العنوان في فقه التغيير والتمكين
الكاتب د. عبد الله صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1314
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 25-أغسطس-1998
● تفسير الأحداث والظواهر يكون بمجموع العوامل ولا يجوز الحكم على جانب بعينه أو من خلال عامل واحد.
● لقد خلقت خلوف ينتظرون قدر الله أن يفعل بهم دون أن يسلكوا سبل التغيير وعميت على بعضهم الأنباء فهم يظنون أنه بالأعمال الفردية تتغير أحوال الأمة الجماعية دون مراعاة أن لكل سبيل.
● بعض حركات التغيير في هذه الأمة تكاد تكون كبقية الأمة في التخلف مع أن المفروض أن تكون صفاتها أقرب إلى صفات الأمم الحضارية لأنها صاحبة مشروع حضاري.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137)، ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ، ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (يونس: 13- 14)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (الرعد: 11)، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 53).
يعتبر موضوع التغيير والتمكين من أهم المواضيع التي ينبغي أن يتصدى لها الكتاب ونظر لها المنظرون، ويجتهد في تحليلها وفهمها الدعاة المخلصون، وهي الأولوية رقم (1) في حياة الأمة في هذه الحقبة من الزمن، حيث إن فهم الحياة والسنة والتاريخ هو المفتاح لبدء التغيير الذي يقود للتمكين وبخاصة عندما نرى هذا الحال الذي عليه أمتنا من الهوان والذلة والضعف والانحدار، والآيات التي في مقدمة المقال إنما هي غيض من فيض من كتاب الله سبحانه وتعالى الذي ينبغي أن يكون في قراءته بالإضافة إلى العبادة والآجر فهم الحياة والسنن والتاريخ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29).
والأمة الإسلامية حين كانت تمر في مراحل نهوض ورفعة كانت تنهل من هذا المعين وتأخذ بكتاب الله في جانبي حياتها الدنيوي والأخروي وتعبر الدنيا مرزعة للآخرة وجزءًا من مسيرة الحياة التي هي جزء لا يتجزأ من مسيرة الإنسان إلى الله سبحانه.
ولكن حين نزعت منها الريادة وحرمت من القيادة وتنكبت الطرق وأضحت في عداد الأتباع اضطربت الموازين وساءت الأفهام وانحرفت التفسيرات وعطلت الاجتهادات وتوقفت الحركة في التطور والنمو الذي هو ناموس كوني لاينكره إلا جاهل أو غافل أو عاجز.
وحتى البديهيات والقواعد أصبحت بسبب التراكمات تحتاج إلى إثبات، ولذا لا بد من التفصيل والاستدلال عسى أن تكون هذه المقدمات قاعدة يبني عليها وينتفع بها.
أولًا: الكون المحكم: خلق الله سبحانه وتعالى كل شيء فقدره تقديرًا وهو القائل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49).
وقد خلق الكون والفلك والأرض والناس وأقامهم على أسس وقوانين تشمل جميع مناحي الحياة.. فكما أن هناك قوانين تتحكم في النجوم وحركتها والأرض والفيزياء والكيمياء.. إلخ، هناك أيضًا قوانين لا تتخلف تتحكم في حركة الحياة والتاريخ والمجتمعات والتغيرات في حياة الأمم: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137).
ثانيًا: سنن تاريخية: إن هذه السنن تختلف عن قوانين المادة في أن الأخيرة عاجلة ملاحظة لفرد، أما تلك المتعلقة بالتاريخ والمجتمعات فهي غير ملاحظة للجيل الواحد بل تغيرات تكون في حقب تاريخية وتتعلق بعمر الأمم، ولذا فهي قد تخفي على كثير من الناس في جيل واحد ولكن قد تلاحظ «وهذا يكون عند تعجيل العذاب عند كثرة الفساد وسرعة الانحدار»، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (الكهف: 59).
ثالثًا: سنن اجتماعية: وهذه متعلقة بالمجتمعات وليست بالأفراد وإن كان هناك بعض التداخل قال تعالى في كتابه الكريم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) فالتغيير متعلق بقوم وليس بأفراد متفرقين.
ولما سألت أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث» فكثرة الخبث تعني شيوعه وعمومه ويؤيده حديث «ما شاعت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها» فالشيوع والإعلان بالإضافة إلى عنصر التحدي، الذي يمقته الله سبحانه وتعالى ويعاقب عليه، فيه عنصر العموم والانتشار.
رابعًا: الأحوال المتغيرة: إن الله سبحانه وتعالى كما يبتلي الفرد بالسراء والضراء فإنه كذلك يمتحن الأمم والمجتمعات بالتغيرات، ويأخذها بالسراء والضراء، وهناك مساحات مشتركة بين السنن المتعلقة بالأفراد وتلك المتعلقة بالمجتمعات، ولكن هناك أيضًا سنن متعلقة بالمجتمعات وحدها، وبخاصة المتعلقة بالتغيير والتمكين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ، ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ.... ﴾ (الأعراف: 94- 95) ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 130- 131)، ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (سبأ: 15- 16).
وهذا يفيد في معرفة حقيقة بعض الظواهر مثل رفاهية الأمم الغربية رغم كونها تعيش في الفساد والمعاصي.
خامسًا: تداخل السنن: إن المجتمعات عادة ما تحتوي على خليط من عوامل التغيير وتتبع عدة سنن فيها نسبة من سنن الفناء ونسبة من سنن البقاء والاستمرار، وسنن ضعف وسنن قوة، وتفسير الأحداث والظواهر «وهذا ينبغي أن يكون في كل جوانب الحياة» إنما يكون بمجموع العوامل ولا يجوز الحكم على جانب يعينه أو من خلال عامل واحد: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85).
وما لا يمكن تفسيره بسنة معينة يمكن أن يجد تفسيرًا في سنة أخرى، وهكذا تكون التفسيرات أكثر شمولًا وأكثر دقة، وهذا الفهم يحل كثيرًا من الإشكاليات ويساعد على اتخاذ القرارات ويعين المجتهدين..
فإن الأمة التي تريد التقدم لا تستطيع أن تخطو خطوات حقيقية نحو التغيير إلا إذا أخذت مجموع العوامل في الحسبان ودرست الجوانب المختلفة للمعادلة، وهذه القاعدة لها أهمية كبرى في فهم الحياة وتفسير الظواهر مما يزيل اللبس عن بعض الأحداث التي نراها ولا نجد لها تفسيرًا على قاعدة من القواعد، فمثلًا نجد أن أمريكا فيها من عوامل الزوال الشيء الكثير: فواحش، ربا، زنى، ظلم، عدوان.. إلخ.
وبينما زال الاتحاد السوفييتي بسرعة عندما توافرت فيه عوامل التدمير وجدنا أمريكا أطول عمرًا وأكثر دوامًا والمسالة في غاية البساطة، فهي تفسر أولا أنها تمر في مرحلة من المراحل ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ (الأعراف: 95).
وهو نوع آخر من البلاء، فالله يبتلي بالضراء ويبتلي بالسراء والآن قد نسوا المتغيرات وظنوا أنهم قادرون عليها وفرحوا بما عندهم من العلم: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 44- 45).
وتفسر ثانيًّا بأن الولايات المتحدة رغم توافر عوامل الدمار إلا أنها- والحضارة الغربية بشكل عام- تملك من عوامل الاستمرار والبقاء من العدل «بين رعاياها» والحرية والأمن وهذه وغيرها من العوامل: عوامل دوام وبقاء حتى مع دولة الكفر، كذلك نجد فيها عوامل المحاسبة للمسؤول وإنصاف المظلوم واستقلال القضاء.
سادسًا: تبادل الأدوار: إن الأمم بشكل عام قد أخذت أو ستأخذ دورها في تشكيل الحضارة الإنسانية وبالاستقراء فإنك ستجد أن الأمم بشكل عام قد مر عليها طور تاريخي كان لها دور بارز في المنحى الحضاري وساهمت في بناء الحضارة الإنسانية وأعطيت فرصة للتعبير عن نفسها وأثرت في هذه الحضارة والأمر لا يحتاج إلى دليل بقدر ما يحتاج إلى تذكير بتاريخ الأمم، وكيف أن القيادة والزهو والعلو قد انتقلت بين الأمم الصينية والهندية والفارسية والرومان والإغريق والعرب وغيرها ثم الآن هي عند الأمم الغربية.
لهذا فالحضارة الإنسانية هي كم من التراكمات والإضافات وليست صنيعة أمة بعينها، بل إن الأمم تضيف إلى بعضها ولم تبدأ أمة من الأمم من الصفر بل كانت تضيف إلى ما ورثت من سابقيها.
ثم إن كل حضارة «كل دور حضاري للأمم كان لها من السمت والميزات والصفات ما تميزت به بالإضافة إلى الصفات المشتركة مع الأمم الأخرى، فمثلًا الحضارة الإسلامية تميزت بالتوحيد والعدل والأخلاق والتشريعات الكاملة والانتقال بالبشرية من الجهل إلى طور حضاري، والحضارة الغربية اليوم أهم ما يميزها المادية المطلقة بالإضافة إلى التقدم التكنولوجي واضطراب القيم واختلال الميزان والنفاق مما يؤهلها بحق لأن تكون مقدمات مجئ الدجال والسنين الخداعية التي هي بين يدي الدجال كما أخبرنا الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم «بين يدي الدجال سنون خداعة يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويخون فيها الأمين».
وهنا لا بد من إشارة إلى أن الأمة الإسلامية كان لها أكثر من دور في قيادة البشرية، وكان لها أكثر من مرحلة من مراحل الحضارة الإنسانية، والسبب في ذلك أن الأمة الإسلامية متعددة الأجناس والشعوب، فلذلك كان أثرها ودورها متعدد المراحل فهي كذلك مرشحة ومؤهلة لأدوار أخرى بسبب طبيعة الإسلام ووجود القرآن تصديقًا بالوحي وإيمانا بوعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 33).
سابعًا: سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا: سنن الله غلابة وهي مطردة وسنته في التاريخ لا تحابي ولا تجامل، وهي تتكرر في الأدوار التاريخية وما أشبه الليلة بالبارحة:
﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر: 85)، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: 43).
ومن هنا فإن الأمم التي تفهم الحياة وتستفيد من التاريخ هي الأمم التي تتعامل مع السنن ومع القوانين لتستعملها وتستفيد منها، وهذه صفة من صفات الأمم الحضارية «حتى ولو كانت كافرة» ويكفي أن تعرف أن يهود قد أقامت مؤتمرًا كاملًا عنوانه «ظاهرة صلاح الدين أسبابها وكيف يمكن منعها» والله سبحانه يجزي كل أحد ومنهم اليهود في الدنيا حسب سننها ليس حبًا ولا تفضيلًا ولكن كما قال سبحانه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18)، لقد خلفت خلوف ينتظرون قدر الله أن يفعل بهم دون أن يسلكوا سبل التغيير وعميت على بعضهم الأنباء فهم يظنون أنه بالأعمال الفردية تتغير أحوال الأمة الجماعية دون مراعاة أن لكل سبيل، ورحم الله شيخنا حين كان يعلمنا أن الله مجيب الدعاء ولكن لا تتغير أحوال الأمة بالدعاء وكان يقول لا يستجاب الدعاء فيما يتعلق بالأمة عامة وله سبيل للوصول إليه بالأسباب فلا تقوم دولة الإسلام بمجرد الدعاء ولا تتحرر فلسطين بمجرد الدعاء مع أن الدعاء جزء من المعركة وسبيل من السبل الموصلة إلى الغايات الجماعية، وإلا ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعًا وعشرين غزوة، ولا أرسل بضعًا وثلاثين سرية، ولا بقي في مكة ثلاثة عشرة سنة يدعو ويتصل ويعرض نفسه على القبائل ويصل الليل بالنهار.
إن الأمم المتخلفة تعزو قصورها دائمًا إلى الغيبيات وتحتج بالقدر، وما علمت أن الله قد رد على الكافرين هذه الحجة: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: 148).
إن العبادات الفردية وسيلة للثبات ولتنزيل الرحمات، ولكن مع الأخذ بأسباب النصر والمواجهة.
ثامنًا: أفضل العبادة: لقد أشار ابن القيم- رحمه الله- إلى قضية مهمة في فهم الدين والحياة حين تحدث عن أفضل الأعمال، فبين أنها عبادة الوقت ويعني أنها ليست عبادة بذاتها هي الأفضل في كل الأحوال ولكن في وقت ما في ظرف ما في مكان ما تكون العبادة المطلوبة لذلك الحال والزمان هي أفضل العمل وأقربه إلى الله فوقت صلاة الفرض يكون أفضل العمل صلاة الفرض، ووقت الاستغفار الاستغفار، ووقت العلم تعلمه، ووقت الجهاد لا يعني الذكر في المساجد ولا تعلم العلم، ووقت إنكار المنكر إنكاره وهكذا، فهو متغير بتغير المطلوب والحال حسب مصلحة الدين ومصلحة الأمة، ولهذا نجد أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما طالب الحواريين بالنصرة قال ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 52 ) ولم يقل: من أنصار الله مع أن الجواب كان واضحًا نحن أنصار الله، لأن نصرة الله كانت وقت عيسى عليه الصلاة والسلام تقتضي نصرة عيسى عليه السلام وليس لها باب آخر.
والمثال نفسه في سيرة سيد الأولين والآخرين النبي الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- قبل فتح مكة حين كان المجتمع المسلم بحاجة إلى التأييد والنصر وكان أفضل العمل بعد الإسلام هو الهجرة ولم يكن يعفي المسلم إسلامه إذا لم يهاجر ويناصر المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ (الأنفال: 72).
تاسعًا: الكل مسؤول ولا عذر للمظلوم: للحاكم دور وللمحكومة أدوار، والظالم مسؤول والمظلوم غير معذور، والفرد يؤثر في الجماعة بناء وهدمًا والجماعة تؤثر في الفد بيئة وجوًا عامًا، «أنت على ثغرة من ثغرة الإسلام فلا يؤتين من قبلك» «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
لم يفرق القرآن في الجريمة بين الظالمين والمظلومين وبين أنهم شركاء في الإثم والمصير: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سبأ: 31- 33)، ولاحظ الازدراء في استعمال ضمير الغائب في «يجزون».
هذه المسألة عميت على كثير من الشعوب فأصبحت تلقي اللوم على أمريكا والغرب وأضحت تلوم حكامها ومسؤوليها ونسيت أنها هي التي تضع الأغلال في أعناقها.
إن دور أمريكا في الفساد والإفساد والظلم والعدوان والكيد لا ينكر، وكذلك دور بعض الحكام في تخلف شعوبهم وفساد اقتصادهم وسلب إرادتهم وضياع هيبتهم لا يتحاج إلى ثبات ولكن ما دور الشعوب؟؟
نعم ما كان فرعون ليفرعن لو وجد من ينهره وينهاه ورحم الله سيد قطب حين قال ذلك وبين أن هذه الفراعنة لا تفعل ما تفعل لو كانت تحترم نفسها، لكنها سنة الله في الأمة الإسلامية حين:
1- تحرص على الحياة «يلقي في قلوبكم الوهن».
2- تفسق عن أمر ربها: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54).
3- بأسهم بينهم شديد: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (الأنعام: 65).
4- تستمرئ الذنوب وتكثر منها: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ (العنكبوت: 40).
5- لا تنكر المنكر ولا تنهي عن السوء ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 116)
6- ضعيفة الهمة قليلة الصبر ولا تريد التضحية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
7- تبطر وتضيع النعم لا تقوم بشكرها على الوجه الصحيح: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (إبراهيم: 28).
8- تخالف سنة رسولها صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63).
9- تتبع الظالمين وما يضعونه من مناهج مخالفة لأمر ربها: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (هود: 97).
10- تركن إلى الظالمين: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (هود: 113).
11- تتخلف عن الجهاد: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (محمد 22).
إلى غير ذلك من الصفات التي تجعلها منهبًا لكل طامع ومرتعًا لإفساد المفسدين ومجالًا للتسلط،﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (يونس: 44).
عاشرًا: صفات الأمم الحضارية: وأحب أن ألقي الضوء على صفات بعض الأمم الحضارية، وكذلك صفات الأمم المتخلفة مع العلم والتأكيد أن المسألة ليست «أبيض وأسود» ولكن هناك تداخلًا وتدرجًا وزيادة ونقصًا بنسب متفاوتة.
والأمة نفسها قد تتفاوت فيها هذه الصفات من مرحلة إلى مرحلة ومن طور إلى طور وأفضل أن أعرض الأمر بما يخص الأمة الإسلامية حين كانت في مستوى حضاري رفيع:
1- الأمة الحضارية: تميل إلى العزة والإباء وترفض الظلم والمهانة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8).
2- ترفض التبعية وتحرص على الريادة.
3- لا تخضع للطغاة ولا تسمح للمفسدين بالتلاعب بمصيرها.
4- تعتمد على نفسها وتأكل من أرضها.
5- إبداعية خلاقة مجددة.
6- تفهم السنن فتتبع سبل التمكين.
7- تلتزم بشرع الله كما هو في الكتاب والسنة.
8- تغتنم الفرص.
9- عندها شيء من المغامرة المدروسة والجرأة المحقوقة بنسبة من المغامرة المقدرة لأنها تعلم أن أمور الدنيا لا تصفو مائة بالمائة، وتعلم أن القفزات النعية لا تأتي إلا بالقرارات الجريئة.
10- تحاسب المسؤول وتأخذ على يد الظالم.
11- تعشق الحرية وتعتبر الأمن أساسًا من أسس حياتها وتحافظ على حقوقها.
12- تنسب الإنجاز إلى الأمة.
والغريب في ذلك هو أن تجد بعض حركات التغيير في هذه الأمة تكاد تكون كبقية الأمة في التخلف مع أن المفروض أن تكون صفاتها أقرب إلى صفات الأمم الحضارية لأنها صاحبة مشروع حضاري.
إن الإنجازات التي تحقق بالصحوة والعمل الإسلامي لا يستهان بها ولا تنكر، ولكن إن اكتفينا بالتغني بها دون إتمام المسيرة ودون إكمال البناء فإن كل شيء معرض للضياع وستصبح الوسائل غايات، إن لم نحث الخطى مسرعين نحو البناء الحضاري الشامل لخير أمة أخرجت للناس، وليسعد الناس بالإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 1402
67
الثلاثاء 30-مايو-2000