العنوان الانتخابات الحرة هي المخرج الأساسي للمأزق الجزائري
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995
مشاهدات 62
نشر في العدد 1145
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 11-أبريل-1995
محفوظ النحناح لـ: «المجتمع»:
الانتخابات الحرة هي المخرج الأساسي للمأزق الجزائري
حركتنا دفعت وتدفع ثمنا باهظًا بسبب منهج الاعتدال والوسطية الذي نسلكه
التنافس بين القوى الكبرى على الجزائر لن ينجح إلا في إطار تمزيقها وبث الفرقة بين شعبها المسلم
حاوره: أحمد منصور
دخلت أحداث الجزائر إلى نفق مظلم وطريق شبه مسدود؛ وذلك منذ الاعتداء على إرادة الشعب الجزائري بعد نتائج انتخابات العام ۱۹۹۱م، فإذا ظهرت بارقة أمل من هنا أو هناك حتى يعود الهدوء إلى البلاد ويقف نزيف الدماء تظهر أطراف خفية لا تريد للجزائر الاستقرار أو الهدوء، وإنما تريد لها أن تنزلق في دوامة لا تنتهي من العنف وسفك الدماء وعدم الاستقرار، ومن آنٍ لآخر نسعى لاستجلاء الحقيقة، وإدراك الواقع والبحث عن مخرج المأساة هذا الشعب المسلم صاحب التاريخ الجهادي ضد الاحتلال الفرنسي، ويبرز وسط هذه الخطوب صوت الشيخ محفوظ النحناح- رئيس حركة المجتمع الإسلامي «حماس» رافعًا شعار الوسطية والاعتدال في جو غلب عليه التشنج والتطرف من أطراف النزاع المختلفة في الجزائر.
ولد الشيخ محفوظ النحناح في مدينة البليدة التي تقع في أحضان جبال الأطلس عام ١٩٤٢م، لعائلة محافظة حيث حرص أبوه على تعليمه اللغة العربية والثقافة الإسلامية في المدارس الحرة بعيدّا عن الهيمنة الفرنسية التي كانت تسيطر على المؤسسة التعليمية الرسمية في الجزائر، وكانت نشأة النحناح على اللغة العربية والثقافة الإسلامية لها تأثيرها في كافة مراحل حياته.
فقد شارك في حرب التحرير ضد المحتل الفرنسي في الخمسينيات، ودخل إلى معترك الحياة السياسية في وقت مبكر من حياته، وبعد حصول الجزائر على استقلالها في العام ١٩٦٢ اتجه إلى العمل الدعوي الإسلامي، وكان لوجود عشرات الأساتذة والمدرسين الإسلاميين الذين وفدوا إلى الجزائر من مصر، وفلسطين والعراق وسوريا، خلال أعوام ٦٣، ٦٤، ١٩٦٥م للمشاركة في إعادة الجزائر إلى هويتها الإسلامية العربية دور في نقل فكر الحركة الإسلامية المعاصرة ونقل معالم الصحوة الإسلامية إلى الجزائر، وكان النحناح واحدًا ممن تأثروا بهذا الفكر في تلك الفترة، إلا أن اتجاه الحكومة الجزائرية بقوة إلى الاشتراكية العلمانية في ذلك الوقت أدى إلى تقليص نشاط الإسلاميين وجهدهم في العمل العام، وقد أدى هذا إلى توجه النحناح مع مجموعة أخرى من الإسلاميين إلى تأسيس حركة إسلامية سرية في أوائل السبعينيات أطلقوا عليها اسم "حركة الموحدين"، وركزوا جهدهم على الدعوة لعودة الجزائر إلى هويتها الإسلامية والوقوف ضد الاتجاه الاشتراكي العلماني ونظام الحزب الواحد الذي أعلنه بومدين، إلا أنه تم اعتقال ثلة منهم وحوكموا في عام ١٩٧٥م، وحكم على النحناح بالسجن لمدة خمس سنوات؛ حيث أفرج عنه في عام ۱۹۸۱م وبعد وفاة بومدين ومجيء الشاذلي بن جديد في أوائل الثمانينيات سمح بن جديد بتعديل الدستور والسماح بالتعددية السياسية في البلاد، فأنشأ النحناح جمعية "الإرشاد والإصلاح" وكان منهجهًا اجتماعيًا وثقافيًا وتربويًا إلى أن جاءت مرحلة العمل السياسي والتعددية السياسية في البلاد، فأعلن النحناح في عام ۱۹۹۱ عن إنشاء حركة المجتمع الإسلامي حماس، وبقيت جمعية الإرشاد والإصلاح تمارس دورها كما هي.
وانطلقت حركة "المجتمع الإسلامي" على الساحة السياسية في الجزائر معتمدة المنهج السياسي التربوي الإسلامي السلمي في عملية التغيير، فبقيت بذلك بعيدة عن ساحة الصراع، ومع وصول الوضع في الجزائر إلى المستنقع الذي وصل إليه يبقى صوت العقل دائمًا مميزًا وسط أصوات المتشنجين على الساحة الجزائرية، وكان هذا الحوار مع الشيخ محفوظ النحناح...
أزمة الجزائر تتلخص في عدم وجود سلطة منتخب وانعدام الثقة بين الأحزاب
- ما رؤيتك وتوصيفك للوضع الراهن الآن في الجزائر؟
- الوضع الجزائري يتسم حاليًا بشيء من الانغلاق في العمل السياسي، وبشيء من تصاعد وتيرة العمل المسلح والمواجهة الأمنية التي يكون من خلالها الضحية الأول والأخير هو الشعب الجزائري ومكتسباته ومنجزاته في الفترة الأخيرة وما صحب هذا الموضوع من تجاوزات، وما صحبه من مداهمات واعتقالات وما صحبه أيضًا من مخالفات شرعية قام بها البعض من باب فقه الاستحلال الذي استحل أموال الناس وأعراضهم، ويبدو أنه لا مخرج من هذه الأزمة التي قد تؤدي إلى أفاق يصعب غلقها، وخصوصًا إذا وجدنا أن التشنج من الأطراف السياسية المتعارضة في الجزائر تؤدي -لا سمح الله- إلى حرب أهلية أو إلى تدخل قوى خارجية وبالأخص أن ثمة أطرافًا سياسية يمكن تصنيفها بالشكل الآتي:
- طرف سياسي فيه نوع من الاعتدال والرغبة في الحوار والمصالحة الوطنية- ونحن من دعاة هذا الاتجاه.
- وطرف آخر يتصف بالتطرف والمغالاة لدرجة أن يصرح بعضهم قائلًا: إنه لا حوار.. لا مصالحة.. لا هدنة.
- وطرف ثالث استئصالي يوجد في بعض أجهزة السلطة وبعض دوائرها ومؤسساتها مما لا يبشر بخير من خلال هذه المواقف المتشنجة.
ويبدو أن هذا التشنج تدفع إليه بعض أطراف خارجية بعضها يصطاد في الماء العكر، وبعضها يريد أن يستفيد من هذه الفتنة العمياء التي ما تركت الوضع في حال من الاستقرار، والهدف هو إغراق الجزائر في دوامة من الاقتتال والصراع بين أبناء البلد الواحد، وفتح المجال لحرب أهلية -لا سمح الله- وتمرير جملة من المشروعات الاقتصادية والاتفاقات الدولية، فضلا عن المشروع الصهيوني الذي يراد تمريره في هذه الظروف من خلال عملية الارتماء والتطبيع والاستسلام للعدو الصهيوني.
- عرضت «حماس» مؤخرًا مشروعًا للمصالحة الوطنية في الجزائر، فما هو الجديد في هذا المشروع وماذا يختلف عن سابقه؟
- الحقيقة أن هذا المشروع يدخل في دائرة المصالحة الوطنية والسعي نحو الصلح لقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء:128)، وقوله تعالى: ﴿... وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (الأنفال: 1)، وقد وجدنا أن ملتقيات الحوار التي دارت في الجزائر بين الأحزاب الأربعة، والأحزاب السبعة، والأحزاب الثلاثة والعشرين كانت تدور بين قواسم مشتركة، كما أن الحوار الَّذي دار بين الأحزاب والسلطة يدور حول قواسم مشتركة فيها اتفاق كبير مع بقية الأحزاب، ثم حصلت حوارات وملتقيات في سانت إجيديو في إيطاليا تحت مظلة كاثوليكية حضرنا ملتقاها الأول، وأقصينا عن حضور الملتقى الثاني، غير أننا وجدنا أن في هذا الملتقى جملة من المبادئ الإيجابية والأفكار الطيبة.
فعملنا في حركتنا على تجميع الإيجابيات في هذه الحوارات والتي يلتقي عليها كل الشركاء السياسيين وضعنا من خلالها وثيقة قدمناها إلى كل من يعنيهم الأمر فيما يتعلق بالعمل السياسي في الجزائر، فسلمنا نسخة منها إلى السلطة وأخرى للسياسيين الذين يمثلون جبهة الإنقاذ وسلمناها كذلك إلى بعض الأحزاب التي نرى أنها ذات أهمية في الساحة الجزائرية، فضلًا عن المنظمات الكبرى مثل: منظمة المجاهدين التي تحمل تحت مظلتها كثيرًا من الفعاليات الجهادية التي حاربت الاستعمار الفرنسي ولا تريد للجزائر سوى الخير.
نحن الآن في انتظار ما تسفر عنه مناقشاتهم حول هذه الأرضية وبعد عودتنا إن شاء الله إلى الجزائر سوف نجلس مع هؤلاء جميعًا، ونؤشر على كل نقطة يتفق عليها الجميع لتكون محور الحوار والمصالحة مع جميع الأطراف السياسية.
أما الحوار الذي تريده بعض الأطراف على أن يكون السلاح فوق طاولة الحوار فهذا ما لا ندعو إليه ولا نقبله؛ لأنه قد يفتح أبوابًا لكل من يريد أن يتحاور عبر مسلسل الدماء وهذا ما لا نريده لا في هذه الظروف ولا في الظروف القادمة.
- ما الخلافات الجوهرية بين مشروع المصالحة الَّذي تقدمتم به والمشروع الذي قدمته المعارضة من خلال اجتماع روما؟
أقول إن أهم ما ورد في ملتقى سانت إيجديو وأهم ما ورد في حوارات الجزائر يوجد في هذه الوثيقة التي قدمناها لم نضع أنفسنا كبديل فيها، وإنما وضعنا خير ما في هذه الملتقيات التي جرت في الجزائر وفي غير الجزائر.
- هل غبتم أم غيبتم عن اجتماع روما، وما هي الأسباب؟
- بكل وضوح عملت بعض الأطراف السياسية على إقصائنا، وهذا من غرائب العمل السياسي في الجزائر، ولكن نحن تجاوزنا عملية الإقصاء إلى تقديم هذه الوثيقة حتى للذين عملوا على إقصائنا، لأن الوضع في الجزائر يتطلب تسامحا وتنازلًا وعدم حمل الأحقاد في القلوب والصدور خشية أن يستمر هذا الانزلاق إلى المجهول، وهذا ما لا نريده للشعب الجزائري في هذه الظروف.
وإن الذين عملوا على إقصائنا يدركون بأننا نعرف مناوراتهم وألاعيبهم السابقة، ويعرفون أيضا بأننا ندرك مقدمات عملهم في الأيام اللاحقة، لكننا نتجاوز عن هذا كله بغية عدم فتح الجراح، لكي ننطلق يدًا بيد من أجل حقن الدماء الجزائرية، سواء بالمفاهيم الإسلامية ومصطلحاتها أو بقواعد اللعبة السياسية، هذا أمر أساسي.
الأمر الثاني هو أن تخرج الجزائر من أزمتها من خلال حوار يجري بين الأطراف السياسية للوصول إلى إيجاد سلطة منتخبة، ففي الجزائر أزمة حادة يمكن إيجازها في:
أولًا: انعدام سلطة منتخبة.
ثانيًا: انعدام الثقة بين أحزاب المعارضة وأحزاب السلطة.
ثالثًا: أزمة عنف حادة جدا.
فما العمل إذن؟ لابد من العودة للشعب حتى يقول كلمته في الرجال ويقول كلمته في البرامج، وإذا لم تتسارع كل القوى السياسية نحو صندوق الانتخاب، فمعناه أن هناك قبولًا ورضا لهذه الدماء التي تجري في جنبات الجزائر وشوارعها ووهادها، كما حدث في الأيام الأخيرة في المجزرة التي حدثت قرب عين الدفلة.
- يشير بعض المراقبين إلى أن حركة «حماس» تسير في خط مغاير لباقي أحزاب المعارضة الجزائرية، ما هو تعليقكم على هذا الأمر؟
- ماذا تقصد بالمعارضة الجزائرية؟
- هي أحزاب المعارضة التي اجتمعت في روما.
- أحزاب المعارضة التي اجتمعت في روما هناك منها من يقف في موقف المعارضة، لكن أقدامهم داخل السلطة ولسانهم فقط في المعارضة فهل العبرة بالمعارضة الشكلية؟ أم المعارضة الإيجابية البناءة؟
نحن اخترنا أن نكون في المعارضة الإيجابية البناءة بعيدًا عن الانتهازية وبعيدًا عن السير فوق الجماجم والدماء والأشلاء.
إن ما يحدث سببه الرئيسي هو التشنج المعهود في الإنسان الجزائري
- الوضع يتفاقم في الجزائر كل يوم عن الآخر، وتزداد المجازر خاصة من قبل السلطة، فما هي في تصوركم أسباب تفاقم الوضع يوما بعد يوم؟
- نحن نقول بطريقة واضحة إن ما يحدث في الجزائر سببه الرئيسي هو التشنج المعهود في الإنسان الجزائري، وكما يقال عندنا في الجزائر «التغننت» أي روح العناد، هذه مسألة أساسية في نفسية الإنسان الجزائري، هذه واحدة الأمر الثاني: هذا التفاقم الذي جلب معه تجاوزات من بعض رجال الأمن في حقوق الإنسان الجزائري ومداهمات للبيوتات، ونسف بعض المساكن للسكان، والسجون والمعتقلات هذه من جانب السلطة وفي جانبها أيضًا مخالفات شرعية، لا نقول هذا من باب أن هؤلاء ينافسوننا أو تنافسهم، وإنما من باب أن هذه الجماعات المسلحة اعترف بعضها أنه يتجاوز، واعترف في حق غيره من المسلحين بأن لديهم مخالفات، إذن فقد أصبح الأمر متعلقًا باتباع الهوى والتعصب المفضيين إلى مسلسل استمرار العنف واستمرار العمل المسلح والمواجهة الأمنية، وما إلى ذلك من هذه المعاني الخطيرة.
نحن نقول إن الأساس هذا هو أن يعود السلاح إلى إغماده وأن يجلس الناس إلى بعضهم، وأن يكون للقضاء استقلالية تامة، وأن يتلقى المجرم جزاءه من عدالة نزيهة، وأن يتحاور الجميع في كيفية الخروج من هذه الأزمة للوصول إلى:
أولًا: إيجاد قواعد ديمقراطية سليمة لا تسيل فيها الدماء.
ثانيًا: حقن هذه الدماء التي تجري.
