العنوان ملتقى دولي في باريس يناقش: الاستراتيجية الغربية الجديدة في العالم
الكاتب محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
مشاهدات 61
نشر في العدد 1024
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
ويندرج في هذا
الإطار الملتقى الذي عقد مؤخرًا بباريس تحت إشراف رئاسة الدولة
بعنوان «حوار إستراتيجي جديد» وبحضور سبعمائة شخصية عسكرية ومدنية من
بينهم وزراء دفاع خمس بلدان أوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا
وإيطاليا) بالإضافة إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة الموحدة لمجموعة
الدول المستقلة الماريشال شابوشينكوف وغسان سلامة (أصله لبناني) أستاذ
بمعهد العلوم السياسية بباريس، وهلموت سميث رئيس
ألمانيا الفيدرالية السابق.
وأهم المحاور
التي دار حولها النقاش الوضع الإستراتيجي في العالم، وفي بعض المناطق،
ومستقبل الاتحادات العسكرية- السياسية والنظريات العسكرية وعلى رأسها نظرية
الردع.
دعم حلف الأطلسي
وقد افتتح
الملتقى وزير الدفاع الفرنسي بيارجوكس الذي ساند فكرة مشاركة أكثر فعالية
لفرنسا في إطار الحلف الأطلسي مع التأكيد على عدم التحاقها بالقيادة العسكرية المندمجة
لهذه المنظمة علمًا بأنها انسحبت من هذه القيادة منذ عام 1966 في عهد ديغول.
لكن الوزير
الفرنسي ربط هذه المشاركة بشرط تغيير ضروري حقيقي داخل المنظمة بحيث «تمتلك
تدريجيًا هياكل سياسية وعسكرية متماشية مع التحولات الجديدة حتى لا
تندثر»، ويرى أن التنظيم الحالي للحلف الأطلسي غير منسجم تمامًا مع الأزمات
الجديدة، ومن الضروري إيجاد أدوات مؤسساتية وسياسية وعسكرية قادرة على
الاستجابة للحاجات والتخوفات الجديدة، ذلك أن مواطن الأزمة تتزايد وسط أوروبا
وشرقها في حين أنشئت المنظمة الأطلسية بهدف مقاومة اعتداء جوي وبري كبير
من جهة الشرق.
وتعرض الوزير
جوكس إلى وحدة الجيش الفرنسية - الألمانية المزمع تكوينها قريبًا
لتكون بمثابة النواة الأولى للدفاع الأوروبي مستقبلًا بهدف الدفاع المشترك عن الحلفاء،
كما صرح الوزير مضيفًا بأن تكوين مثل هذه الوحدة يعد فرصة وليس تهديدًا.
والجدير
بالملاحظة أن الوزير كرر نفس التصريحات لإحدى الإذاعات الفرنسية «أوروبا
واحد» في اليوم الموالي لافتتاح الملتقى مع الإشارة إلى أن مشاركة
القوات الفرنسية في الخارج تكلف زيادة بحوالي ملیار فرنكًا فرنسيَّا في
السنة.
وفيما يتعلق
بالصراع في يوغسلافيا سابقَا فإنه يقدر بأن المجموعة الدولية يجب عليها تأكيد
مواقف أكثر تشددًا فيما يخص القواعد التي التزمت على أساسها وحدات مختلف
الدول، وكذلك قدراتها على حماية نفسها عند أداء مهمتها في حماية القوافل الإنسانية.
وكان الملتقى
فرصة للطرف الأمريكي للتعبير عن مواقفه من السياسات الدفاعية الأوروبية
الجديدة، فقد عبر نائب كاتب الدولة المساعد للدفاع الأمريكي لويس ليبتي عن
أمله في أن تبقى منظمة الحلف الأطلسي ركيزة العلاقات الأمنية في أوروبا، وكرر
حذر الولايات المتحدة إزاء المؤسسات الأوروبية الجديدة في مجال الدفاع وخاصة «الجهاز
الأوروبي»(Europcorps) الذي هو بصدد التكوين بمبادرة ألمانية وفرنسية.
كما أشار ليبتي
إلى الأولوية بالنسبة لواشنطن في إقامة شراكة إستراتيجية مع روسيا التي
من الممكن أن تصبح عنصرًا أساسيًّا في مستقبل الأمن الأوروبي مع القوة
الإستراتيجية الأمريكية للدفاع الأوروبي، وتساءل حول نجاعة ردع نووي ممكن
لقوى صاعدة تملك أسلحة دمار كبيرة نووية وكيميائية وجرثومية.
|
* أبرز هذا الملتقى
حرص القوى الغربية على تقارب وجهات نظرهم حول الإستراتيجية المستقبلية لسيطرتهم
على العالم |
من جهته عبر
الأمين العام للحلف الأطلسي مانفريد فورنار عن ارتياحه للتصريحات الفرنسية
بلعب دور أكبر في إطار المنظمة، مما سيدعم دورها الجديد في حل الأزمات،
بالإضافة إلى زيادة وزن الدعامة الأوروبية وأهميتها داخل المنظمة وإحداث
توازن في الشراكة بين أمريكا الشمالية وأوروبا.
مخاطر التجزئة والمحازبة
وإلى جانب تدخلات
الشخصيات العسكرية أو المسؤولة عن المجال الدفاعي، فقد قامت بعض
الشخصيات المدنية بتدخلات قيمة مثل غسان سلامة أستاذ بمعهد العلوم
السياسية بباريس، وقد جاء في تدخله أنه يلاحظ منذ انتهاء الحرب الباردة
ميلًا متعاظمًا لدى عدد من الدول للتدخل العسكري المباشر خارج الإطار التقليدي
لتدخلها، ويأخذ هذا التدخل المباشر أشكالًا مختلفةً، إما من داخل قرارات مجلس
الأمن أو تدخلات مباشرة عسكرية أو لأهداف إنسانية أساسًا فرديًا أو جماعيًا مثلما
حصل في العديد من الدول منها الكويت وكمبوديا ويوغسلافيا مؤخرًا والصومال
وليبيريا... إلخ.
وشدد على أن هذه
التدخلات قد يكون لها نتائج إيجابية في بعض الأحيان، عندما يكون الهدف
هو دعم أقلية مضطهدة تكاد تنقرض إزاء عدو استشرس في الانقضاض عليها أو
يكون لها هدف إنساني سامي أي مواكبة الحملات الإنسانية في بلدان فقد جهاز
الدولة كل فعالية فيها كما هو الحال في الصومال.
لكن لهذه
التدخلات مخاطر كما صرح سلامة، ومنها مثلًا التحول من الدفاع عن الأقليات إلى
البدء بتجزئة الدول القائمة مثل الحالة العراقية، وقد يكون لهذا الأمر
أيضَا مخاطر عندما يأخذ التدخل الخارجي حتى الإنساني منه جانبًا في محاربة
فريق محلي ضد فريق آخر، كما حصل في أفغانستان منذ انسحاب القوات
السوفياتية، حيث تسعى معظم المنظمات الإنسانية المدعومة من قوى دول
خارجية إلى دعم بعض فرقاء أفغان مقابل فرقاء آخرين.. وتساءل هل تعد هذه الظاهرة
عودة إلى عهد الوصايات؟
وكان التدخل
الختامي من نصيب الوزير الأول الفرنسي بويغيفوا الذي أكد على رفض فرنسا
لمشروع الدرع الفضائي المضاد للصواريخ الذي أعدته الولايات المتحدة
الأمريكية؛ معللًا هذا الرفض بخطر العودة إلى سباق التسلح وعسكرة الفضاء في
الاتجاه المعاكس لجهود نزع السلاح النووي.
وقد تضمن هذا
الملتقى جلستين حول «المعطى الإستراتيجي الجديد» و«توسيع الردع»
وخمس لجان عمل حول المحاور التالية «استقلالية إستراتيجية وتحالفات ومجموعات
ودول» و«الجيش والمجتمع والخدمة الوطنية والمواطنة والدفاع» و«البحث والصناعة
والفضاء» «ما الوسائل الاستراتيجية خارج إطار المعركة؟» و«مستقبل الردع
النووي» و«نزع السلاح والأمن».
ومن خلال مثل هذه
الملتقيات يمكن الاستنتاج بأن القوى الغربية حريصة على تقارب وجهات نظرها
ورؤاها حول الإستراتيجية المستقبلية في إطار التحولات العميقة التي يشهدها
المجتمع الدولي وتمر بها العلاقات الدولية، خاصة ما يتعلق بالمجال العسكري
والدفاعي باعتبارها مجالات حساسة لا تقل أهمية عن الاكتفاء الغذائي والديمقراطية
السياسية والسلم الاجتماعية.
وفي المقابل يبقى
الطرف العربي- الإسلامي المعني بهذه القضايا متفرجًا أو مستهلكًا
للأطروحات الغربية أو غارقًا في معاركه الداخلية الهامشية أو في ضرب قواه الحية
ودفع إطاراته إلى الهجرة والبحث عن آفاق جديدة، فمتى سيتوقف هذا النزيف
من أجل البناء الداخلي في إطار إستراتيجية مستقبلية موحدة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل