العنوان بسبب شركات تنظيف الأموال.. الرئيس الألباني بين مطرقة المودعين وسندان المعارضة
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997
مشاهدات 76
نشر في العدد 1241
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 11-مارس-1997
أحزاب المعارضة اليسارية انتهزت الفرصة؛ لتحقيق مكاسب سياسية ودعت الشعب للتظاهر ضد الحكومة
الرئيس الألباني يدعو المعارضة للحوار حول الأزمة حفاظًا على سمعة ألبانيا ومنعًا لحدوث حرب أهلية
تتحدث وكالات الأنباء العالمية منذ فترة عن انهيار شركات توظيف الأموال ومظاهرات تدور في أنحاء متفرقة في ألبانيا يقودها المغلوبون على أمرهم أو المضحك عليهم كما يقول العامة، ورغم أن ما نشر صحيحًا، إلا أن القصة بداية مشوقة قد تفيد في الوصول إلى تحليل دقيق لما يحدث، وقد توصلنا إلى بعض النتائج الهامة في تحديد من المسؤول عما يحدث في ألبانيا.
لقد بدأت الحكاية قبل خمس سنوات بدأها شاب مغامر كان يعمل رقيبًا في الجيش الألباني، ويدعى وهبي على موشاي، ومع انفتاح ألبانيا على العالم الخارجي وانتشار فكرة النظام الهرمي، أو ما تعرفه بتوظيف الأموال في أوروبا الشرقية، انتهز هذا الرجل الفرصة، وقام بنشر الفكرة في ألبانيا، وافتتح أول مكتب لتجميع الأموال من المواطنين في ألبانيا، وأطلق على شركته اسم فيفاء هذا الاسم هو اختصار . المقاطع من اسمه واسم زوجته واسم ابنه، وبدأ الرجل رحلته مع النظام الهرمي، وكان يعطي فائدة لعملائه في البداية ۱۲% شهريًّا، وقد بدأت رحلة الرجل مع تنظيف ـ وليس توظيف الأموال ـ مع الأموال القادمة من إيطاليا من المخدرات والمافيا ثم مع تجارة السلاح والذخيرة إلى بوروندي ورواندا ومن قبل إلى البوسنة والهرسك، وقد نشرت أخبار صفقات السلاح أكثر من وكالة عالمية للأنباء ومنها على سبيل المثال Euro-news، وعلق مسؤولون بوزارة الدفاع لدفاع الألبانية بالنفي القاطع رغم أن الذخيرة المصنعة في البانيا وجدت في حوزة المقاتلين في البوسنة وبوروندي ورواندا.
ونظرا لامتداد علاقاته مع الحكومة والجيش الألباني، فقد استفاد الرجل من ذلك وكاد يحتكر إمدادات الجيش من الغذاء والألبسة، ولأنه الابن المدلل للحزب الديمقراطي في ألبانيا والراعي الحقيقي لأنشطته السياسية، فقد فتحت أمامه كافة الأبواب، وكانت فرصة التهريب إلى صربيا والجبل الأسود خلال الحصار المزعوم على صربيا في حرب البوسنة فرصة لا تعوض، وكانت البضائع تدخل موانئ ألبانيا وتخرج عن طريق البر إلى الجبل الأسود المجاور ألبانيا وعين الحكومة مغمضة أو هكذا أريد لها، بل إن البعض يتهم الحكومة بأنها ـ وعبر شركة خاصة بالحزب الديمقراطي الحاكم ـ كانت لها نسبة في مثل هذه العمليات، وقد تم استجوب وزير المالية في الحكومة السابقة قبل مايو عام ١٩٩٦م، حيث ووجه بالأدلة التي ساقتها المعارضة، ورغم أنه لم ينف حدوث التهريب بحجة أنه لا يمكن إيقاف التهريب بنسبة مائة في المائة، إلا أنه نفى أن تكون الشركة التابعة