العنوان في الساحة الإسلامية... إيران في الطريق إلى انقلاب عكسي
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1984
مشاهدات 84
نشر في العدد 666
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 10-أبريل-1984
- الانتخابات الإيرانية القادمة لن تمنح المعارضة نفوذًا في مجلس شورى الحكم.
- النظام لا يحمي نفسه بالبرلمان وإنما بمراكز القوى الدينية وبالحرس الثوي والجيش.
هكذا قال حسين منتظري الذي يعتبر رجل الدين الأول بعد الخميني في إيران... ترى هل هي مقولة انتخابية من المقولات التي تسبق الانتخابات عادة؟ أم أنها حقيقة تصف واقعًا تعيشه إيران؟ أم أنها لا هذا ولا ذاك. وإنما هي مقولة تعبر عن صوت معارض من داخل النظام يستهدف هز المعادلة السياسية التي تحكم بها إيران ولاسيما أن الشعوب الإيرانية مقبلة على يوم انتخابي ساخن!
كثير من المراقبين يطرحون السؤال الآتي:
* هل ستحافظ الانتخابات البرلمانية «مجلس شورى الحكم» على استمرار المعادلة السياسية الداخلية للحكم الإيراني؟
إن معظم هؤلاء المراقبين يعتقدون أن المعادلة السياسية القائمة حاليًا في إيران يمكن أن تهتز إذا سقط ركن أساسي فيها أو غاب لسبب ما... أما انتخابات البرلمان القادمة فلا يتوقع لها أن تحدث تغييرًا ما طالما أن الثوابت التي تحمي المعادلة السياسية مازالت موجودة. ووجودها له أكبر الأثر في توجه الناخب الإيراني الذي سيكون صوته مأسورًا لأحد الأمور الثلاثة التي تحمي المعادلة السياسية القائمة وهي:
1- نفوذ رجال الدين في الأوساط الشعبية وبخاصة في المدن الرئيسة من إيران. فلهؤلاء- ومعظمهم متوجه بتوجه خميني- أثر نفسي كبير في شخص الناخب وتوجهه حيث سيدلي بأصواتهم هم... بينما سيكون صوته الذاتي مضمحلًا... بل غائبًا أمام قناعاتهم. وهذا سيضمن بالتالي حماية سياسية للمعادلة القائمة ويكسبها نوعًا من الاستمرار.
2- الحرس الثوري. ولا ينكر أحد دوره في منح المعادلة السياسية القائمة وأصحابها حماية أمنية إلى جانب الحماية السياسية وإذا كان دوره لن يكون كدور رجال الدين في توجيه الناخب، فإنه يظل القوة الأمنية لأركان النظام القائم بما يمتلك أفراده من سلطات استثنائية في إيران.
3- الجيش... وعلى الرغم من أن كثيرًا من ضباط الجيش لا يوثق بهم في إيران بحماية النظام، فإن كبار رجال الدين يعولون على بعض قادة القوى العسكرية لحماية أنفسهم من أي تطوع يفاجئ السياسة الداخلية في إيران... ويقول مراقبون في إحدى العواصم العربية.. إن رجال السلطة الدينية يتنافسون وبسرعة مذهلة على الاتصال ببعض القيادات العسكرية واستمالتها إلى جانبها وذلك لتأمين استمراريتها ضمن المعادلة القائمة. وبالتالي فإن جزءًا من الجيش سيكون مشغولًا بحماية نفوذ هذا أو ذاك من رجال الدين الإيرانيين.. وإذا كان الجيش لا يتدخل بشكل مباشر في عملية الانتخابات. فإن تأييد كبار ضباطه لرجال الدين سيعطي توجيهًا معينًا للناخب يتناسب مع توجهات رجال الدين أنفسهم.. ومن أجل هذا فإن كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن برلمانا أو مجلسًا للشورى في إيران لابد وأن يأتي مشابهًا في كثير من الجوانب للمجلس السابق.. حيث لا يخشى من تشكل نفوذ معارض داخل المجلس الجديد... وفي حال تسرب بعض رموز المعارضة عبر الانتخابات القادمة فلن يتعدى ذلك الرمزية فقط وقد تكون هذه الحالات مما يندرج في باب «المعارضة المستأنسة!!». وهذا يعني أنه لن تكون هنالك معارضة برلمانية حقيقية في إيران ليبقى البرلمان بعيدًا عن كل إمكانية للتغيير. وهنا يطرح سؤال نفسه.. هل توجد معارضة أخرى خارج البرلمان؟
يجيب معظم المراقبين للأوضاع الإيرانية «نعم».. هناك معارضة... ولها أشكال. ويقسم بعضهم أشكال المعارضة إلى قسمين رئيسيين:
* معارضة من خارج الحكم... وتتمثل في الأحزاب التي كانت سائدة أيام الشاه مثل حزب تودة الشيوعي والذي تمت تصفية عناصره في الداخل... ومثله حزب مجاهدي خلق الذي يوصف بأنه يساري إسلامي... والمجموعة المسماة بـ تحالف «قوم الله» وهي مجموعة متحالفة من عدد من الأحزاب الصغيرة.. وغالب أعضائها من الأكراد الماركسيين الماويين واللينيين... ثم الحزب الديمقراطي الكردي وهو أقوى حزب معارض بين الأقليات العرقية في إيران... وإلى جانبه الحزب الوطني الكردي الذي يرأسه أحد رجال الدين الأكراد وهو الشيخ «عز الدين الحسيني».
* ولقد تمكنت حكومة الخميني من تصفية هذه الأحزاب جميعًا في فترات متعاقبة وكان آخر من صفاهم الحزب الجمهوري أنصار حزب تودة الشيوعي في الصيف الماضي.
* معارضة من داخل الحكم... وهي قسمان... معارضة دينية يمثلها بعض رجال الدين المشاركين في الحكم الحالي وهي المعارضة الخطرة... ولا يتوقع لها أن تفعل شيئًا يؤثر على معادلة الحكم الحالي طالما أن الخميني موجود... ويميل معظم المراقبين إلى الاعتقاد أن شخصيات هذا القسم تحاول تقوية نفوذها في الداخل بحيث تتمكن من الانتصار إذا خاضت صراعها مع مراكز القوى الأخرى بعد موت الخميني.
... القسم الثاني... المعارضة السياسية... وتتمثل ببعض الشخصيات السياسية المتنافسة مع رجال الدين على تسيير الأمور في البلاد.. وهي معارضة لا تملك تغيير النظام بعد الخميني.
وإذا صح تقسيم بعض المراقبين لمراكز القوى في الحكم الإيراني إلى أجنحة.. فإن أخطرها على المعادلة السياسية السائدة جناحان:
الأول: جناح منتظري:
على الرغم من أن منتظري في عرف الإيرانيين هو الأكثر شعبية بعد الخميني... وعلى الرغم من أن الرجل هو زوج أخت الخميني... وعلى الرغم من كثرة مواقفه المساندة لسياسة الخميني وأنصاره.. فإن منتظري اليوم- كما يؤكد المراقبون- يختلف عما كان عليه بالأمس وذلك بسبب مستجدات الظروف في إيران.... حتى إن منتظري يوصف اليوم عند بعض الدوائر بأنه زعيم غير رسمي لتيار المعارضة الذي يتنامى في مواجهة الشكل الفردي للحكم.
يقول مراقبون صحافيون في جدة ولندن:
في يناير الماضي وفي الذكرى الخامسة لانطلاقة الثورة الإيرانية، أحدث منتظري- الذي كان يشار إليه في الصحف بأنه رفيق الإمام- زلزالًا في إيران حين قال في خطبته الموجهة من راديو طهران: «لقد عانينا في السنوات الخمس الماضية عنفًا رهيبًا دمر مبادئنا ومزق شمل عائلاتنا باسم الإسلام...
* إن إيران في طريقها إلى انقلاب عسكري تتم خلاله تصفية الخدم الحقيقيين للشعب واستبدالهم بسفاحين باسم الإسلام. إن الكثيرين منا لا يرون في هذا الإسلام النموذج الحق للحياة الإسلامية».
وما كان يمر يوم على الخطاب حتى كانت إيران- كما يصف مراقبون- تلهج كلها باسم منتظري- وتتحدث عن خطابه القنبلة. وظل صوته المسجل يذاع عشرات المرات على الآلاف المؤلفة في المساجد والمقاهي والأسواق. ولعل هذه الضجة حدثت لأن الذي يتكلم هذه المرة ركن من أركان الثورة وليس أحد المعارضين من الأعداء المباشرين... لكن الذي حدث أن الخميني لم يتمالك نفسه.
* فظهر بعد فترة وجيزة على شاشة التلفزيون ليهاجم- دون تسمية منتظري- أولئك الذين ينتقدون منجزات الثورة قائلًا: «إن الذين يستخدمون عبارات قاسية ضد الثورة وأبنائها يقفون جنبًا إلى جنب مع أولئك الذين يسعون إلى القضاء على الإسلام من على وجه الأرض».
* وعاد منتظري ليخطب ثانية في إذاعة طهران.. ثم بدأ بعد أسبوعين يعدد مطالب جديدة وصلت إلى المطالبة بإلغاء ما يصر الخميني على ضرورة بقائه مثل مسألة «الاختبارات الفقهية» التي يقسم على أساسها التعيين في الوظائف... لكن الخميني يرد ثانية مؤكدًا إصراره على سياسته في كل شيء ودون أن يسمي منتظري صراحة.
* ويبدو أن منتظري يعارض أساسيات كثيرة من سياسة الحكم القائم... فله موقف من الحرب مع العراق يطالب فيه الحكم الإيراني بإيقاف هذه الحرب، وقد تصاعدت لهجة منتظري بمطالبته عندما أعلن الخميني عن حاجته لتجنيد مليون شاب من أجل غزو العراق باتجاه العاصمة بغداد!!!
* وعلى المستوى الداخلي يعلن منتظري في كل مناسبة رغبته في عدم تدخل رجال الدين في إدارات الدولة، وهذا هو عكس توجه الخميني المصر على إدخال رجال الدين في كل شيء وإلى جانب هذه المواقف يحظى حسين منتظري بتأييد بعض القادة العسكريين ومنهم العقيد صياد شيرازي قائد القوة البرية الذي يؤيد ترشيح منتظري لخلافة الخميني حيث تعارض بعض مراكز القوى ذلك.
إن هذا الدور الذي يلعبه منتظري سيكون مؤثرًا على السياسة الداخلية إذا استمر... لكن يجب الحذر من احتمال أن يكون حسين منتظري يلعب دور امتصاص وتنفيس داخلي رسمه له الخميني نفسه لثقته بولائه!!!
الثاني: رافسنجاني:
يشير المتتبعون للأوضاع الإيرانية إلى استعدادات محمومة لدى كل جناح للانقضاض على الجناح الآخر في الوقت المناسب وذلك للاستحواذ على السلطة. ويرجح هؤلاء أن يتم هذا بعد عصر الخميني. وتتوفر معلومات مؤكدة من أن أحد هذه التيارات قد رتب علاقاته مع مجموعات من الضباط من خلال عناصر تتخذ من اسم الحرس الثوري غطاء لتواجدها معها في مقرات العمليات العسكرية بغية الاستفادة منها في الوقت المناسب.
وتعتبر المعلومات التي نقلتها مصادر إيرانية وثيقة الاطلاع إلى الخارج بأن هاشمي رافسنجاني «رئيس البرلمان» وأعوانه داخل السلطة ينشطون باتجاه إقامة تنظيم مسلح ترتبط خيوطه ببعض التشكيلات في الجيش والحرس الثوري.
وتقول هذه المصادر أن مهمة التنظيم المسلح في الوقت الحاضر ستقتصر على تنفيذ عمليات تصفية للخصوم داخل السطلة وإلقاء تبعات تلك العمليات على عاتق قوى المعارضة. ثم يتحول تدريجيًّا إلى جهاز عسكري يتولى مهمة الاستيلاء على السلطة بعد مقاومة مراكز القوى الطامعة بوراثة الخميني بعد موته.
الثالث- الحجتية:
وهي حركة دينية شاركت في الثورة على الشاه وتختلف عن الحزب الجمهوري الذي يعتبر حزب الخميني بشأن موضوع ولاية الفقيه حيث لا تؤيد أن يحتل الخميني هذا الموقع.
وتنشط الحجتية في ترسيخ أفكارها في المجتمع الإيراني وتعزيز نهجها الفكري وتعمل على أن يتخذ هذا النهج شكل تيار معارض قادر على التأثير في الأوساط الاجتماعية. ويشير بعض المراقبين إلى أن الخميني ومؤيديه يرغبون في التخلص من مشاركة هذه الفئة بالحكم.
وقد استقال وزراء «الحجتية» من وزارة موسوي في 31 يوليو الماضي 1983م.
وقد نقلت أخبار موثوقة أن الخلاف بين وجهة نظر الحجتية ووجهة نظر الخميني ارتقى إلى صدام بالسلاح بين أنصار الطرفين. حيث كانت الحجتية تطرح أفكارًا سياسية واقتصادية تتعارض وسياسة الخميني. كما انتقدت توزيع الخبز بالحصص على الشعب الإيراني.
(يتبع في العدد القادم)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل