; في ظلال الهجرة.. فن توظيف المواهب | مجلة المجتمع

العنوان في ظلال الهجرة.. فن توظيف المواهب

الكاتب أحمد زهران

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2004

مشاهدات 123

نشر في العدد 1589

نشر في الصفحة 54

السبت 21-فبراير-2004

  • تحول بيت أبي بكر الصديق إلى غرفة للقيادة وشارك في العمليات أولاده ومواليه.

نستطيع القول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كوّن في رحلة الهجرة فريق عمل ناجحاً، من الرجال والنساء جميعاً، كان له أبلغ الأثر - بعد الله عز وجل - في إنجاح هذا الحدث الفريد، ولقد أحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم توظيف قدرات ومواهب وإمكانات هذا الفريق  كل بما يناسب طبيعته والنبي صلى الله عليه وسلم بهذه الميزة يبني إنساناً فعالاً ولا يحطمه، ويقوم المعوج ولا يكسره، لقد كان عليه الصلاة والسلام لا يُبقي المزايا في أصحابه طاقات معطلة، بل كان يوظفها لصالح المجتمع(1) 

 ومن ذلك أنه أعطى سيفه يوم أحد لأبي دجانة،  لما عُرف عنه من شجاعة وإقدام، واختار معاذا لأهل اليمن معلماً لما تميز به من معرفة بالحلال والحرام، واختار نعيماً ليخذل عن المسلمين يوما الأحزاب، واختار حذيفة ليأتيه بخبر القوم، ثم اختصه ليكون صاحب سره وأعلمه أسماء المنافقين.

فريق عمل الهجرة

وفي حادث الهجرة، كون رسول الله صلى الله عليه وسلم فريق عمل صغيراً  يتكون من:

  • الرسول - القائد

  • أبو بكر الصديق - المرافق

  • علي بن أبي طالب - الفدائي

  • عبد الله بن أبي بكر – للاستخبارات

  • عامر بن فهيرة - للتمويه والتشويش 

  • أسماء بنت أبي بكر - للإمداد والتموين 

  • عبد الله بن أريقط - دليل الطريق.

وبالنظر في هذه الشخصيات نجد أنها شخصيات عاقلة، كلها تترابط برباط القرابة أو برباط العمل الواحد، مما يجعل هؤلاء الأفراد وحدة متعاونة على تحقيق الهدف الكبير(2).

إدارة المهمة

بعد تكوين هذا الفريق قام كل واحد منهم بمهمته بكل دقة، وفي السطور التالية نستعرض طبيعة كل واحد من أعضاء الفريق وطبيعة مهمته.

أولًا. قائد الفريق رسول الله صلى الله عليه وسلم

وضع نصب عينيه قول الحق تبارك وتعالى ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ(الكهف: ٩٥)،فبالرغم من أنه رسول الله المؤيد بنصره، إلا أنه التزم طريق العمل الجماعي المشترك والمنظم - كما أشار إليه ذو القرنين في الآية السابقة، وفي ذلك دلالة على ضرورة تضافر الجهود وتوحيد الطاقات والقدرات والقوى، والقائد الفعال هو الذي يملك القدرة على ربط كل الخطوط والتنسيق بين المواهب والطاقات(3)، كان من الواضح أن هناك تخطيطاً دقيقاً يجري تنفيذه بإحكام، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معزل عنه، وإنما كان وسط هذه المعامع كلها يطمئن على كل شاردة وواردة، ويراجع الموقف كله كل يوم.

 إن قيادة النبي لأمته لم تكن قيادة السيد الذي يقرع أتباعه بالعصا، أو يسوقهم أمامه بالشدة والصرامة، وإنما كانت قيادته في حقيقتها قيادة للقلوب والأرواح قبل كل شيء، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود، فقد كان الله رحيماً وشفيقاً بجنوده وأتباعه، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبق إلا المستضعفون والمفتونون، ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة(4).