للحزب لها دور في ذلك. ورغم ذلك فقد تورطت شركات حكومية تعمل في مجال التصدير والاستيراد في مثل تلك الأعمال زيادة الشركات وغياب الضوابط ودخل في اللعبة أناس كثيرون منهم من كان ـ وما زال نكرة ـ في الساحة الاقتصادية والتجارية والألبانية، وأشهرهم كانت السيدة سعوديا، والتي تنتمي للغجر الألبان، والتي كانت تعطي شهريًّا فائدة قدرها ٣٠ %لمن يضع أمواله لديها، وأصبح اسمها كافيا لجذب استثمارات الألبان من كفاحهم في اليونان وإيطاليا وألمانيا وسنين الغربة والعذاب ولم لا؟ والعائد لا يمكن الحصول عليه حتى من البنك الدولي، كما ظهر في الساحة السيد جعفري، والسيد باشكيم دريزا، واللذان كانا يعطيان فائدة قدرها ٢٢ %شهريًّا، ومن العجيب أنهم أطلقوا على شركاتهم أسماء ديمقراطية مثل الشعب، وديمقراطية الشعب! ومن الأعجب أن أحدهم شكل حزبًا يساريًّا أسماه حزب رابطة الشعب، وهكذا اختلطت السياسة بالنظام الهرمي في ألبانيا. ولم يقتصر الأمر على شركة أو اثنتين، بل تعداه إلى عشرة من هذا النوع الكل يزايد ويضارب من أجل جذب المزيد من الأموال إلى حقيبته، والملاحظ أن معظم مالكي هذه الشركات جاؤوا من فلورا المدينة الساحلية الجنوبية وأكبر ثاني ميناء بحري في ألبانيا، والتي تبعد فقط ساعتين عن ميناء باري الإيطالي، ولا تعليق، وغضَّت الحكومة الطرف عن نشاط تلك الشركات لإلهاء الشعب حتى تتمكن من إحراز نصر سياسي على المعارضة اليسارية، والتي تمثل أكبر تحدٍّ للحزب الحاكم، وقد نجحت إلى حد كبير في ذلك، ورغم أن الحكومة متهمة إلا أن
الأحزاب الأخرى غير مبرأة من ممارسة هذا النشاط ووضع أموالها لدى هذه الشركات وتدعي صحف الحكومة والحزب الحاكم أن رئيساً لأحد أحزاب اليسار وضع مبلغا قدره ۳۰ ألف دولار في شركة فيفا باسم زوجته.
شركات التوظيف وانتشار الفساد
لقد جاءت هذه الشركات، وجاء معها العديد من مظاهر الفساد في ألبانيا، فانتشرت أندية القمار بشكل مخيف ورهيب، وأصبح عدد الذين يترددون على هذه الأندية في تيرانا وحدها ٢٥ ألف مواطن كل ليلة، الكل ينتظر ساعة الحظ التي لا تأتي أبدا. انتشرت البارات والخمارات وأندية الديسكو والمراقص بكافة أشكالها حوالي ستة آلاف في تيرانا، وعرف الألبان الموضة وأحدث التسريحات، وعرفوا كذلك البلطجة، وأصبح متعارفًا أن لكل رجل أعمال «مشبوهة» حارس خاص أو اثنان، كما انتشرت الدعارة غير الرسمية، وأصبح مألوفًا أن ترى الحسناء ومعها حارسها الخاص في أحدث السيارات، كما زادت حالات الإجهاض وخصوصًا بين صغار السن تبلغ نسبة الإجهاض بين البنات من سن ١5ـ ۱۹ حوالي ۳۰ في الألف.
جاءت هذه الظاهرة ومعها سلبيات كثيرة تحتاج إلى وقت لترميمها، فقد اعتاد المواطن على الاستيقاظ المتأخر والذهاب إلى الحانة أو المقهى، وأن يشرب في الصباح كما يشرب في المساء قدرًا لا بأس به من الخمور التي انتشرت بشكل مخيف ورهيب، وانتشر معها أمراض الكبد والجهاز الهضمي، وأصبح من المألوف أن ترى النساء يعملن والرجال يأكلن.
صندوق النقد الدولي يحذر
كان تقرير صندوق النقد الدولي الصادر منذ عامين يحذر من انتشار الظاهرة وتأثيرها على الاقتصاد القومي الألباني وجركة الاستثمار في ألبانيا، ولكن الحكومة أصمت أذنها والكل في الحقيقة أصم أذنه عن التحذيرات المختلفة والتي صدرت من هنا وهناك، حتى إن السفير الإيطالي في ألبانيا حذر المستثمرين الطليان من المغامرة ومع هذه الشركات.
وبعد فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات مايو عام ١٩٩٦م والانتخابات المحلية من العام نفسه، ومع زيادة الضغط من صندوق النقد الدولي بدأت تظهر بعض التصريحات من جانب وزير المالية الجديد، والذي يبدو أنه كان خارجًا لتوه من اجتماع مندوبي صندوق النقد الدولي، والذي قال فيه: إن هذه الشركات تؤثر على الاقتصاد القومي، ولم يكمل الرجل عبارته؛ حتى فتح الجميع عليه النار فاضطر إلى الصمت؛ لأنه كما يبدو أن الأمر لا يتعلق بالوزير الجديد، بل تعداه إلى أعلى في أكتوبر.
كان هذا بعد الانتخابات المحلية مباشرة، وساعتها خرج رئيس أكبر شركة لتنظيف الأموال ليقول: إذا كان صندوق النقد يفهم في الاقتصاد العالمي فنحن نفهم أكثر منه في اقتصاد ألبانيا.
الخدعة الكبرى ومأزق الحكومة
كانت نهاية العام الماضي تحمل نذير الخطر للشعب الألباني المسكين والذي أودع ما يزيد على ملياري دولار «أربعة أضعاف الميزانية الحكومية كما جاء في تقرير لصحيفة Albani an Daily New فقد هرب أحد أصحاب شركات تنظيف الأموال من مدينة كورتشا المجاورة لليونان وحمل معه ١٣.٥ مليون دولار؛ ليضع الألبان أيديهم على قلوبهم مخافة انتشار الهروب، كما أن السيدة الغجرية سوديا هي الأخرى قامت بوقف صرف الفائدة الشهري، وأعلنت أن الوقف مؤقت لمدة أسبوعين، وتظاهر الناس أمام منزلها، ولكنها لم تدفع وأجلت أسبوعين آخرين، وقامت بعد ذلك وعلى الطريقة السينمائية بالخروج إلى الجمهور من شرفة منزلها؛ لتعلن أنها أفلست وقالت للبوليس المنتشر حولها: أنا جاهزة، وبالفعل تم اعتقالها بتهمة النصب والاحتيال على الشعب المسكين، ومازال لغز السيدة سوديا محيرًا خصوصا حين سئلت عن أنشطتها؟ وكيف بدأت؟ وأين الأموال؟ فقالت: ، هناك من يعرف أكثر مني، ولا أحد حتى الآن يدري إلى أين ذهبت الأموال ولا من أين جاءت، بل كانت المفاجأة الكبرى هي عدم وجود حساب للسيدة سوديا في أي من بنوك ألبانيا، والمفاجأة الأخرى أن الحكومة وحتى هذه اللحظة لم تذكر أي شيء عن نشاطاتها رغم اعتقالها، وركزت فقط على الاثنين الآخرين، فهل هناك سرّ ستكشف عنه الأيام أو السيدة سوديا إن قدر لها ذلك؟
ومع زيادة الضغط على الحكومة قامت بتشكيل لجنة غير برلمانية لتقصي الحقائق والتي يبدو أنها لم تتمكن من تقصي : أي شيء نظراً القوة وجبروت القائمين على هذه الشركات، وبالفعل لم يخرج تقرير هذه اللجنة إلا بعد أن صادرت الدولة أموال شركتي جعفري . ودربيزا. كل هذا دفع الناس إلى القلق والخوف على أموالهم، واستغلت المعارضة اليسارية الأمر وأعلنت أنها ستنظم مظاهرات تطالب الحكومة بالتدخل ورد أموال المودعين، وبالفعل قامت أول مظاهرة يوم الأحد الموافق ١٩ يناير الماضي، ثم انتشرت المظاهرات بعد ذلك، خصوصًا في مدينة التهريب والعمالية وتيرانا العاصمة وشكودرا الشمالية، ورغم أن المتظاهرين كانوا قلة، إلا أن المعارضة مصرة على استغلال الأمر على أفضل ما يكون واضعة في تصورها تكرار ما يحدث في بلغاريا أو صربيا .
