرفات، ومن كانت حاله كذلك وصفت وجهة نظره بالضلال، لأن حكم عقله غير متمكن من تحديد مسار معين، فيتخبط ويختار مسارات عديدة وفق ما تمليه عليه أحاسيسه المجردة وميوله القلبية «المتقلبة» وغرائزه وحاجات جسده العضوية، وفرق كبير بين التفكر والإحساس، فالإحساس والغريزة غير العقل والعلم غير الهوى.

لأجل ذلك، لابد للمسلم أن يتفكر ويتوسع في العملية الفكرية، لأن همه منكب على تحديد وجهة نظره تجاه الأفعال والأشياء، ليخلص بالمحصلة إلى إختيار السلوك الأمثل والأعدل، وإلا وقع في الممنوع ورتع في المحظور، ظانًا أنه يحسن صنعًا، لكنه غارق في الضلالة.

أثر المعلومات في تحديد وجهات النظر

«يعتمد التفكير على ما استقر في ذهن الإنسان من معلومات عن القوانين العامة للمظاهرات ففي عملية التفكير يستخدم الإنسان ما توافر لديه على أساس من الخبرة العملية السابقة من معلومات عن القوانين والقواعد العامة التي تعكس العلاقات والمبادئ العامة للعالم المحيط بنا» (۳).

انظر إلى توأم داخل أسرة واحدة.. رغم تلقيهما لتربية واحدة ومعلومات واحدة نجد أن التوأم يختلف إزاء واقع معين وهما لا يختلفان في الحكم على وجود هذا الواقع إنما في فهم دلالة الحكم على الواقع فرغم أن الشقيقين التوأم تلقيا غذاًء متشابهًا وتعرضا لظروف بيئية واحدة، ومعلومات واحدة إلا أن المدخلات المباشرة وغير المباشرة التي تعرّض لها كل منهما رغم وجودهما في بيئة واحدة هي التي تحكمت في فهم دلالة الحكم على الواقع سواء كانت هذه المدخلات نفسية كالغيرة والميل القلبي وتقليد الأبوين والصدمات النفسية.. إلخ، أو مدخلات عضوية مرتبطة بالميلاد كإصابات الولادة والأمراض التي تحدث توترات في الجهاز العصبي وما يتبع المرض من استخدام للعقاقير التي تحتوي على مواد مؤثرة في الجهاز العصبي كالمهدئات والمنشطات.

وحتى لو صح أن التوأم تعرضا لمدخلات مباشرة وغير مباشرة واحدة داخل محيط الأسرة، وهذا أقرب إلى المحال، فإن المدخلات التي سوف يتعرض لها كل منهما خارج محيط الأسرة، سوف يكون لها تأثير كبير على الجهاز العصبي لكل منهما كتأثير الأصدقاء والمدرسين.

أما الذي يصحح نظرة الإنسان للواقع فهو المعلومات الصحيحة التي يتلقاها من الأبوين وغيرهما وإجراء التجارب أمام الإنسان منذ طفولته لإثبات صحة المعلومات أمامه. 

جبل البشر جميعًا على السعي لجلب المنافع لأنفسهم، كما جبلوا على درء المفاسد عنها. إن أعمارهم كلها سواء قضوها يقظين أو نائمين، إنما هي أوقات يسعون من خلالها لتحقيق هاتين المصلحتين، ولا خلاف في ذلك بين قوم وقوم مؤمنين أو مكذبين ولكن الاختلاف ينصب على النظرة إلى تلك المصالح وطرق تحقيقها، وما ذلك الاختلاف فيما بينهم إلا امتداد للاختلاف في وجهات النظر للأشياء والأحداث، وتبعًا لتغير وجهات النظر تتغير نظرة كل منهم لمصالحة، وكم تبين معنا فإن الذي يحدد وجهة النظر حكم العقل فما حكم عليه عقل إنسان بأنه حسن، أقدم الإنسان عليه بثقة وسعى لتحقيقه، وما حكم عليه بأنه قبيح فر منه وتجنبه واعتبره مفسدة.

ولا شك بين الناس مسلمين وغير مسلمین أن الحكم على الأشياء والمسميات ودلالاتها السلوكية من ناحية الحسن والقبح مردها واختصاصها للعقل وحده، فالنظرة إلى النار وخاصية الإحراق فيها، والماء وخاصية الإحياء فيه، والقلم وخاصية الكتابة فيه، إنما يتم الحكم عليها بواسطة العقل مباشرة دون اللجوء لأي إملاءات من أحد. 

ومن ذلك أيضًا المرض والفقر، وتجويع الأطفال والنساء والعجائز، أو قتلهم، وإلقاء الأذى في الطرقات، واستغلال الضعفاء والاعتداء على خيرات بلادهم، والتمييز بين الناس على أسس عنصرية كذلك لا تفاوت بين الناس في الحكم على حسن الغنى والصحة والشجاعة وإنقاد الأطفال من ويلات الحروب، وحسن الجوار وصلة الأرحام والمساواة بين الناس على أساس أنهم من أصل واحد ومن حقهم التمتع بخيرات الدنيا دون تمييز أو تفرقة.

أما القاعدة المتعلقة بشأن الحكم على الحسن والقبيح من الأشياء والمسميات ودلالاتها السلوكية والتي يعول عليها دون غيرها فهي طبع الإنسان وفطرته، لأن ذلك يرجع إلى واقع الشيء الذي يحسه الإنسان، ويدركه عقله مباشرة ومادام أن الإنسان يشعر بتلك المسميات ودلالاتها السلوكية حسنًا أو قبحًا بعقله، دون مرجعية معرفية تمليها عليه تصورات خاصة غير الفطرة والطبع، لذلك كان العقل وحده هو الذي يحكم عليها بالحسن والقبح ولن تؤثر في حكمه أي مؤثرات أخرى حتى لو كانت قهرية «جبرية» لأن الفطرة هي المنتصرة في النهاية.

والقاسم المشترك بين تلك الأشياء والمسميات ودلالاتها السلوكية، أنها واقع محسوس بنفسه أو قابل للإحساس والشعور، أو واقع محسوس بأثره كالإحساس بالكهرباء، أي بأثرها. 

ولكن حكم العقل على الحسن والقبح، لا يعتبر مصلحة أو غير مصلحة، فالعقل لا يستطيع أن يتبين المصلحة فيما حكم عليه من حسن أو قبح، لأن حكمه هنا إخبار عن واقع «حقيقة» الشيء وعن حقيقة ميول الإنسان الفطرية إزاء الشيء. لأجل ذلك تتحد وجهات النظر لدى سائر البشر تجاهه، وتختلف فيما بعد ذلك، أي في الحكم على هذا الشيء مصلحة أو غير مصلحة أي مدحًا أو ذمًا.

هنا يبرز الفرق بين المسلمين والآخرين، فبينما أذن الآخرون لعقولهم بالحكم على وجه المصلحة أو عدمها في المسميات والأفعال، أي سمحوا لعقولهم بالبحث عن أمور غيبية، غير محسوسة «ليست من اختصاص العقل أصلًا» فرّق الإسلام بين ما يختص به العقل من أشياء وأفعال وطواها تحت ظلال القاعدة الشرعية العلمية والذهبية «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وبين ما يختص به الشرع بمعاونة العقل «الوصول لحكم الشرع لا يكون إلا بالنظر وفق أصول فقهية» وطواها تحت ظلال قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).

والذي يعين المسلم على إصدار الحكم على مصلحته في الأشياء والأفعال أو عدم مصلحته، هو حكم الشرع، فيما ينحصر دور العقل هنا على البحث والنظر والتنقيب، والتدبر في القرآن وبيانه من السُنة النبوية للوصول إلى حكمة والنزول عنده دون مماطلة أو تأخير أو تسويف، لأن المماطلة بهذه الحالة تعتبر معصية أو مفسدة والله لا يحب المفسدين.

«والهدف من إصدار الحكم عند المسلم بالمحصلة تعيين موقفه تجاه الفعل هل يفعله أم يتركه، أم هو مخيّر بين فعله وتركه، وتعيين موقفه تجاه الأشياء المتعلقة بأفعاله، هل يأخذها أم يتركها أم يخير بين الأخذ والترك» (٤).

إن المصالح بالنسبة للمسلم لا تتحدد إلا من خلال الشرع، فما مدحه الشرع فهو المصلحة وما ذمه فهو المفسدة.

هذه الحقيقة أكدتها أكثر من آية في كتاب الله كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216).

أي أن ما تظنونه مصلحة لكم قد يكون عين المفسدة، فالتزموا المصلحة بما شرع الله لكم فالله يعلم وأنتم لا تعلمون.

المراجع

1- العقيد صموئيل هيز والمقدم وليم توماس، تولي القيادة، فن القيادة العسكرية وعملها ص 347 ترجمة سامي هاشم - المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط ١٩٨٤م.

2- محمد نبهان، بالإسلام نحيا، ص ۹۹ ط أولى ۱۹۹۱م.

3- هشام الحسن وآخرون، تطور التفكير عند الطفل ص 84، دار الفكر عمان - الأردن

4- أنظر في ذلك الوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان.

واحة الشِعر

مدينة

شِعر: عبد الله بن فرحة القرني

«مدينة» اسم فتاة شيشانية عقد قرانها في شاتوي وبينما مراسم الزواج على شموع الليل، تسلل صاروخ إلى ساق مدينة فبترها، ثم بتر الطبيب ساقها الثانية والتحق العريس بالجهاد ليثأر لمدينة، قال الطبيب الذي بتر ساقها الثانية: «من الأرحم لها أن تموت».

كيف تقوى لغةُ الأملودة الحسناءِ 

أن توقف زحف القادمينْ؟

لا النصيف الشفافُ يحميها من الخيلِ

ولا خيط الحريرْ

خانها الوهمُ بما يحجبه الليل على خد العروسْ،

كلها لا تحجب البسمة في الثغرِ

ولا تغني عن الألحاظ هجمات النعاسْ.

تنقي كل شظاياهم بورد الياسمينْ،

بيد خضبها الصاروخ حناء من القلب،

غدا رسم حياةِ

تتهاداه ركاب الراحلينْ.

عاقها الصاروخ من قبل عناق الفجر للحبِ، فنادتْ،

عاجل الصاروخ ساقيها فمادتْ،

أمها مادتْ،

أبوها مات من حرقته

وبكي الدف الذي كانَ يغني

فبكت كل الدفوفْ

هرب الناس من العرسِ

كما القمح الذي يسري به النملُ

إلى جوف الشتاءْ،

ذهلوا من هول ساقيها

أبت إلا الوقوفْ

كيف ترتاح إلى برد الثرى تحت جنان الخلدِ

من غير «مدينة»؟

حزنت لما مشت إلى جنة الخلدِ

وباقي الجسم يضويْ،

تحت زحف القادمينْ،

بعضه في القبر مدفونٌ،

وما أبقت جنود الغزوِ

محمولٌ يصلي،

في صلاة الميتينْ،

كم تمنتْ ساقُها

أن خطى التاريخ ترتد قليلًا للوراءْ،

ترتد إلى ليلتها،

حيثُ غناء الدف يهتز له قلب «مدينة»،

تضع السيف على أنغامه في كف مولودٍ جديدٍ

يتصدى للغزاة القادمينْ.

كم تمنتْ،

لو مشت عكس العقاربُ

كل ساعات المساءْ،

لمشى الجسم إلى ساقيه حبوًا

طمعًا في لذة الموت وخوفًا 

من خيول القادمين

قُتل الحبُ الذي يمشي إلى الحب،

وعاش الحزن في عين العريسْ،

بعد ساعات مضت في الليل من مقتله،

حزنت قريتها من مقتل العرس على أعتابهِ،

ثم صاحت أمها..

كيف تقوى عظمة الساق التي تحمل

غصن البان

أن توقف زحف القادمينْ؟

ثم ناحت أمها..

لمَ سمّتْها «مدينة»؟

وجنود الروس تجتث على درب خطاها

كل ما يمكن أن يدعى مدينة

لم سمّتها «مدينة»؟

وكلاب الروس تجتاح ديار الآمنينْ،

تأكل الأطفال والورد وأثداء النساءْ

قضمت حتى خلاخيلَ «مدينة».

أعذرينا يا «مدينة»!

عندما خدرنا المذياعُ

عن صوت استغاثاتك في الليلِ 

وعن صوت استغاثات أبيكْ،

ونداء الأم من بين ركام اللحمِ

يرتد على أعقابه

تحت رفات الآمنينْ

أعذرينا يا «مدينة»!

عندما هددنا الروسُ بأن العنف والإرهابَ

في الشال، وفي خلخالك الفضي

يجتاح بلاد القادمينْ

هدموا كل البنايات، ولكن بقيتْ،

ساقاك في الأرض تنادي ما تبقى

من غبار العائدينْ.

أعذرينا يا «مدينة»

نحن مشغولون بالوهم نلوك الوقتَ

نستنبطُ ما لْم

يكتب التاريخ في رحلته،

عن ليالي «مونيكا» و «الزير سالْم» 

نمْسح الدمع الذي غر تباريح هواها

بالعمائمْ،

وتغني للهزائمْ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

155

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

143

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

147

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17