العنوان اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل ميثاق الاسرة في الله الإسلام الواجبات والحقوق بين الزوجين عقد الزواج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 04-سبتمبر-2010
مشاهدات 65
نشر في العدد 1918
نشر في الصفحة 62
السبت 04-سبتمبر-2010
- حددت الشريعة الإسلامية معايير للزواج الناجح.. منها: التدين الصحيح والخلق الكريم والمنشأ الطيب
- .. وأيضا: مراعاة التكافؤ في السن والثقافة والبيئة الاجتماعية وخلو الزوجين من الأمراض المعدية أو الوراثية الخطيرة
- تجري على الزواج الأحكام الشرعية الخمسة: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم
- .. ويعد الزواج واجبا على من يخشى على نفسه الفتنة مع قدرته على تحمل أعبائه المادية
- من شروط صحة الزواج أن يباشر العقد ولي الزوجة.. ويجوز لمن سبق لها الزواج أن تتولى العقد بنفسها
- .. كما يشترط أن يتم عقد الزواج بحضور شاهدين.. ويندب الإعلان عن الزواج بإقامة وليمة احتفالا به
- تنهى الشريعة عن التشدد في المسائل المادية التي تحيل الزواج إلى مساومة تهبط بمنزلة المرأة وبقيمة العلاقة الزوجية
- .. ويجوز للزوجة أن تشترط على زوجها ما تراه أكفل لراحتها من المباحات التي لا تنافي مقتضى عقد الزواج
بعد هيمنة الغرب على المؤسسات الدولية، وتصاعد موجات التغريب»، واجتياح العولمة للخصوصيات الثقافية لشعوب العالم خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، شرع الغرب في اقتحام حرمات الأسرة المسلمة، وانتهاك منظومة قيمها التي حددها الإسلام، وصاغتها المرجعية الإسلامية.. وبدأ الغزو الفكري الغربي في صياغة منظومة قيمه في مواثيق ومعاهدات أخذ في عولمتها تحت ستار الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها من خلال مؤتمرات السكان. الدولية سعيا لإحلالها محل منظومة القيم الإسلامية ولاسيما في ميدان الأسرة.. الأمر الذي فرض على المؤسسات الإسلامية صياغة بديل في هذا المجال، وقد تحقق هذا في ميثاق الأسرة في الإسلام.
يتحدث هذا الجزء عن عوامل نجاح الأسرة، وعن طبيعة عقد الزواج، من حيث حكمه ومتى يكون الزواج واجبًا، ومن حيث شروط صحة الزواج، ومن حيث حق الاشتراط عند عقد الزواج، كما يتحدث عن التيسير في تكاليف الزواج وذلك من خلال أربع مواد.
مادة (٥١)
عوامل نجاح الأسرة
حددت الشريعة الإسلامية معايير للزواج الناجح، ينبغي على كل من الزوجين مراعاتها بما يحقق مصلحة الأمة والأسرة عموما والأطفال على وجه الخصوص.. ومن هذه المعايير التدين الصحيح، والخلق الكريم، والمنشأ الطيب، ويجوز التماس صفات أخرى معها.
ومن عوامل نجاح الزواج مراعاة التكافؤ في السن والثقافة والبيئة الاجتماعية، ومنها خلو الزوجين من الأمراض المنفرة أو المعدية أو الوراثية الخطيرة».
تبين هذه المادة عوامل نجاح الأسرة عن طريق حسن اختيار الزوجين لشريك حياته بمراعاة الصفات المذكورة، وتستند المادة إلى عدد من النصوص
- فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تنكح المرأة لأربع: المَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فاظفر بذاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَدَاكَ حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي.
- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خلقه ودينه فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيض حديث حسن، رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي. - وَعَنْ عَائِشَة - رضى الله عنها - قالت: قال رسول الله:: تَخَيَّرُوا لِنُطْفِكُمْ وَانْكِحُوا الأَكْفَاء وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ حديث صحيح، رواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى.
وهنا ينبغي التنويه إلى أنه يحسن إجراء فحص طبي قبل الزواج المعرفة ما إذا كان هناك مرض معد خطير يؤثر في العلاقة الزوجية سلبا، وخاصة بين العائلات التي ظهر في أفرادها ذلك المرض، فيكون الإقدام على هذا الزواج عن بينة، أو يكون الإحجام.
. مادة (٥٢)
متى يكون الزواج واجبًا؟
تجري على الزواج الأحكام الشرعية الخمسة: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، وتعتبر الشريعة الإسلامية الزواج واجبا على من يخشى على نفسه الفتنة مع قدرته على حمل أعبائه المادية».
تتحدث هذه المادة عن أنواع الحكم الشرعي بالنسبة للمسلم، ونقصد بالحكم الشرعي هنا: الوصف الشرعي الذي يسبغه الشارع على فعل المكلف المتعلق به الخطاب أي أن يصف الشارع هذا الفعل أو ذاك بأنه حرام أو حلال أو غير ذلك.
وتجري الأحكام الشرعية على الزواج...
- فتارة يكون واجبا، وذلك إذا غلب على ظن الإنسان أنه لا يستطيع الاحتراز من الوقوع في الزنى بالصوم ونحوه لو لم يتزوج وكان قادرا على نفقات الزواج من مهر ونفقة الزوجة وحقوق الزواج الشرعية؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصونها عن الحرام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وطريقه الزواج.
- وتارة يكون مندوبًا وذلك إذا كان الشخص معتدل المزاج بحيث لا يخشى الوقوع في الزنى إن لم يتزوج، ولا يخشى أن يظلم زوجته إن تزوج، وحالة الاعتدال هي الغالبة عند أكثر الناس؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ولقوله: «أما والله إِنِّي لأَحْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكُنِّي أَصُومُ وأفطِرُ، وَأَصَلِّي وَأَرْقَدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَعْبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مني حديث صحيح رواه البخاري.
وقيل: إن الزواج في هذه الحالة يكون مباحا (1)، يجوز فعله وتركه وإن التفرغ للعبادة أو الاشتغال بالعلم أفضل من الزواج لأن الله تعالى مدح يحيى - عليه السلام - بقوله: ﴿وسَيْدًا وَحَصُورًا﴾ (آل عمران:۳۹) والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن، فلو كان الزواج أفضل لما مدح بتركه.
وتارة يكون مكروها: وذلك إذا خاف الشخص الوقوع في الجور والضرر خوفا لا يصل إلى مرتبة اليقين إن تزوج لعجزه عن الإنفاق، أو إساءة العشرة، أو فتور الرغبة في النساء.
وتارة يكون محرما: وذلك إذا تيقن الشخص من ظلم المرأة والإضرار بها إذا تزوج بأن كان عاجزا عن تكاليف الزواج أو ثبت أنه غير قادر على إتيان النساء لعيب خلقي أو غير ذلك؛ لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام.
. مادة (٥٣)
شروط صحة الزواج
يشترط أن يتم عقد الزواج بحضور شاهدين، وأن يباشر العقد ولي الزوجة ويجوز لمن سبق لها الزواج أن تتولى العقد بنفسها إذا ثبت عضل وليها أو فقدت الولي، ويندب الإعلان عن الزواج بإقامة وليمة احتفالا به وإظهارا للفرح والسرور.
تبين هذه المادة شروط صحة الزواج، وهي على النحو التالي:
- الشرط الأول: حضور شاهدين يرى جمهور الفقهاء أن الشهادة على عقد النكاح شرط لصحته، وينعقد بحضور شاهدين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما وهو اختيار الميثاق، ويرى الإمام مالك وأصحابه أن الشهادة على النكاح ليست بفرض، ويكفي من ذلك شهرته والإعلان به.
والدليل على اشتراط وجود شاهدين في عقد النكاح قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بِوَلِي وشاهدي عدل حديث صحيح، رواه ابن حبان في صحيحه والدارقطني والبيهقي في السنن والطبراني في الأوسط، وعن أبي الزبير المكي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَ أُتِيَ بِنكَاحَ لَمْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَةً فَقَالَ: «هَذَا نَكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ أثر حسن رواه مالك في الموطأ، وقد اشترط الفقهاء للشاهدين شروطا تفصيلية ينظر في مظانها من المراجع الفقهية.
ويرى كثير من الفقهاء أن من شروط صحة النكاح عدم التواطؤ على كتمه، ويسمى نكاح السر أو الاستكتام»، ويُعد باطلًا، ويُعاقب الزوجان إذا تواطأ على الكتم، ويُعاقب الشاهدان إذا تعمدا.
ويندب الإعلان عن الزواج بإقامة وليمة: احتفالا به وإظهارا للفرح والسرور، فعن أنس بْنِ مَالِكَ وَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفِ وَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِهِ أثر صُفْرَة، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةُ مِنْ زنة الأنصار، قال: كُمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: نواة مِنْ ذَهَبٍ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: أَولِمْ وَلَوْ بشاة حديث صحيح رواه مالك في موطئه وأحمد في مسنده، والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي.
وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلِيمَة صَفِيَّة بنت حُيَى التَّمْرَ وَالْأَقِطَ وَالسَّمَنَ؛ فَحِصَتْ (۲) الْأَرْضُ أَفَاحِيصَ، وَجِيءَ بِالْأَنْطَاعِ (۳) فَوُضِعَتْ فِيهَا، وَجِيءَ بِالأَقِطَ وَالسَّمْنِ فَشَبِعَ النَّاسُ. حديث صحيح رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجة، واللفظ المسلم، وعن أنس قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ عَلَى امْرَأَةِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ فَإِنَّهُ ذَبَحَ شَاةً حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، واللفظ لمسلم. وعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا زَفَّتْ امْرَأَةُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ نَبِيٌّ الله ﷺ: «يَا عَائِشَةٍ، مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهُوَ، فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللهو حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري، واللفظ له، وعَنْ جَابِر مة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَعَائِشَة: «أَهَدَيْتُمْ الْجَارِيَةَ إِلَى بَيْتِهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَهَلا بعثتم معهم من يُغَنِّيهِمْ يَقُولُ:
أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ.. فَحَبُّونَا نُحَيِيكُمْ
فَإِنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ حديث حسن رواه أحمد.
- الشرط الثاني: أن يباشر العقد ولي الزوجة، ويجوز لمن سبق لها الزواج أن تتولى العقد بنفسها إذا ثبت عضل وليها أو فقدت الولي.
والمقصود بالولي في نص المادة: من له حق تزويج المرأة إذنا ومنعا، وهو الأب أو الأخ أو العم، أو غيرهم حسب الأحوال.
ويقصد بـ البكر هنا: التي لم تزل بكارتها بالوطء ولو حرامًا، والثيب اصطلاحًا: من زالت بكارتها بالوطء ولو حرامًا، والثيب والبكر ضدان.
والمقصود بعضل الولي هنا: امتناعه من تزويج مَوْليَّته - وهي هنا الثيب - من الكفء حيث يجب عليه التزويج.
والمقصود بفقدان الولي هنا أن يغيب غيبة بعيدة، بحيث لو انتظر حضوره أو استطلاع رأيه فات الكفء الذي حضر لخطبة المرأة؛ فلا يلزم تقدير مسافة وخاصة في أزماننا هذه التي تقاربت فيها المدن والبلدان.
والأصل أن عضل الولي - أي منع تزويجها من كفئها - حرام؛ لأنه ظلم، وإضرار بالمرأة لمنعها حقها في التزويج بمن ترضاه وذلك لنهي الله سبحانه وتعالى عنه في قوله مخاطبًا الأولياء: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:232).
وسواء طلبت التزويج بمهر مثلها أو دونه، كما يقول الشافعية والحنابلة؛ لأن المهر محض حقها وعوض يختص بها، فلم يكن للولي الاعتراض عليه؛ ولأنها لو أسقطته بعد وجوبه سقط كله، فبعضه أولى.
ولو دعت المرأة لكفء وأراد الولي تزويجها من كفء غيره، فعند الحنابلة يلزم الولي إجابتها إلى كفئها إعفافا لها، فإن امتنع الولي عن تزويجها من الذي أرادته كان عاضلا ، وهو رأي للحنفية استظهره بعضهم (4).
فإذا منعها وليها القريب، فقد نصت المادة على انتقال حق مباشرة العقد للثيب بنفسها: مراعاة لمصلحة المرأة وعدم تأخير رفع الظلم عنها من جراء عضل الولي أو تأخير إجراءات مباشرة العقد من قبل القاضي، وهو اختيار بعض الفقهاء وتدل عليه بعض الأحاديث النبوية.
وقال البعض الآخر: إن الولاية تنتقل إلى من يليه في الولاية، أو إلى القاضي، أو من ينوب عن جماعة المسلمين إن لم يوجد قاض كالقائمين على المراكز الإسلامية والمساجد في الغرب ممن يعود إليهم المسلمون في شؤونهم الدينية.
وحيث إن ظاهرة العضل متفشية، وتسبب مفاسد خطيرة على الأفراد والمجتمع، فيجب العمل على علاجها في المجتمع المسلم بما يحد منها أو يمنعها، وأهم ما يلاحظ في ذلك الفصل بين الأحكام الشرعية وبين التقاليد والأعراف، ثم توعية المسلمين بفوائد الالتزام بأحكام الشرع الذي شرعه الله لهم في شكل نشرات ودورات متخصصة، والعمل على تكوين مجالس تحكيم يمكن الرجوع إليها في مثل هذا الأمر.
ويدل على ما سبق من أحكام العضل: قول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وعن معقل بن يَسَارٍ قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتَا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَحْطِبُهَا فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا لا وَاللَّهُ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ، فَقُلْتُ: الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاه حديث صحيح رواه البخاري وأبو داود والترمذي والطبري في تفسيره.
أما اشتراط مباشرة الولي للعقد إذا كانت بكرًا أم ثيبًا، فهذا هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ويدل عليه عدد من الأدلة ومنها: قوله ﷺ: «لا نَكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عدل حديث صحيح، رواه ابن حبان في صحيحه والدارقطني والبيهقي في السنن والطبراني في الأوسط، وَعَنْ عَائِشة - رضي الله عنها - أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةِ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيْهَا فَنَكَاحُهَا بَاطِلَ، فَنَكَاحُهَا باطل، فنكَاحُهَا باطل: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجَهَا ، فَإِنْ اشْتَجَرًا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلَيَّ لَهُ حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داو والترمذي وابن ماجة.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأَة نَفْسَها حديث صحيح، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَة والدارقطني، إلى غيرها من الأدلة النقلية والعقلية وثمة آراء أخرى في الفقه الإسلامي، ومن أراد التفصيل فعليه بالمطولات الفقهية (0).
وحاصل القول: إن الخلاف في مسألة اشتراط الولي عند عقد النكاح خلاف معتبر فالحرص على موافقة الولي عند إجراء عقد الزواج مطلوب دينيا واجتماعيا، وقد نصت المادة على اشتراطه حال كون المرأة بكرا عملًا بقول الجمهور، فالولي هنا هو الأعلم بمصلحتها وقد لا تكون عندها من الخبرة الاجتماعية ما يؤهلها للاستقلال باتخاذ القرار.
لكن إن اقتضى الحال تزويج المرأة بدون ولي لظروف معينة، كتعذر إذنه عند فقدانه مثلا أو كعضله، فلا بأس من العمل بقول من لا يشترط الولي لابتداء العقد، وهذا هو ما ذهبت إليه المادة ولكنها قصرت هذه الحالة على كون المرأة ثيبًا درءا لمفاسد استقلال الأبكار بالنكاح، وخاصة في عصرنا الحالي وهذا هو اختيار الميثاق في هذه المسألة.
. مادة (٥٤)
حق الاشتراط عند عقد الزواج
يجوز للزوجة أن تشترط على
زوجها عند عقد الزواج ما تراه أكفل لراحتها وأوفى بحاجتها من المباحات التي لا تنافي مقتضى عقد الزواج، فلها مثلا أن تشترط تفويض الطلاق إليها مع عدم الإخلال بحق الرجل فيه، أو ألا يخرجها من بلدها أو ألا يتزوج عليها أو تشترط أن تعمل خارج البيت، ولها أن تحدد الجزاء المترتب على مخالفة هذا الشرط، وللرجل نفس الحق في الاشتراط، كأن يشترط أن تعيش معه في بيت أهله أو تسافر معه إلى حيث يعمل».
تتحدث هذه المادة عن الشروط المقترنة بعقد الزواج، وهذه أنواعها وحكمها:
- فمن هذه الشروط ما يجب الوفاء بها بأن تكون من مقتضيات العقد ومقاصده وليس فيها تغيير لحكم من أحكام الشريعة كأن تشترط الزوجة عليه العشرة بالمعروف وألا يقصر في حقوقها، وأن يشترط عليها ألا يدخل بيته أحد إلا بإذنه، وغير ذلك من الشروط التي في هذا النطاق.
- وهناك شروط لا يجب الوفاء بها المنافاتها لطبيعة العقد، ويظل العقد صحيحا وقائما، وذلك كأن يشترط عليها أن يمتنع عن معاشرتها، فتلك الشروط وأمثالها باطلة لأنها تخالف مقتضى العقد ومقصده وتسقط حقوقا تجب بعقد الزواج، ولا اعتبار للجهل بها ؛ فتبطل ويظل العقد صحيحًا وقائما.
- وهناك شروط تشترطها المرأة أو وليها تعود بالمصلحة عليها وتراه أكفل لراحتها وأوفى بحاجتها من المباحات التي لا تنافي مقتضى عقد الزواج عليها؛ كأن تشترط تفويض الطلاق إليها مع عدم الإخلال بحق الرجل فيه، أو ألا يخرجها من بلدها أو ألا يتزوج عليها، أو تشترط أن تعمل خارج البيت وأن تحدّد الجزاء المترتب على مخالفة هذا الشرط، وكان يشترط الرجل أن تعيش معه في بيت أهله، أو تسافر معه إلى حيث يعمل. وقد اتجه العلماء في هذه النوعية من الشروط اتجاهين:
الأول: قال إن الزواج صحيح، وتلك الشروط لا يلزم الوفاء بها، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة والشافعي، وغيرهما من أهل العلم.
والثاني: يرى وجوب الوفاء بتلك الشروط وهو مذهب الحنابلة، وقبله عدد من الصحابة وهذا هو اختيار الميثاق؛ فَعَنْ عُقِبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحق الشروط أن توفوا به مَا اسْتَحْلَلْتُم به الفروج (حديث صحيح رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
وَقَالَ عُمَر: «المؤمِنُونَ عَلَى شروطهم، عند مقاطع حقوقهم، وفي رواية: «إن مقاطع الحقوق عند الشروط، وَلَهَا مَا اشْتَرَطَتْ أثر صحيح رواه البخاري تعليقا ووصله سعيد بن منصور في سننه، ويلتزم الزوج بالوفاء بالشرط ولو جبرا عليه، اللهم إلا إذا حدد الاتفاق جزاء معينا على الإخلال به فيلزم إعمال ذلك الجزاء.
- ومن الشروط ما لا يُحله الشرع بل ينهى عنه ويحرمه، فهذه الشروط لا اعتبار لها ويحرم الوفاء بها كأن تشترط زوجة عند زواجها طلاق زوجة الرجل الأولى إن كان متزوجًا قبلها، فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تسأل طلاق اخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قَدْرَ لها حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم ، وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ مَا قَالَ: «نَهَى رَسُول الله ﷺ أن تشترط المرأة طلاق أختها حديث صحيح رواه أحمد والبخاري.
فإن قيل: وما الفارق بين هذا الشرط وبين شرطها ألا يتزوج عليها حتى نقول بصحة الشرط الثالث، ونبطل الشرط الرابع وهو شرط طلاق زوجته الأولى قبل زواج الثانية وهي ما يُطلق عليها «الضرة»، فيقال: الفرق بينهما أن في اشتراط طلاق الزوجة من الإضرار بها وكسر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاح غيرها، وقد فرق النص الشرعي بينهما: ولأن التعدد من المباحات التي يجوز منعها أو تقييدها لمصلحة بخلاف الطلاق فهو أبغض الحلال إلى الله، فقياس أحدهما على الآخر فاسد.
. مادة (٥٥)
التيسير في تكاليف الزواج
تنهى الشريعة الإسلامية عن المغالاة في المهور، وعن التشدد في المسائل المادية التي تحيل الزواج إلى مساومة مادية تهبط بمنزلة المرأة وبقيمة العلاقة الزوجية باعتبارها رابطة معنوية تقوم على السكن والمودة والتراحم.
تتحدث هذه المادة عن التيسير في تكاليف الزواج بنهي الشريعة الإسلامية عن المغالاة في المهور، وعن التشدّد في المسائل المادية وقد سبق بيان هذا في الفقرة الرابعة من المادة (۲۲)، والفرق بين الموضعين أن ما ذكر في المادة (۲۲) باعتبار أنه من واجبات الأمة ودواعي حرصها على مصلحة الجماعة وينوب عنها ولي الأمر في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحقيق هذا الواجب، أما ما ذكر هنا فهو مطلوب شرعي تحث عليه الشريعة تأكيدًا لواجبات الأمة، ويلتزم به الأفراد عند الزواج..
الهوامش
(۱) وهو مذهب الإمام الشافعي
(۲) حفرت وهيئت للطعام.
(۳) النطع بساط من الجلد.
(٤) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ج ٣٠ ص ١٤٦.
(٥) انظر: د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج ۷، ۱۹٤، وانظر: حاشية ابن عابدين، ج ۲، ص ٤٠٧.