المعارضة وأحداث تيرانا الدامية
وفي محاولة منها لتوظيف الوضع لصالحها دعت أحزاب اليسار الاشتراكي . «الاشتراكي الديمقراطي - التحالف الديمقراطي»، إلى التظاهر ضد الحكومة بزعم أنها السبب فيما يحدث الآن، وأنها تركت الحبل على الغارب لهذه الشركات حتى تصرف الشعب عن المشاكل الحقيقية أثناء الانتخابات العامة في مايو عام ١٩٩٦م والانتخابات المحلية في أكتوبر من العام نفسه. وبالفعل دعت المعارضة إلى تنظيم مسيرات يوم الأحد ٢٦ يناير الماضي، لكن الجهات الأمنية لم تصرح لها بإقامة إحداها في الميدان الكبير للعاصمة تيرانا ميدان إسكندر بك، ونجحت المعارضة في تحريك بعض الجماهير بعد أن أشاعت أن الحكومة إنما صادرت الأموال لصالحها، وأنها لن تردها أبدًا. وكان ذلك كفيلاً بخروج الناس إلى الشوارع متعاطفين مع مصالحهم قبل أن يتعاطفوا مع اليسار، ولما نجحت التجربة الأولى دعت المعارضة إلى عدة مسيرات في جميع المحافظات وخصوصا خارج تيرانا، وبالفعل سمحت الجهات الأمنية للمسيرات ظنًا منها أن ذلك سيخفف من الضغط النفسي للجماهير، وأن مثل هذه المظاهرات ستكون سلمية، ولكن الشحن المتزايد من قادة المعارضة للجماهير المتأثرة بضياع «تحويشات العمر» دفع الجماهير إلى الخروج خارج المكان المخصص للتجمع في تيرانا، وتوجه المتظاهرون إلى ميدان إسكندر بك، الذي رفض البوليس التصريح لهم من قبل بعمل أي تظاهر فيه، ولم يجد البوليس بدا من أن يترك المتظاهرون يعبرون وسط المدينة قاصدين الميدان الكبير ومع ارتفاع حرارة التظاهر والهتافات التي رفعها اليساريون لتسخين المتظاهرين بدأت المشاغبات من طرف المتظاهرين، والغريب أنهم بادروا البوليس بالاعتداء ولم يسلم حتى رجال المرور والإعلام. وحين وصل المتظاهرون إلى الميدان ارتفعت مرة أخرى حرارة الهتافات؛ لتنال من الرئيس بريشا نفسه وتتهمه بالفساد وتطالب بسقوطه، مما دفع الشرطة لاستخدام الماء لتفريق المتظاهرين، وانتهت المظاهرة في تيرانا وعاد الناس إلى بيوتهم، وفي المساء كان الجميع يشربون القهوة والويسكي في حانات تيرانا التي تزيد على الستة آلاف.
لكن المظاهرات خارج تيرانا أخذت طابعًا عنيفا، ففي محافظة لوشنيا التي ينتمي إليها الجنرال جعفري رئيس شركة الشعب لتنظيف الأموال اندفعت الجماهير غاضبة مطالبة بالإفراج عن الجنرال، ولما ذهب وزير الخارجية ورئيس الحزب الحاكم إليهم؛ لتهدئتهم قاموا باختطافه وطالبوا بالإفراج عن جعفري مقابل الإفراج عن وزير الخارجية وتعرض الرجل للضرب مما أسال دمه
بریشا يدعو هو المعارضة للحوار
على إثر ذلك دعا الرئيس بريشا قادة المعارضة الممثلة في البرلمان للتحاور حول الأزمة الحاصلة والتخريب الذي قد يقضي على سمعة ألبانيا في أوروبا، ولكن المعارضة اليسارية – مرة أخرى . رفضت الدعوة، وعلى الطريقة الصربية «لا تحاور قبل استقالة الحكومة» ووجه الرئيس نداء إلى الشعب بعدم الانصياع إلى الغوغاء والمشاغبين والاستماع لصوت العقل والحكمة وعدم التعرض للمنشآت الحكومية والأهلية بالأذى لما في ذلك من ضرر على سمعتهم، ووعد بأن الأموال المصدرة ستعود إلى أصحابها اعتبارًا من ٤ من فبراير الماضي، وعلى إثر ذلك طالب نواب الحزب الحاكم بتطبيق حالة الطوارئ الكلية أو الجزئية، ولكن الرئيس رفض، وكل ما سمح به هو ما وافق عليه البرلمان في جلسة طارئة بضرورة استعانة الشرطة ببعض قوات الجيش، وذلك لضعف قوات البوليس، وبالفعل انتشرت بعض القوات المسلحة حول المصالح الحكومية مثل الإذاعة والتلفزيون والطرق الرئيسية.
المعارضة تسعى لتحقيق أهدافها
وقد حاولت المعارضة اليسارية منذ بداية الأزمة استغلال الحادث لتحقيق أهدافها السياسية، ومنه بالطبع إزاحة الحكومة وإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت٢٦ من مايو عام ١٩٩٦م، وإجراء انتخابات جديدة، ومن أجل ذلك كانت مبادرة بالتظاهر يوم الاحتجاج، ولم تكتف بذلك، بل دعت إلى مقاطعة في اجتماعات الطاولة المستديرة التي دعا إليها الرئيس، ووصل الأمر ببعضهم إلى التحريض على التخريب في المظاهرة التي جرت في الميدان الكبير يوم الأحد ٢٦ يناير الماضي، والتي تم تسجيل كل ما قاله ليكون دليل إدانة أمام النائب العام الذي مثل أمامه أكثر من ٧٧ معارضًا وبتهمة التحريض على التخريب، ولكن المعارضة و اتجهت اتجاهًا آخر يبدو أنه جاءها من خارج الحدود، وهو تشكيل جبهة معارضة للحكم والرئيس على غرار ما تم في صربيا وبالفعل تم تشکیل ما يعرف بالمنتدى من أجل الديمقراطية، والذي ضم كل أحزاب اليسار وبعض أجنحة أحزاب اليمين وهي الاشتراكي ـ الاشتراكي الديمقراطي - التحالف الديمقراطي - الجناح اليميني للحزب الجمهوري - حزب الخضر .حزب المثل الديمقراطية المضطهدون سياسيَّا -سابقا . الجناح اليميني للحزب الديمقراطي -الوحدة الوطنية.
وقد اتفق الجميع على مواجهة الحزب الحاكم بنفس الطريقة التي واجه بها الشعب النظام الشيوعي السابق في عام ١٩٩٢م، وحددوا - مطالبهم في استقالة الحكومة، وتعيين حكومة . تكنوقراط لحين الإعداد لانتخابات برلمانية جديدة - والتفاوض حول تعديل الدستور ليكون بواسطة كل الأحزاب، وليس بالأحزاب الممثلة في البرلمان، ويكون هذا التحالف وقتيًّا، ويكون لكل حزب هويته الخاصة، وتشكل لجنة من ثلاثة أعضاء للتحدث باسم المنتدى، ورغم أن المعارضة تمارس كل ما تملك من إمكانية لإزاحة الحزب الديمقراطي عن الحكم مثلما حدث في صربيا، إلا أن الوضع يختلف تمامًا عن صربيا من عدة أوجه أهمها:
1- النظام الحاكم في صربيا شيوعي - اشتراكي حاليًا، بينما الحزب الحاكم في ألبانيا ديمقراطي جاء بعد انتخابات سبقتها أنه قاد الشعب في ١٩٩٢م في الثورة على الشيوعية.
2ـ الحزب الحاكم والرئيس ميلوسوفيتش لا يتمتع بأي تأييد غربي أو أمريكي بل على العكس لولا دعم أمريكا المعنوي والسياسي للمعارضة في صربيا لكان من الممكن إنهاء المظاهرات في بلجراد بين عشية وضحاها، وكان يكفي أن تعلن الخارجية الأمريكية أن ما يحدث في بلجراد شؤون داخلية، أما في ألبانيا فإن الأوروبيين والأمريكيين ينظرون بعين الشك والريبة إلى الاشتراكيين الألبان؛ لأنهم ورثة النظام الشيوعي السابق.
بيد أن ذلك لا يعني أن الحزب الحاكم والحكومة والرئيس لا يشعرون بقوة ما يحدث وأثره الآن، ولاحقاً على المستقبل السياسي لكل من الحزب والرئيس، ويمكن تفسير دعوة الرئيس للقاء الطاولة المستديرة بأنه الخوف من المجهول والبحث عن تأييد حزبي خارج إطار الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه، خصوصا وأن الاستفتاء على الرئيس لفترة قادمة سيكون في أبريل القادم.
وفي تطور مفاجئ للأوضاع في الجنوب الألباني وفي مدينة فلورا الساحلية والتي تضرر معظم سكانها من شركات تنظيف الأموال قام بعض المسلحين بالهجوم على مبنى المخابرات الألبانية في مدينة فلورا، وقاموا بحرق المبنى بمن داخله والقوا بأحد الضباط من الطابق الثاني، ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بالإجهاز على المصابين من المخابرات على مرأى ومسمع من الجماهير المحتشدة في ميدان العلم بفلورا.
وبلغت حصيلة القتلى من المخابرات ستة ضباط، بينما تجاوز عدد المصابين العشرين فردا. وكان تفجر الوضع على إثر شائعة مفادها أن المخابرات قامت بتسريب بعض ضباطها إلى مبنى الجامعة، حيث أضرب ستون طالبا في جامعة فلورا عن الطعام مطالبين باستقالة الحكومة، ورد أموال المتضررين ومعها الفوائد، الأمر الذي رفضه الرئيس بريشا علانية فانتقل التأزم إلى مدينة فيرولوشنيا على خط الجنوب، وعلى إثر ذلك دعا الرئيس بريشا رؤساء الأحزاب السياسية في ألبانيا لدراسة ما يمكن عمله حيال الصورة المتدهورة، والتي قد تدفع ألبانيا إلى الحرب الأهلية أو حرب العصابات، ثم أعلن الرئيس استقالة حكومة إلكسندر ميكسي، وأعلن أنه سيتشاور مع قادة الأحزاب لتشكيل حكومة جديدة قادرة على التعامل مع الأزمة الحالية، بيد أن مصادر في الحزب الديمقراطي ـ وكما جاء في صحيفة ألبانيا الناطقة باسم الحزب ـ قالت: إن الحكومة المقترحة ستكون بقيادة الحزب الديمقراطي أيضًا، الأمر الذي أثار المعارضة اليسارية التي صرحت على لسان جريدة صوت الشعب الناطقة باسم الحزب الاشتراكي، إن الرئيس بريشا باع رئيس الوزراء، وهو ما يعني أنهم غير مكتفين باستقالة الوزارة، بل يطالبون باستقالة بريشا نفسه.
فإلى أي طريق نتجه ألبانيا؟، سؤال صعب في ظل متغيرات ومؤثرات خارجية كان أخرها بيان الخارجية الأمريكية والتي طالبت فيه بسرعة إنجاز مشروع الدستور والإعداد لانتخابات جديدة حرة ونزيهة .