; من مشكاة مصابيح "مرمرة" (١-٣) "حلف فضول".. في ثوب جديد | مجلة المجتمع

العنوان من مشكاة مصابيح "مرمرة" (١-٣) "حلف فضول".. في ثوب جديد

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010

مشاهدات 84

نشر في العدد 1909

نشر في الصفحة 20

السبت 03-يوليو-2010

وجدت على مرمرة بابا واسعا ليس في الدنيا قوة تستطيع إغلاقه.. سميته باب "الأمل والفرج والحرية" 

آمالنا المحاصرة المنهوبة في ديارنا يمكن أن تمتد خارج الأسوار الوهمية وستجد صداها في أنحاء الدنيا 

جوهرة من المرمر الفاتحي التركي الأصيل تزينت بقطع فسيفسائية من أعماق أربعين دولة في الأرض 

تساءلتُ: مَنْ يحيي معنا "حلف الفضول" ؟ فأجاب عشرات الناس. بعضهم بلسان الحال وآخرون بلسان المقال 

لستُ معنيّاً بنوايا هؤلاء الذين قطعوا آلاف الأميال بحراً وبرا وجوا.. بل يهمني الواقع بعيدا عن الخطب الرنانة 

قيمة عليا استهوت رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم، كما كان أخوه موسى عليه السلام الذي انتصر للمظلوم ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15]، وكما سقى لابنتي شعيب عليه السلام وهما لا تسقيان حتى يصدر الرعاء وأبوهما شيخ كبير.. هذا نبينا صلى الله عليه وسلم يحضر حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان، وهو لم يُبعث بعد بل لم يجاوز العشرين من عمره، والذي تعاهد فيه أفاضل مكة على ألا يدعوا فيها مظلوماً إلا انتصروا له حتى يرفعوا عنه مظلمته.. وبعد أن بعث وأصبح نبياً رسولاً قال: «دعيتُ في الجاهلية إلى حلف في دار عبدالله بن جدعان ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت»، وما هذا إلا تعليم لنا من بعده. 

 

رأيت على سفينة "مرمرة" التركية المظفّرة أن هذا الحلف تجدّد بثوب أوسع وأعم .. مئات المتطوعين يدخلون في مغامرة خطرة يركبون ثبج البحر المتوسط الأبيض الأخضر، لا يمنعهم من مكر الصهاينة الذين يعشقون قتل الإنسانية - حتى لو كانت مشاعر مدنية مجردة - إلا الله وحده، ثم تصميمهم وإرداتهم وأجسادهم الطاهرة. 

آمال من رحم الآلام 

وجدتُ على ظهر الباخرة "مرمرة".. وهي جوهرة من المرمر الفاتحي التركي الأصيل المزيّن بقطع فسيفسائية من أعماق أربعين دولة في الأرض، فيها العربي والإندونيسي والماليزي والباكستاني والهندي وعشرات الأجانب، في مقدمتهم المطران "كابوتشي".. وجدت على متنها "حلف الفضول" حقا، وقلتُ: الحمد لله إن الدنيا ليست أقطارنا المقطورة نحو الغرب بلا دليل المكبّلة بالقيود والسدود والحواجز والجدران الفولاذية، بل هي أوسع من ذلك بكثير. 

إن آمالنا المحاصرة المنهوبة في ديارنا يمكن أن تمتد خارج الأسوار الوهمية وستجد صداها في الدنيا دنيا المسلمين دنيا الغرب ودنيا الشرق حتى من الذين فقدنا الأمل فيهم أو كدنا عادوا من جديد بالرغم من الإمبراطورية الإعلامية الصهيونية المضللة. 

وجدتُ على "مرمرة" بابا واسعا لم أشاهد مثله من قبل، سمّيته "باب الأمل والفرج والحرية"، ليس في الدنيا قوة قادرة على إغلاقه. 

وإن كانت الآلام تعتصرنا من "طنجة" غربا (المغرب) إلى "جاكرتا" شرقا (إندونيسيا) بمعاناة متفاوتة مما نحن فيه فإن في رحم الآلام آمالاً وفرجاً رأيته رأي العين على "مرمرة" في أعالي المتوسط الأبيض الأخضر. 

حال ومقال 

أعدت إنتاج مختلف قراءاتي التي كنت أظنها قطعية تامة، وأحطتها بهالة من القداسة وحكمت عليها بالتوقف وختمتها بالشمع الأحمر، مع أنها الحرة المتجددة الصالحة لكل زمان ومكان، وهي رسالة الله الخاتمة 

كنا نمرّ مرور الكرام في سيرة ابن هشام وغيرها على "حلف الفضول"، وربما لم نجد حاجة لقراءتها إلا هذه المرة.. هل بقي في الأرض من يحيي معنا حلف الفضول؟ استمعت إلى الإجابة من عشرات الناس بعضهم بلسان الحال وبعضهم بلسان المقال. 

يقولون: نحن على استعداد لممارسة رفع الظلم عن المظلومين لو كلفنا حياتنا برضا وفرح.. هذه "راشيل كوري" التي دهستها الجرافات الصهيونية على أرض فلسطين وتلك "سارة" النائب البريطاني، وهذا السويدي الذي يقول: "جئتُ حتى لا أخجل من نفسي إذا نظرت في المرآة، ولئلا يسخر مني أولادي وزوجتي". 

وهذا المطران "كابوتشي" الذي قارب التسعين عاما يكتبها رسالة واضحة، أراد أن يقرأها العالم بعيدا عن الاحتفالات الخادعة في "مونديال تقارب الأديان"؛ ليضع التوقيع الحي المتصل؛ فيشارك "أهل السفينة" صلاة المغرب والعشاء ويبادلونه حبا بحب ويقدمونه خطيبا واعظا لهم بعد الصلاة فيقرأ الآيات التي كتبت حقد اليهود وقرب النصارى من المسلمين، حيث يقول تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]. 

هنا محطة حلف الفضول، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا إلى الحبشة؛ فإن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد»؟ ألم يدفع "النجاشي" مهر "أم حبيبة" أربعمائة دينار؟ ألم تخلع نساء القصر حليهن هدية لأم حبيبة زوج النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بلاد العرب؟ 

يا الله!.. ما الذي استثار "رجب طيب أردوغان"، و"عبدالله جول"، والشعب التركي غير هذا الظلم المتراكم ؟

وأقول: هل يمكن تأسيس هذا الحلف دوليا وإقليميا ومحليا على بعض القيم الإنسانية العليا؟ 

والمبكي المؤلم: هل يمكن أن نؤسس هذا الحلف وطنيا في القضايا العامة؟ وما المانع من ذلك؟ 

وأرانا نحن - المسلمين - نجد في ديننا متسعا لهذه التفاهمات على سعادة أهل الأرض، والتي أعلم أنها لا تكتمل إلا بالدين الخاتم، وسبحان الله الذي قرر في كتابه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، حتى لا يبقى معيق للتفاهم ! 

أرانا أحيانا نلوي أعناق نصوص ديننا ونجعل بيننا وبين الناس حواجز تضفي عليها "قداسة النص"، والنص منها براء، بل والنص يدعو إلى خلافها ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)﴾ [الممتحنة: 8، 9] 

لست معنيا بنوايا هؤلاء الذين قطعوا آلاف الأميال بحراً وبراً وجواً، بل يهمني ما على الأرض بعيداً عن الخطب الرنّانة، فبدلاً من أن يقضوا عطلاتهم في ملاهيهم وشهواتهم هذا نفر منهم صرف الله قلبه لنصرة المظلومين.

ورضي الله عـن "عمر بن الخطاب"، الذي وضع "العهدة العمرية"، وأطلق قانونه: "متى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم أحرارا؟". 

ورضي الله عن "صلاح الدين الأيوبي"، الذى عامل أهل القدس والفرنجة بهذا الحلف وحتى المقاتلين فيهم. 

ورضي الله عن السلطان "محمد الفاتح"، الذي عامل أهل القسطنطينية بهذه الروح أيضا. 

إنها ثقافة وسلوك لا تضيع وستجد لها مكانا . 

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلب ويصرف كيف شاء». 

وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ويزيغ الله قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» رواه النسائي. 

الرابط المختصر :