العنوان حروب اليمن 1994م (3 من 5) حرب تحت مظلة دولة الوحدة
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1995
مشاهدات 71
نشر في العدد 1161
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 08-أغسطس-1995
فشل الاشتراكيين في «أبين» و«شبوه» أربك مخططهم للسيطرة على المحافظات الجنوبية والشرقية
تختلف الحرب الأهلية في اليمن «عام 1994م» عما سبقها من حروب في أمور كثيرة، فهذه الحرب الأخيرة لم تكن بين دولتين منفصلتين، بل جرت أحداثها في إطار دولة واحدة، وإن كانت القوتان الرئيستان تملكان جيشين، كل منهما قائم بذاته.
وعلى العكس من الحروب السابقة، التي كانت عبارة عن اشتباكات حدودية أو مقتصرة على مناطق الحدود، فقد انفجرت الحرب الأخيرة بصورة شاملة، واستخدمت فيها كل أنواع الأسلحة، بما فيها صواريخ «اسكود» المدمرة.
كانت الطريقة التي تم بها توحيد شطري اليمن في مايو 1990م محكومة بحسابات محلية ودولية رأت ضرورة ألا تتم الوحدة اليمنية على الطريقة الألمانية، بحيث يذوب النظام الشيوعي المنهار في النظام الآخر؛ إذ إن تطبيق ذلك الأسلوب في اليمن كان يعني ازدياد قوة التيار الإسلامي الصاعد في الشمال، بينما كان الأسلوب الذي اتبع يهدف إلى تقوية التيارات العلمانية واليسارية بعضها ببعض، وعزل الإسلاميين، والحد من فرصتهم في الاستفادة من وراثة الشيوعيين بعد تلاشي نظامهم في الجنوب!
وعندما تم توحيد اليمنين كان الشيوعيون قد اتخذوا احتياطات حقيقية لضمان نفوذهم ووجودهم في السلطة، فاشترطوا أن يكون لحزبهم نسبة النصف 50 % في كل تكوينات الدولة ومناصبها الرئيسية إلى درجة مدراء عموم الوزارات، فيما أبقوا سيطرتهم الكاملة على جيشهم وشرطتهم والمحافظات الجنوبية والشرقية باستثناء مواقع بسيطة ظلت بدون نفوذ حقيقي.
والحق أن أحدًا لا يدري ماذا دار في اللقاءات الانفرادية بين الرئيس علي عبد الله صالح وشريكه السابق علي سالم البيض أثناء فترة التمهيد للوحدة، فهاجس البقاء والاستمرار كان يستوطن تفكير الزعماء الاشتراكيين، الذين كانوا يعلمون أن ذلك الأمر لن يكون عبر الانتخابات والإرادة الشعبية، بل سيكون عبر اتفاق سياسي ما مع الرئيس علي صالح.
وتحسبًا لمفاجآت المستقبل كان ذلك الإصرار على عدم دمج الجيشين وإبقاء الدولة السابقة في قبضة الحزب الاشتراكي إلى اليوم الموعود، عندما يتيقن الاشتراكيون أن ساعة رحيلهم عن السلطة أو العد التنازلي لانتقالهم إلى المعارضة قد بدأ.
وخلال ثلاث سنوات من الفترة الانتقالية، فشلت كل جهود الرئيس اليمني ونائبه في توحيد حزبيهما في كيان تنظيمي واحد؛ لأسباب متعددة ليس هنا مجال بسطها، ولذلك شارك الحزبان في الانتخابات النيابية كل على حدة، ومن يومها بدأ عنكبوت الحرب ينسج أولى خيوطها.
أسفرت الانتخابات اليمنية في 27 أبريل 1993م عن هزيمة ساحقة للاشتراكيين كانت نذيرًا لهم، وضوءًا أحمر أشعل النيران في الهاجس الكبير الذي ظل يؤرقهم منذ الوحدة.
ورغم أن الاشتراكيين أعلنوا قبولهم لنتائج الانتخابات، ووقع «البيض» مع زعيمي المؤتمر والإصلاح اتفاقًا على التنازل عن الطعون الانتخابية، التي قدمها كل طرف ضد الآخر تمهيدًا لتشكيل ائتلاف ثلاثي لحكم اليمن، رغم كل ذلك إلا أن النيات العدوانية للتمرد على نتائج الانتخابات، وجوهر اللعبة الديمقراطية كانت مبيتة منذ ذلك الوقت، فليس من المعقول أن الأزمة السياسية الحادة التي بدأت بعودة البيض من أمريكا كانت نتاج فكرة فردية طارئة تبلورت في ذهن الرجل فجأة؛ ليعود إلى عدن، ويفجر أخطر أزمة انتهت بحرب دامية لم تعرفها اليمن من قبل.
اختبار قوة:
توالت الأحداث منذ انفجار الأزمة السياسية، وتمكن الاشتراكيون من توجيه دفة التطورات لصالحهم؛ حتى تمكنوا من إقناع كثيرين أن الهدف هو إصلاح أحوال اليمن المالية والإدارية، وتعميق الممارسة الديمقراطية وبسط اللامركزية، إلى آخر الشعارات التي لوحوا بها لقطاعات كثيرة من المجتمع اليمني، فكسبوا تعاطفها، فيما كان الحزب الاشتراكي يعد صفوفه؛ لتنفيذ خطته في العودة إلى الانفراد بالسلطة في الجنوب تحت مسميات اللامركزية، ثم الفيدرالية، فالكونفدرالية قبل أن يكشف ورقته الأخيرة بإعلان الانفصال.
وفي 20 فبراير 1994م وقع ممثلو الأحزاب اليمنية وثيقة العهد، والاتفاق التي كان اليمنيون يعدونها خاتمة أزمة طويلة، لكن الوثيقة والتوقيع عليها كان يتعارض مع مخطط الحزب الاشتراكي، الذي كان هدفه الأول والأخير الانفراد بالسلطة في الجنوب من جديد، وفرض واقع جديد بالاعتماد على القوة المسلحة.
الجدير بالذكر هنا، أن شريكي الوحدة عام 1990م اتفقوا حينها على نقل وحدات عسكرية بالتبادل في مواقع محددة، فنقل الاشتراكيون عددًا من الألوية إلى مناطق مثل «ذمار» و«عمران» و«خولان» و«يريم»، إضافة إلى وحدات صغيرة من الحرس الجمهوري والشرطة العسكرية، أما الطرف الآخر فقد نقل لواء العمالقة إلى «أبين» ولواء مدرعات في «الراحة»، إضافة إلى بعض وحدات الشرطة العسكرية والأمن المركزي.
ويلاحظ من خلال تأمل مواقع تلك القوات أن الاشتراكيين تمركزت قواتهم في منطقتين من أخطر مناطق مفاصل الحركة داخل المناطق الشمالية، وتألفت من لواء «باصهيب» واللواء الثالث المدرع في كل من «ذمار» و«عمران». بينما كان اللواء المدرع الثاني التابع للرئيس علي عبد الله صالح في منطقة «الراحة»، وهي منطقة جبلية محصورة في أكثر المناطق ولاء للحزب الاشتراكي، بينما كان لواء «العمالقة» في منطقة إستراتيجية بالنسبة لمفهوم الوحدة اليمنية، لكنه كان مقطوع الصلة بقيادته الخلفية.
كان وجود قوات «العمالقة» في أبين يمثل أكبر عقبة أمام إعادة تشطير اليمن، فموقعه يمكنه من فصل المناطق الجنوبية والشرقية ذاتها إلى قسمين منفصلين، ولذلك كان التخلص من هذه العقبة أو تحجيمها هو أهم هدف فكر فيه الاشتراكيون.
وفي اليوم الذي كان يتم فيه التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق في العاصمة الأردنية كانت قوات ضخمة تتحرك من «عدن» و«حضر موت» باتجاه لواء العمالقة للإحاطة به من كل جانب؛ ترقبًا لأية تطورات جديدة.
كانت تلك التحركات تطورا في مسلسل الأزمة السياسية، لكن عوامل جديدة فاجأت القيادة الاشتراكية، وهي ترى فشل أول اختبار لها، فأحد هذه العوامل هو وجود شخصية قيادية ديناميكية على رأس العمالقة استطاعت كسب قلوب المواطنين في تلك المناطق، وتجهيز القوات على مستوى رائع من الاستعداد والحماس واليقظة والمبادرة؛ لإفشال أية تحركات مضادة، وبالفعل تمكن العمالقة من إيقاف تقدم قوات لواء اشتراكي قادم من «عدن»، وتدمير طلائع اللواء الذي دخل في اشتباك مقهور مع العمالقة.
وفي الجهة الغربية من «أبين» كانت قوات لواء الوحدة تتقدم من حضرموت لإكمال حصار العمالقة، قبل أن يفاجئها المواطنون في منطقة «موديا»، الذين تصدوا للواء ذي السمعة السيئة في المنطقة منذ كارثة يناير 1986م، وأوقفوا حركته لحين وصول قوات العمالقة من أماكن تجمعها، كانت تلك المنطقة معروفة بولائها للتيار الإسلامي، واستطاع أفراد هذا التيار بأسلحتهم الشخصية وفدائيتهم من إيقاف تقدم القوات الاشتراكية، بل وحصار بعض وحداتها وإجبارهم على التراجع إلى خارج حدود المحافظة.
أخمدت أحداث «أبين» موجات التفاؤل، التي أطلقها لقاء «عمان»، لكن دقت ناقوس الخطر أمام مخطط الحزب الاشتراكي، وكشفت عيوب قواته.
وفي رابع أيام عيد الفطر قبل الماضي، كانت محاولة أخرى تجري في «شبوة» لجس النبض، ومحاولة إحلال قيادة جديدة للمحافظة بديلًا من تلك الموالية لصنعاء، ومن جديد أفشل المواطنون في تلك المنطقة محاولات الاشتراكيين الذين يكنون لهم ذكريات مريرة منذ عهد التطبيقات الشيوعية.
شكل فشل الاشتراكيين في «أبين» و«شبوة» هزة مربكة للمخطط الرامي؛ للوصاية على المحافظات الجنوبية والشرقية؛ إذ تولى المواطنون في تلك المناطق مهمة التصدي، وإفشال أية محاولة للتشطير.
ويبدو أن الاشتراكيين قد شعروا بعد فشلهم الأولي بحاجتهم لقواتهم المتواجدة في قلب المناطق الشمالية، وخاصة أنها كانت تضم عددًا من أقوى وحداتهم المجربة والمدربة، ولذلك بدأ الاشتراكيون يطالبون بإعادة القوات المسلحة إلى مواقعها السابقة قبل الوحدة تجنبا لإراقة الدماء، لكن الحقيقة أنهم كانوا يحتاجون لها لتنفيذ مخططهم وفرض التشطير.
وفي المقابل كانت صنعاء تعرف سر الحرص المفاجئ على الدماء اليمنية، الذي برز في حديث الاشتراكيين، وكانت تعلم أن سحب القوات معناه الطلقة قبل الأخيرة في جسد الوحدة.
ولذلك رفضت صنعاء أي سحب للقوات، ومنعت بالقوة محاولة بعض الوحدات التسلل إلى المناطق الجنوبية.
وفي تلك الأثناء كانت وسائل الإعلام التي يسيطر عليها كل طرف وحلفاؤه قد أشعلت معارك إعلامية حادة لم يسبق لها مثيل، وبدأ ظهور نقاط تفتيش جديدة بين المناطق الجنوبية والشمالية، إضافة إلى استمرار وصول تعزيزات عسكرية لكل وحدة عسكرية في مناطق التماس.
وقبل الوصول إلى معركة «عمران» الدامية التي حسمت خيار الحرب، كانت هناك معركة أخرى في أحد المعسكرات التابعة للقوات، التي كانت موالية للرئيس السابق علي ناصر محمد حيث انقسمت على نفسها في مواجهة الأزمة لكن المواليين للرئيس علي صالح حسموا الموقف لصالحهم، وكانت هزيمة ثالثة للاشتراكيين.
عمران.. بداية النهاية
ساد التوتر كافة المناطق اليمنية، فيما بدا أن الأزمة وصلت إلى هاوية منحدر مجهول العواقب، لكن هذه المرة كانت أكثر دموية وجراحًا.
وبعد هدوء واضح في الحملات المتبادلة بين علي صالح والبيض فاجأ البيض اليمنيين بحديث عدواني يوم الثلاثاء 26/4/1994م تلاه رد سريع من الرئيس اليمني في اليوم التالي الأربعاء 27 أبريل.
وهناك في عمران شمالي صنعاء كانت لجنة عسكرية مشتركة - تضم الملحقين العسكريين الأمريكي والفرنسي- تزور معسكرًا مشتركًا للواء الثالث - مدرع اشتراكي، واللواء الأول مدرع موال للرئيس في محاولة لنزع فتيل التوتر، لكن الموقف انفجر في الثانية ظهرًا بصورة بشعة.
كان الاشتراكيون يطالبون بفصل لوائهم عن اللواء الأول، فيما استطاع مؤيدون لهم حشد مجاميع من رجال القبائل لدعمهم عند حدوث آية مواجهة.
وعندما انفجر الموقف تمكن الاشتراكيون من السيطرة على الموقف في الساعات الست الأولى بعد أن أخذوا المبادرة بالهجوم، وتوجيه الضربة الأولى، لكن وصول تعزيزات قوية من صنعاء، وصمود ما تبقى من اللواء الأول - مدرع قلب الموقف رأسًا على عقب، والذي استمر مشتعلًا حتى صباح اليوم الثاني، عندما انقشع الغبار عن مأساة دامية خلفت مئات الضحايا وأكثر من 150 دبابة تحطمت في جنون أحمق.
انتهت معركة عمران، لكنها نسفت كل الآمال في حل الأزمة سلميًّا، وبدأ كل طرف يعد نفسه الساعة الصفر المتوقعة في أية لحظة، فيما أعلن الوسطاء العرب فشلهم في حل الأزمة.
وبدأت غيوم الحرب تتجمع في سماء اليمن، منذرة بحرب دامية لا يعرف أحد عواقبها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل