; المراجعات الإصلاحية في الجزائر بعد أحداث أكتوبر | مجلة المجتمع

العنوان المراجعات الإصلاحية في الجزائر بعد أحداث أكتوبر

الكاتب أحمد راؤول

تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

مشاهدات 79

نشر في العدد 890

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

بدأت مرحلة التأمل والمراجعة والإصلاح في الجزائر بعد عودة الهدوء والأمن إلى الشارع، وتوقف المظاهرات وأعمال العنف والتخريب التي لم تشهد لها البلاد مثيلًا منذ حصولها على الاستقلال عام 1962.

الإصلاحات السياسية:

إن المحور الأول الذي ستتجلى فيه النزعة الإصلاحية الجديدة هو سياسي الطابع، فبعد زهاء ربع قرن من تجربة هيمنة الحزب الواحد على كل هياكل الدولة والمنظمات النقابية والشبابية والثقافية، أوضحت الأحداث الأخيرة أن من الخير للبلاد أن تفسح مجالات للتعبير خارج نطاق الإشراف المباشر للحزب.

ولذلك تضمن مشروع الإصلاح الذي عرض للاستفتاء- من قبل الرئيس الشاذلي بن جديد- إفساح المجال للعناصر المستقلة للترشيح لكافة هياكل الدولة، بدون اشتراط عضويتهم في الحزب، أو حصولهم على تزكيته كما كان معمولًا بذلك في السابق.

وتضمن المشروع أيضًا تقليصًا لصلاحيات رئيس الدولة لصالح رئيس المجلس الحالي؛ ليصبح مسؤولًا بصفة مباشرة أمام مجلس الشعب.

ومن جملة ما ورد في المشروع أيضًا إلغاء رقابة الحزب الحاكم على المنظمات النقابية والحركات الشبابية، وهو ما سيمكن هذه التشكيلات من تطوير مصداقية تمثيلها للفئات الشعبية التي انتخبتها، من جهة أخرى تتالت التأكيدات الرسمية على ضرورة مراجعة واقع الصحافة الجزائرية الراهن في اتجاه مزيد من الحرية، والأمانة في تمكين المواطنين من الأخبار، وقد لاحظ مراقبون تطورًا كبيرًا في هذا المجال قبل انتهاء المظاهرات؛ حيث وصل الأمر بصحيفة المجاهد إلى انتقاد الحزب الحاكم، والحديث عن ممارسات تعذيب في مراكز الشرطة ضد بعض المعتقلين.

لكن كل هذه المراجعات لن تصل الآن إلى حد السماح بتعددية الأحزاب السياسية، وقد جاء ذلك واضحًا في بيان للرئيس ابن جديد حذر فيه من أن تعدد الأحزاب لن يكون إلا واجهة لصراع الأطماع والنزعات القبلية القديمة.

ومهما يكن من أمر فإن كثيرًا من المهتمين بالشؤون الجزائرية يرون في كل هذه الإصلاحات خطوات أولية حاسمة نحو تعددية سياسية قانونية، يتم إرساؤها بالتدريج خلال السنوات القادمة.

المعضلة الاقتصادية:

لكن السؤال المطروح في الجزائر الآن هو: هل تستطيع حرية التعبير في المجال السياسي أن تسهم في حل المعضلة الاقتصادية؟

المتخصصون يجيبون بنعم، فهي تقدم على الأقل بديلًا لأعمال الحرق والتخريب عندما يريد الناس التعبير عن ضيقهم وسخطهم.

المعضلة قائمة على كل حال، فأسعار النفط لم تتحسن، ولا ينتظر أن تتحسن في المستقبل القريب، والموسم الفلاحي المرتبط أساسًا بالأمطار ما زال متضررًا بسبب قلة الأمطار، وهجمة الجراد وسوء التصرف في الأموال العمومية لا يزال يحرم الجزائر من موارد مالية جمة.

ويبدو أن الحكومة الجزائرية قد تضطر قريبًا لإعادة جدولة جزء من ديونها، كما أنها قد تخفف من تشددها في مفاوضات تحديد سعر غازها الذي تصدر كميات كبيرة منه خاصة إلى فرنسا، وقد يسهم تحجيم نظام الحزب الواحد في محاربة سوء التصرف، لكن البلاد تظل في حاجة إلى مراجعات هيكلية لمجرى الاقتصاد الوطني.

موقع التيار الإسلامي:

وقد أثارت التغطية الإعلامية الفرنسية غموضًا كثيفًا حول دور التيار الإسلامي الجزائري في الأحداث الأخيرة، وموقعه في الساحة السياسية بوجه عام، لكن مصادر موثوقة في الجزائر أكدت «للمجتمع» أن أغلبية الأئمة والشخصيات الإسلامية الجزائرية قد وقفت ضد أعمال الفوضى والتخريب، ودعت المواطنين إلى حماية مصالح الدولة ومصالح المواطنين، وقد ثبت تعاون هذه الشخصيات مع الرئيس بن جديد- في أصعب اللحظات- لإعادة الأمن والهدوء إلى البلاد.

وكان الرئيس بن جديد قد استقبل يوم العاشر من أكتوبر 1988 وفدًا يتكون من الشيخ سمنون عضو جمعية العلماء المسلمين التاريخية، التي أنشأها الإمام المرحوم عبد الحميد بن باديس، وكذلك الشيخ علي بالحاج إمام الجمعة في باب الواد، والشيخ محفوظ نحناح إمام مدينة البليدة التي تبعد 40 كيلو مترًا عن العاصمة، وأشارت مصادر قريبة من أعضاء الوفد أن اللقاء مع الرئيس بن جديد كان وديًا وبناءً للغاية، وقد حصل فيه إجماع على أولوية إعادة الأمن والهدوء إلى الشارع، كما استمع الرئيس بن جديد إلى ملاحظات العلماء حول الوضع العام، وسجل مطالبهم بشأن تأكيد حضور الإسلام كقاعدة للسياسات الاقتصادية والتربوية، وتمنى العلماء على الرئيس بن جديد أن يضاعف جهوده من أجل الحفاظ على الروح الإسلامية للثورة الجزائرية، وهي الروح التي قادتها إلى الانتصار على الجيوش الاستعمارية الفرنسية.

وذكرت المصادر للمجتمع أن الشيخ محفوظ نحناح أكد للرئيس بن جديد دعم التيار الإسلامي الكامل له في كل خطوة قطعها ويقطعها نحو توسيع الحريات العامة في البلاد، وتعزيز الثقافة الإسلامية، وإجراء إصلاحات هيكلية في السياسات الاقتصادية الراهنة.

هشام يوسف

الرابط المختصر :