ثالثًا: انتخابات يفرزها الصندوق، لا لمصلحة فلان أو المصلحة فلان، وإنما لمصلحة المجتمع الجزائري؛ لأن أي مكسب للاستقلال في الجزائر هو مكسب للحوار الجزائري، وأية نتيجة لهذا المسلسل العنيف فهي خسارة للجوار الجزائري عربيًا وإفريقيًا ومتوسطيًا.
- هذا الموقف الذي تتخذونه عرضكم لكثير من المشاكل سواء من قبل السلطة أو من قبل المعارضة ووصل الأمر إلى تعرضكم لعدة محاولات للاغتيال علاوة على مقتل بعض زعماء الحركة، ما هو تفسيركم المعارضة الطرفين سواء السلطة أو الجماعات المسلحة لموقفكم؟
- نحن نعتقد بأن حركتنا حركة لا بُدَّ وأن تدفع ضريبة الاعتدال والوسطية، وما دمنا نمثل الوسطية والتوازن مع الأطراف المتعارضة فحتمًا أي تصريح أو أي موقف نتخذه سوف يحسب على طرف ما.
إما أن يحسب على طرف العمل المسلح المتعفن، وإما أن يحسب على طرف السلطة التي تفتقر إلى الشرعية، لكننا ندرك بأن أصحاب العنف سوف يدفعون ثمنًا غاليًا، ومعه سيدفع المشروع الوطني والمشروع الإسلامي تشويهين خطيرين لا يمكن أن ينجلي عنهما الغبار إلا بعد عقود من الزمن، ولهذا أثرنا أن تكون خطتنا معتمدة على المنهج القرآني القائل: ولنصبرن على ما آذيتمونا؛ إذ إن هناك أطرافًا في الطبقة السياسية والمسلحة في الجزائر تريد أن تزج بحركتنا وتلوث أيدينا بدماء المسلمين، وقد قررت حركتنا من خلال مؤسساتنا الشورية بألا نلطخ أيدينا بدماء شعب الجزائر.
فلم نكن سببًا في إفلاس البلاد لأن النظام السياسي منذ ثلاثين عامًا هو الذي قهر البلاد والعباد ووضع الجزائر على حافة الانهيار، وترك الجزائر تئن تحت وطأة صندوق النقد الدولي، والبنوك العالمية، وهي بلد بترولي غني، فمن الذي كان سببًا في هذا؟ فلم نكن نحن ولا الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولا الحركة السياسية التي توجد الآن في الساحة الجزائرية وإنما النظام السياسي في الجزائر هو الذي أدى إلى هذا الإفلاس.
ثانيًا: أن هذه الدماء التي تسيل في الجزائر لم نلوث أيدينا بها وإنما لوثها التشنج والعناد من جانب بعض العناصر من الجماعات المسلحة، أو المنتسبين للجبهة الإسلامية للإنقاذ أو العناصر التي تنتسب إلى رجال الأمن؛ بحيث يلوثون شرف الدولة وسمعة السلطة وما إلى ذلك.
لهذا نحن اخترنا أن نسير في هذا الخط الوسط، قد يدرك بعض الناس الأسباب الحقيقية لهذا التوازن، وقد لا يدرك البعض، لأنه بكل وضوح نحن اخترنا المنهج التربوي الإسلامي السلمي، واخترنا ألا نلوث أيدينا كما لوث غيرنا يده واخترنا ألا نكون سببًا في الأزمة، كما اخترنا أن نساهم بصفة إيجابية لحل الأزمة الجزائرية.
وحتما هذا الاعتدال وهذا التوازن يفرض علينا أن ندفع ثمنه؛ لأن الثمن بالفعل هو ثمن غال، واختار خيرة الرجال من حركتنا أمثال الشيخ الشهيد محمد بو سليماني والدكتور حمود حنبلي خريج جامعة القاهرة وأمثال الدكتور الحسن ابن سعد الله خريج القاهرة والأستاذ على العايب، ومع ذلك اخترنا هذا الأسلوب وقررنا السير فيه حتى وإن طال المدى تطبيقا للآية ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ ﴾(إبراهيم: 12) والمستقبل سيكشف المعادن كما تكشف هذه الفتنة صحة المعدن الإسلامي الحقيقي في بلادنا.
ولا بأس أن نقول بأن هناك عناصر كثيرة ممن ناومونا في عام ۱۹۸۹ و ۹۰ و ۱۹۹۱ وخاصمونا ولجوا في الخصومة معنا، فوجدناهم في الأيام الأخيرة يأتون إلينا ويستسمحوننا على ما صدر منهم من ممارسات لا أخلاقية من خلال التصريحات أو السباب أو الشتائم، ونحن لا نحمل حقدًا لأحد ما دام الله تعالى قد فتح باب التوبة لعباده فلماذا لا يغض المسلم الطرف عن إخوانه تطبيقا للآية ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134).
- ما تفسيرك للموقف الأمريكي والموقف الفرنسي مما يدور في الجزائر؟
- أنتم تعرفون بأن الدول الكبرى لا يهمها سوى مصالحها، والتنافس الأمريكي الفرنسي على المنطقة العربية والشرق أوسطية، كما تسمى في المصطلحات الحديثة هو تنافس وصراع من أجل تحقيق أوسع المصالح، والجزائر جزء من مصلحة فرنسا وجزء من مصلحة أمريكا والغرب برمته فإذا استطاع الجزائريون أن يثبتوا قدراتهم على أن لديهم مصالح تهم الغرب وأثبت الأوربيون والأمريكان، بأن لديهم مصالح في المنطقة وكان هناك تبادل مصالح بيننا وبين هؤلاء بنسب متفاوتة فلا ضير في هذا على الإطلاق، أما إذا كان هذا على حساب مصالح شعوبنا والكيل بمكيالين كما هو الشأن في ممارسة الأمريكان لديمقراطيتهم مع الداخلين إلى أراضيهم.
نحن نقول لا بُدَّ من وجود مصالح مشتركة وتفاهم مشترك ضمانًا لمصالح هذه الشعوب ولدول هذه الشعوب، وكل ممارسة تؤدى إلى تضييع مصلحة بلد من البلدان تعتبر نوعًا فأصحاب الهمم العالية وأصحاب الغيرة الإسلامية من الإقصاء ونوعًا من الديكتاتورية.
يرفضون الكيل بمكيالين، ومن هنا فإن التنافس بين أمريكا وبين فرنسا يعود إلى سبب رئيس وهو أن القطب الأمريكي إلى جوار القطب الأصغر إلى جوار قطب السقف الأوروبي في تنافس كبير حول المصالح الحيوية لهذه البلدان، والكل يريد أن يجعل منطقة الشرق العربي- بما فيه الجزائر- منطقة نفوذ خاصة تحت نطاق النظام الدولي الجديد، فهل يستطيع الجزائريون أن يتجاوزوا محنتهم، وأن يدرك السياسيون ورجال الطبقة السياسية من أن الخطر الموجود في الجزائر قد ينسحب على أقطار أخرى في المستقبل؟ هذا سؤال أول.
أما السؤال الثاني: هل يدرك الجوار الجزائري والأشقاء العرب المسلمون على المستوى الرسمى وعلى المستوى الشعبي أن ما يجري على الساحة الجزائرية، قد يفرز ممارسات تشبه ما يجري في الجزائر في بلدانهم مستقبلًا؟
نحن نتصور أن النظام الدولي الجديد لا يمكن أن ينجح له أي مشروع إلا في إطار تجزيئي تفتيتي شرذمي للوطن العربي والأمة الإسلامية، يحضرني هنا أن الأمة الإسلامية كانت أمة واحدة بنص القرآن، ثم تحولت إلى أمة عربية بنص الجامعة العربية، ثم تحولت إلى وحدات وطنية، وأصبحت الآن الوحدات الوطنية معرضة للهزات الانفصالية والاستقلالية كما هو الشأن في بعض بلدان المشرق، وكما هو الشأن في بلاد المغرب، فهل نستطيع أن نكون في مستوى الصراع الحضاري من أجل إيجاد وحدة وطنية، ووحدة عربية، ووحدة إسلامية، ووحدة إنسانية، حفاظًا على مصلحة حقوق الإنسان، والسير بمنهج إسلامي يحمل بذور العمل الديمقراطي، وتجسير العلاقات بين الحاكم والمحكوم؟ أم يبقى هذا الصراع أبديًا لا يستفيد منه سوى الذين يلتقون على حوار الشرق والغرب، أو حوار الشمال والجنوب، أو المشروع الإسرائيلي الصهيوني؟
* يجب أن يتحرك علماء الأمة من أجل إيقاف نزيف الدماء في الجزائر
* في الختام .. ما هي رؤيتكم لمستقبل الجزائر في ظل الوضع الراهن؟
* القرآن الكريم يقول: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾(الرعد:38)، ويقول: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾(الشرح:6)، ولعل المحنة التي تمر بها البلاد تكسب الجزائريين تجربة عظيمة مثل ما اكتسبوا تجربة من أيام الاستعمار، وكيفية الوصول إلى التمسك والوحدة، ثم أيام الجهاد الجزائري وكيف كان الجزائريون متآخين ومتحدين، وأصبحوا مضرب الأمثال لكثير من الشعوب، وكثير من الأوطان التي استقلت بسبب من الله أولًا، ثم بسبب من الجهاد الجزائري، أقول .. إن التجربة التي تخوضها الجزائر ستكون أيضًا قدوة ونموذجًا لكثير من الشعوب العربية والإفريقية والمتوسطية.. هذا هو الجانب الأول.
الجانب الثاني: هو أن هذه الفتنة مهما طالت، فإنها إلى انحسار وزوال، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾(الشرح:6)، ومن هنا نريد أن نتخفف من أعبائها، ونقلص من ظلها، وأن نحيدها، على ألا تمس مقاصد الشريعة، وهي الكليات الخمس: الحفاظ على الدماء، والحفاظ على الأموال، والحفاظ على الأعراض التي أصبحت منتهكة.
فالجزائريون دينهم واحد، ولا خلاف بينهم في ذلك، على غرار ما يحدث في البوسنة بين المسلمين والصرب، فلا بد إذن من الانتخابات حتى يقول الناس كلمتهم في الرجال والأشخاص، فلماذا إذن هذا التعنت؟ اللهم إلا إذا كان من ورائه يد خبيثة، سواء داخل البلاد أو خارجها، يعنيها أن يتضرر الشعب، ويعنيها أن تستفيد من هذا الصراع، فهل من عودة جادة إلى صندوق الانتخابات؟ وهل من عودة جادة إلى انتخابات تعددية؟ هل من عودة جادة لتحقيق معنى الشورى والديمقراطية؟ هل من عودة جادة لكي تحتل المؤسسة العسكرية موقعها لحماية البلاد، لأنها سليل جيش التحرير الوطني وسليل المجاهدين؟ وهل من عودة حتى يحيا ضمير هؤلاء المتعنتين من كل الأطراف، سواء كانوا استئصاليين أو كانوا متطرفين؟
وهل تتمكن الطبقة السياسية من أن تتجاوز أنانيتها للوصول إلى انتخابات رئاسية بالدرجة الأولى، حتى تضمن وجود رئيس للجمهورية الجزائرية يحافظ على الوحدة الترابية، ويحافظ على المسار الديمقراطي، وعلى الحريات العامة للمواطنين بعيدًا عن كل أنواع الاستهتار؟
هذه الأسئلة نوجهها إلى كل من يعنيه أمر الجزائر.
ثم سؤال آخر أوجهه إلى علماء الأمة ودعاة الإسلام فيها: هل يرضيهم أن يروا هذه الدماء الغزيرة سواء كان الظلم من هذا أو من ذاك؟ هل يرضيهم أن يروا هذه الدماء ويسكتون؟..