 إن الذي لا يحسن التعامل بالحب، والقيادة بالحب لا يكتب له النجاح

 الصديق خير رفيق

 والشخصية الثانية في هذا الفريق هي شخصية الصديق أبي بكر  رضي الله عنه وقد خاطبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استأذنه في الهجرة بقوله: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً، وقد كان الصديق يعلم أن هذه اللحظة اتية لا محالة وهو يرى المسلمين من حوله يهاجرون وما كان يطمع في أكثر من الصحبة المباركة من هنا انطلقت عقليته» (رضي الله عنه) لتعمل، إنه لا ينتظر التكليف المباشر بالعمل، ولكنه كان يعلم المقدمات، فاستطاعت عقليته أن تدركالنتائج سريعاً فماذا فعل؟ 

ابتاع راحلتين واحتبسهما في داره وعلفهماإعداداً لذلك.

سخر أسرته لخدمة النبي صلى الله عليه وسلموضع نفسه تحت شعار كن مستعداً، فكان جاهزا للقرار عنه وقال بعضهم في موقف أبي بكر - رضي الله

 ورد الكتاب من الحبيب بأنهسيزورني     فاستغبَرَت أجفاني

 غَلَبُ الســ رور علي حتى إنهمن فرط    ما قد سرني أبكاني

 يا عين صار الدمع عندك عادة  تبكين   في فرح وفي أَحْزَانِ(5)

 ويعلمنا أبو بكر كيف يفتدي الجندي قيادته بنفسه إن لزم الأمر، يقول السهيلي: «عندما رأى أبو بكر - رضي الله عنه القافة(6) اشتد حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، فعندها قال لهرسول الله: «لا تحزن إن الله معنا»(7)

 إن النفوس التي أخذت قسطاً وافراً من التربية لا تجزع عند الشدائد ولا تهرب عند الصعاب وتقول: نفسي نفسي فما كان أبوبكر ساعتئذ بالذي يخشي على نفسه الموت، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله الله في هذه الهجرة الخطيرة، وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسولفي قبضة المشركين(8).

 إن أصدق وصف - فيما أرى- يمكن إطلاقه على أبي بكر وبيته وأهله، أنه حول الجميع إلى ما نسميه بغرفة القيادة، أو مركز اتخاذ القرار فمعظم التحركات التي بدأت بعد ذلك انطلقت من داره وبواسطة أبنائه ومواليه.

علي أول فداني

أما علي بن أبي طالب فقد كلفه رسول الله بأن ينام في فراشه، وأن يتغطى ببرد له أخضر ففعل فلما أصبحوا أي المشركون ساروا إليه ليقتلوه فرأوا عليا نائماً في فراشه، فقالوا له: أين صاحبك؟ فقال: لا أدري؟! فخرجوا يتبعون أثره(9)

 ثم إن رسول الله الله أمر علياً أن يرد للمشركين أماناتهم وودائعهم التي أودعوها عندهوالملاحظ أن علي بن أبي طالب (رضي الله) كان رجلاً بفرقة خاصة، يمتلك من المهارات التدريبات والقوة والشجاعة مع كياسته وفطنته حسن تعامله مع الأمور في وثوق نفس واطمئنان لب وثبات قدم، ما يؤهله لذلك، وقد حدث أن ضرب المشركون علياً، وسحبوه إلى الكعبة حبسوه ساعة علهم يظفرون بخبر هما(10).

  لقد كان الأمر اختباراً اجتازه الإمام علي بنجاح وحفظه الله فيه، ولأنه من الذين عايشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتربوا على يديه فقد أحبوه إلى حد الهيام وما يبالون أن تندق أعناقهم ولا يخدش ظفر وما أحبوه كذلك إلا لأن أنصبته من الكمال لذي يعشق - عادة - لم يرزق بمثلها بشر(11) .

عبد الله بن أبي بكر

وكان عبد الله غلاماً شاباً، ثقفاً لقنا(12) وهو اختيار دقيق للمهمة التي سيكلف بها:1

-  التسمع لما يقوله أهل مكة - كما في رواية لبخاري:  فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك(13)

2-  المبيت عند النبي، ناقلاً لهما ما سمعه ثم المغادرة في وقت الظلام في الغار، حين يختلطالسحر، فيصبح مع قريش كبائت فيهم، والذي ينقل أخبار الأعداء لابد أن يتوافر فيه من الفطنة والذكاء وحسن التلقي لما يسمعه ثم أدائه كما سمعه من غير زيادة أو نقصان  ما يؤهله، لذلك أن نطلق على شخصية عبد الله بن أبي بكر أنها شخصية منضبطة، في التلقي، والأداء والضبط، ولو كان شخصية مهولة للأحداث، أو متساهلة في تقدير الخطر، لكان من الممكن أن تطول فترة مكوث النبي صلى الله عليه وسلم في الغار أو تقصر تبعاً للوصف الذي يتلقاه .

أسماء وعائشة

وقد مثلت أسماء وأختها عائشة جهاز إمدادوتموين للنبي وأبي بكر في الغار، وسط محاولات المشركين المحمومة للعثور عليهما، تقول السيدة عائشة فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهم سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها، فربطت به علی فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين(14)، وقد كانت أسماء رضي الله عنها - مؤهلة لذلك لصبرها، وقوة احتمالها وتكتمها الأمر فلم تفصح بوجهة أبيها حينما سألها أبو جهل أين أبوك؟ قالت: لا أدري والله أين أبي فرفع أبو جهل يده وكان فاحشاً خبيثاً - فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها(15)..  إن المرأة ليست عنصراً مهملاً في الدعوة ولكنها يمكن أن تقوم بأدق الأدوار حساسية والتي لا يمكن للرجال أن يقوموا بها في أشد مراحل الدعوة حساسية وخطورة لما يتعرضون له من رصد ومتابعة وتضييق،وأما دورها الثاني البليغ، فعندما دخل عليها جدها أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: «والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه قالت: كلا يا ابتي ضع يدك على هذا المال قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكني أردت أن أسكن الشيخ(16).

 أرأيت إلى المرأة حينما يثبت إيمانها، ويرسخ يقينها كيف تكون هادئة واثقة مطمئنة، ليس كنساء عصرنا اللاتي لو رزئت الواحدة منهن في مالها أو أبيها أو أخيها أو زوجها وهو يبلغ دعوة الله تراها يائسة ناحبة، فلا تعلق لها إلا بسفاسفالأمور دون معاليها  والإنسان ليعجب كيف استطاعت تلك الشابة أن تتصرف هذا التصرف العاقل، من أين انتها كل هذه الحكمة، ففكرت كيف تهدئ الشيخ ولم تفكر من أين تأكل أو تشرب، ولكنها تربية أبي بكر - القريب من بيت النبوة، ولا غرابة بعد ذلك فيما يصدر عن أسماء من عقل راجح، وحكمة بالغة، وتصور للأهداف البعيدة، واستعلاء على تفاهات الدنيا، والتعلق بالآخرة  (17).

عامر  بن فهيرة

وهو الراعي البسيط،مولى أبي بكر - رضي الله عنه- وقد انحصرت مهمته كما بروي البخاري عن السيدة عائشة ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر  منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء (الحديث) ويتضح من ذلك النص أن مهمة عامر انحصرت في  تقديم اللبن واللحم إلى صاحبي الغار وتبديد آثار أقدام السائرين إلى الغار بأغنامه كيلا يتفرسها القوم، فيصلوا إليه وهي - كما ترى وظيفة مزدوجة، منها ما هو في جانب للإمداد والتموين مشاركة مع أسماء بنت أبي بكر ومنها وهو الأخطر من وجهة نظرنا والأهم تبديد الآثار لئلا يتعرف عليها المشركون، مشكلاً بذلك جهاز تشويش وتمويه على الكفار، وهذا درس للدعوة أن تستفيد من إمكانات كل فرد في الدعوة، فربما يملك الفرد البسيط ما لا يملكه الكثيرون من أصحاب الفكر .

عبد الله بن أريقط الدليل

وهو الشخصية الأخيرة في فريق عمل الهجرة، وقد تمثلت مهمته كما يروي البخاري  واستأجر رسول الله له وأبو بكر رجلاً من الديل، وهو من بني عبد بن عدي - هاديا خريثا قد غمس حلفا في ال العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعـا إليه راحلتيهما، وأوعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما - صبح ثلاث- وانطلق معهما عامر بنفهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل.

 وعبد الله بن أريقط، كان مشركًا، وبالرغم من ذلك استعان به الرسول الله في رحلة الهجرة، فهو الدليل الأمين وخبير الصحراء البصير ، وبالرغم من أن ابن أريقط كان على دين قومه إلا أن العلماء ذكروا أنه يجوز للدعاة أن يستعينوا بمن لا يؤمن بدعوتهم ما داموا يثقون به ويأتمنونه على ما يستعينون به معه، فقد رأينا أن النبي له وأبا بكر استأجرا مشركاً ليدلهم على طريق الهجرة، ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه عند غار ثور، وهذه أمور خطيرة أطلعاه عليها، ولا شك أن النبي وأبا بكر وثقا به وأمناه، مما يدل على أن الكافر أو العاصي أو غير المنتسب إلى جماعة الدعاة، قد يوجد عنده ما يستدعي وثوق الدعاة به، كأن تربطهم رابطة القرابة أو المعرفة القديمة أو الجوار أو عمل معروف كان قد قدمه الداعية له هكذا أدار النبي الله - بتوفيق الله وعونه . رحلة الهجرة المباركة، فتوافرت لها أسباب النجاح، وكانت أعظم رحلة في تاريخ الإنسانية، وفي مسيرة الإسلام.

-------------------------------

الهوامش

  1. صناعة القائد للدكتور طارق السويدان وفيصل عمر باشراحيل، ط 1، ص ١٦٩

  2. السيرة النبوية، عرض وقائع وتحليل أحداث ج 1. ط1، دار التوزيع والنشر الإسلامية ص ٣٣٩

  3. صناعة القائد، ص170

  4. السيرة النبوية، ج ۱، ص ٣٤٥

  5. الروض الآنف للسهيلي، طبعة (1) دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ج۲، ص ٣١٤

  6. القافة هم الذين يقتفون الأثر ويتتبعونه

  7. الروض الآنف، ج۲، ص ۳۱۷

  8. السيرة النبوية، ط١، ص ٣٤٤

  9. المستفاد من قصص القرآن للدكتور عبد الكريم زیدان ط 1. مؤسسة الرسالة - بيروت، ج ۲، ص97

  10. الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري دار الإيمان للطبع والتوزيع، ص ١٦٤

  11. فقه السيرة، للشيخ محمد الغزالي - دار الدعوة . الإسكندرية، ط۲، ص ۱۸۲

  12. الثقف أي ذو فطنة وذكاء، والمراد ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، واللقن أى حسن التلقي لما يسمعه

  13. البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي (رقم ٣٩٠٥)، ويكتادان من الكيد، أي يطلب لهما فيه المكروه

  14. السابق

  15. الرحيق المختوم ص ١٦٤

  16. السيرة النبوية ص ٣٤١ وانظر الروض الآنف ج ۲، ص ۳۲۱

  17. المرأة في موكب الدعوة لمصطفى الطحان ط 1. دار التوزيع والنشر الإسلامية: ١٤٢٠هـ . ١٩٩٩م. ص ۸۱

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

114

الثلاثاء 28-يوليو-1970

التليفزيون

نشر في العدد 241

84

الثلاثاء 18-مارس-1975

«المجتمع في عامها السادس»