; هجائية الحب (۱۲) « حرف السين» سهّل الزواج على أبنائك وبناتك | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب (۱۲) « حرف السين» سهّل الزواج على أبنائك وبناتك

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-2011

مشاهدات 75

نشر في العدد 1964

نشر في الصفحة 64

السبت 06-أغسطس-2011

قبل أن تصل إلى سن العشرين تقدم لخطبتها شباب كثيرون، وكان أبوها دائمًا يرفض طلبهم.. مرت الأيام والشهور والسنون، ولم ينقطع من يتقدم لخطبتها وأبوها يرفض، حتى تجاوزت الأربعين !!

وذات يوم مرضت الفتاة - التي تجاوزت الأربعين ولم تتزوج - ونقلت إلى المستشفى وهي فاقدة الوعي، فلما أفاقت رأت والدها، قالت له وهي موجعة متألمة ضائقة بصنع أبيها : أبي.. أحببتك وأنا صغيرة، ولا أنكر فضلك علي وسأظل بارة بك ما دمت حية، ولكني لا أخفي عليك أن مشاعري ناحيتك قد إعتراها تغيير، فأنت الذي حرمتني من زوج أعيش معه في بيت واحد مستقل.. أنت الذي حرمتني من عاطفة الأمومة فقد كنت أتوق للأولاد، وأن أكون أما ... أنت الذي حرمتني من الإحساس بالاستقرار، والأنس في مملكة تحلم بها كل فتاة.. والله يا أبت لولا خوفي من ربي لشكوتك إليه، ثم بكت الفتاة بكاء شديدًا، فاحتضنها أبوها باكيًا وهو يكرر : سامحيني بنيتي، سامحيني بنيتي، سامحيني بنيتي.. فقد أخطأت التفكير والتدبير، إذ كنت حريصًا على أن أزوجك رجلًا ثريًا ؛ يؤمن لك حياة كريمة، فسامحيني بنيتي.

ولقد شاهدت بأم عيني وسمعت بأذني والدًا في ليلة عرس ابنته يلغي عرسها، ويمنع ابنته من الزواج بمن أحبته وأحبها؛ لأن العريس لم يستجب لرغباته في شراء بعض الكماليات التي فاجأ بها العريس يوم البناء دون سابق اتفاق. إن كثيرًا من الآباء يتعسون أبناءهم وبناتهم من حيث يقصدون إسعادهم بسبب سوء التدبير وسوء الاختيار، وقد يتعس الشاب نفسه، وكذلك الفتاة.

 حكت لي إحدى الأخوات أن زوجة أخيها - التي تنكد الآن عليه حياته - رفضت أن تزف إليه في يوم عرسهما إلا بعد أن يحضر لزفافهما سيارة« همر»، وأبت أن تركب سيارة مرسيدس، فكلفت العريس ساعتين من الزمن يبحث عن طلبها وبالطبع سببت لأهلها وأهله والضيوف مشقة وعنتا !!

الزواج آية من آيات الله

 إن الزواج حصانة وعفة وابتهاج، وسكن وأنس واندماج، وهو سنة المرسلين، ووصية خاتم النبيين ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ يا «معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

والزواج نعمة من نعماء المنعم سبحانه وآية من آيات الوهاب، فهو ضرورة من ضرورات الحياة تتحقق به مصالح الدين والدنيا، وكذلك من وسائل الترابط ووشائج النسب بين الناس، وبه يتحقق التراحم وتتحقق السكينة والمودة بين الزوجين. قال تعالى:﴿ومن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الروم:21)

والزواج طبيعة فطرية

الزواج طبيعة فطرية، وإرتباط حيوي وثيق يحفظ الله به النسل البشري في مجال الحياة ويحقق به العفة والطهر لكلا الزوجين، وقد جعل الله لهذا الزواج نظامًا واضحًا، ليحقق به سعادة كلا الزوجين، وحفظ لهما الحقوق.

لذا فقد رغب شرعنا العظيم في الزواج وحث عليه، قال تعالى:﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾(النور:32)

ويقول ابن مسعود رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ« لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام ولي طول - أي قدرة - على النكاح لتزوجت كراهية أن ألقى الله عزبًا» .. وقال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله-:«ليست العزوبة من الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام».

هل تريدون عزوبة أبنائكم وعنوسة بناتك؟

- إن كثيرا من الآباء يسهمون في عزوبة أبنائهم وعنوسة بناتهم دون أن يدركوا ذلك، فقد جعلوا- بتشددهم- الزواج عبئًا ثقيلًا، بدءًا من الخطبة، ثم الشبكة، ومرورًا بالمسكن وشروطه وشروط تأسيسه، وانتهاء بليلة البناء والعرس وهم لا يدرون أنهم بذلك يغرقون العريس بديون وأقساط، تجعله تعيسًا مكتئبًا بدلًا من أن يقبل على الحياة سعيدًا ، ويفكر في مستقبل أسرته ما أحوج الآباء إلى أن يوقنوا أن سعادة بناتهم ليست في البذخ ولا في الثراء، بل السعادة شعور جميل وإحساس عذب يتوصل إليه بالإيمان.

ما أحوج الآباء إلى أن يشعروا بعاطفة الأبوة صوب من يتقدم لخطبة بناتهم، وخاصة في ظل الظروف العصيبة التي يعيشها شبابنا ففرص العمل قليلة، ومعدل البطالة ضخم والحالة الاقتصادية سيئة، وإن وجد الشاب عملًا فالراتب قليل، وإيجار المسكن مرتفع، وغلاء الأسعار فاحش، فإن لم نيسر على أبنائنا وبناتنا الزواج؛ فالنتيجة محسومة معروفة، وهي العزوف عن الزواج، وتفشي الفتن، وتفاقم الانحرافات والجرائم وانتشارها. وقد أكد علماء النفس أن الزواج المبكر هو الأنجح حتى إن تعثرت الظروف المادية، وأنه سبب الاستقرار النفسي والشخصي والجسدي بالإضافة إلى اكتمال الدين والعفاف وحدوث الإحصان، وخاصة أن رسولنا الكريم قد بشرنا بعون الله تعالى لمن يبغي بزواجه العفاف.

 قال ﷺ:«ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله، والمكاتب، والناكح يبغي العفاف». (رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني).

إن الأب عندما يفكر في زوج ابنته ينبغي أن يأخذ بمبدأ التيسير، ففي ذلك الخلاص بعد عون الله تعالى ما أحوج الأب أن يستمع جيدًا وينصت للسان حال الشاب المتقدم لابنته وقد أحاطته الهموم وثقل المسؤوليات والمتطلبات فيلجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، ويتضرع إليه قائلًا:

أزل عني الهموم وكل غم                            وفرج كربة القلب الشجي

 ويسر ما تعسر من أموري                           وثبتني على الدين السوي 

وسهل كل صعب لي وحقق                        مرادي في الصباح وفي العشي 

وثبتني على التقوى جهارًا                             وسرًا طول عمري يا وليي

 إن تيسير الزواج للشاب والفتاة مسؤولية الآباء في المقام الأول، بيد أن بريق الحضارة الزائفة حاد بالناس عن جادة الطريق السوي، حيث طغت الماديات، وضعفت الإيمانيات، وساد الغريب من العادات، وآثر قومنا الدنيا على الآخرة، وغرتهم الحياة الدنيا، وجذبهم بريق المغريات، وجذبتهم الشهوات والنزوات، فغالوا في المهور، وليس للبنت حول ولا قوة، ولا يسمع لرأيها .. إن هؤلاء الآباء يجب أن يعلموا أنهم بمغالاتهم في المهور يعيدون عادات الجاهلية السحيقة، ويشعلون جذوة الفتن والانحرافات في المجتمع، فمن أجل حفنة من المال كان الرجل في الجاهلية يزوج ابنته بزوج لا ترضى عنه، ولا تنسجم معه.

الإسلام يدعو إلى تيسير الزواج 

إن كثيرًا من الآباء يظن- خطأ- أن البنت سلعة تباع وتشترى، وأنه كلما رفع ثمنها زاد قدرها وعلت قيمتها، ويحسب بعضهم أن البنت عنزًا حلوبا يحلبها أبوها متى شاء وكيف شاء ويريد أن يحصل من ورائها المال، ومن العجيب أن بعضهم يفرض على العريس مبلغًا من المال يحدده هو - أي الأب - ويسمونه«حق التربية»! وكأن الله لم يكلفه بتبعات وواجبات لتربية بنته!

أيها الأب الكريم، إن ابنتك أرقى من أن تستغلها كسلعة وتستغل زوجها بسببها، وتحبسها كرهينة لا يسمح لها بالزواج إلا بعد أن يدفع زوجها« الإتاوة» التي تفرضها عليه! ابنتك إنسانة مكرمة، ذات مشاعر وأحاسيس مرهفة تحمل في حناياها قلبًا طيبًا، ولقد أوصاك الإسلام بابنتك خيرًا، وكلفك تربيتها، وجعل جزاء ذلك الجنة. قال ﷺ : « من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين»، وضم أصابعه. رواه مسلم. وقال ﷺ أيضا: « من ابتلي - أي اختبر - من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار» (متفق عليه).

ولقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة لأمته في شأن المهر والتيسير فيه مع بناته، ولو أننا اقتدينا به في ذلك لما غصت بيوتنا بكثرة الفتيات العوانس ولما صار الشباب عازفا عن الزواج، ولما انحرف المنحرفون منهم، ولكننا شددنا على أنفسنا فشدد الله علينا. والتيسير سنة المصطفى ﷺ فعن أنس رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ عن النبي ﷺ قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» .. ولقد رغب الرسول الكريم في تيسير الصداق في قوله: «خير الصداق أيسره». (رواه الحاكم).

وقوله «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها ..». (رواه الإمام أحمد ). ويقول أيضًا:« إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض » (رواه الترمذي وحسنه الألباني).

وأخرج النسائي - وأصله في الصحيحين – أن أبًا طلحة خطب أم سليم فقالت: «والله يا أبا طلحة ما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري وما أسألك غيره». فأسلم، فكان ذلك مهرها . وذاك رجل آخر تزوج بامرأة بما معه من القرآن، فيعلمها وكان ذلك مهرها .

ويقول عمر بن الخطاب: «ألا لا تغلوا في صدق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل لكان أولاكم به النبي ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأة من بناته؛ حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول كلفت لكم علق القربة ». (رواه البخاري ومسلم).

ومعنى كلفت علق القربة: يعني يقول لزوجته:تكلفت وتحملت لأجلك كل شيء حتى حبل القربة أحضرته لك، فكلما أخطأت المرأة كال لها المكاييل، وأذاقها ألوان العذاب عندما يتذكر ما سببته له من ديون وإنفاق، ألا فاعلم - أيها الأب -أن زواجًا كثر مهره يعظم همه ويزداد غمه وتكثر تكاليفه، وتتفاقم مشكلاته.. والواقع ينطق بذلك ويشهد عليه.

ويقول ابن القيم : «المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وإنها من قلة بركته وسبب عسره ».

المهر بين أصالة المصطلح والفهم الخ

المهر ليس ثمنا للمرأة، ولا تثمين لها، فهي ليست بسلعة تباع وتشترى، وإنما هو عطية وحق فرضه الله على الرجل يدفعه للمرأة ليدلل به على صدق رغبته فيها والزواج بها، وأن تكون شريكة دربه في الحياة، وليؤكد به حبه لها وأنها موضع رعايته وبره وعطفه. ومن هنا أوجب الشرع على الرجل هذا الصداق في قوله سبحانه: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النساء:4)

والمهر الباهظ كثيرًا ما يجلب المشكلات على : الزوجية، فقد يغري الزوجة على إثارة المشكلات لشعورها بعدم قدرة الزوج على أداء المهر الواجب عليه، وقد يؤديها أهلها فيما تفعل فيقع الشقاق بين الزوجين عندها يفكر الزوج في حيلة تخلصه من قيود المهر الثقيل، ويزداد النزاع والشقاق ويكثر تدبير كل طرف للآخر، فتستحيل إقامة حياة أسرية سعيدة. ولقد سرت في مجتمعاتنا أمراض التباهي بغلاء المهور، فهذه علبة مذهبة، وتلك جنيهات ذهبية، والإنفاق باهظ، وكله بدافع التظاهر والخيلاء، وهذا كله أدى إلى عزوف الشباب عن الزواج، بل وتخوفهم من الاقدام عليه. وقد يحتج البعض بعدم تحديد الشرع للمهر.

فلماذا لم يحدد الإسلام المهر ؟

لم يحدد الإسلام المهر وكميته؛ لتباين الناس واختلاف مستوياتهم وبلدانهم وعاداتهم وظروفهم، ولكن الاتجاه العام في شرعنا الميسر يميل نحو تقليل المهر، فذاك أقرب لروح الدين فيكون حسب القدرة وحسب التفاهم والاتفاق.

ويرى علماء الأمة أن الشارع لم يحدد المهر بقدر معين، وتركه لاتفاق الطرفين الأب والزوج أو الزوج والزوجة وتراضيهما في تحديده، مع مراعاة حال الخاطب وقدرته . 

قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمً﴾( النساء :24)

قطوف من زواج السلف

كان السلف الصالح رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ يتزوجون على القبضة من الطعام، وعلى تعليم القرآن.

 أخرج البخاري بسنده عن سهل بن سعد رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إني وهبت من نفسي، فقامت طويلا. فقال رجل: زوجنيها إن لم تكن لك حاجة. فقال ﷺ« هل عندك من شيء تصدقها ؟»، قال: ما عندي إلا إزاري، فقال: إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا فقال ما أجد شيئا، فقال: «التمس ولو خاتمًا من حديد .. فلم يجد، فقال: أمعك من القرآن شيء؟

قال: نعم. سورة كذا وكذا وسمى بعض الصور فقال: قد زوجناكها بما معك من القرآن. وقد زوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين ولقد كان الصحابة رَضِيَ ٱللَّٰهُ عَنْهُ يمهرون ملء الكف من الدقيق أو السويق أو التمر وتزوج عبد الرحمن بن عوف بوزن نواة من الذهب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1460

74

السبت 21-يوليو-2001

المجتمع الأسري [العدد 1460]

نشر في العدد 1010

75

الثلاثاء 04-أغسطس-1992

فتاوى

نشر في العدد 1050

37

الثلاثاء 18-مايو-1993

الفقه والمجتمع