العنوان ناشطة سودانية: حفيدات «الكنداكة» يعانين الخلط بين الدين والعادات والتقاليد
الكاتب إيمان محمود
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2012
مشاهدات 57
نشر في العدد 2025
نشر في الصفحة 60
السبت 27-أكتوبر-2012
● النساء السودانيات يشاركن في العمل العام ابتداء من الحي والقرية مرورًا بالمدن والتجمعات الإقليمية والعالمية رغم التحديات.
● نعاني غياب بعض التشريعات التي تكفل للمرأة الرعاية الصحية والدواء والغذاء
وتجرم العنف ضدها بكافة أنواعه.
● التفسيرات غير الصحيحة للدين كان لها كبير الأثر في حجب السودانيات ومنعهن من بعض حقوقهن.
القيادية في جمعية «متعاونات» السودانية سامية الهاشمي من الناشطات في الحقل
الإنساني، تتحدث بمرارة عن أوضاع بنات جنسها، وما آلت إليه أوضاعهن الاجتماعية
والاقتصادية من تردّ وانحدار، وتدافع عنهن بقوة، لاسيما أنها محامية وتعمل أيضًا في
المجال الحقوقي، وتدرك التحديات التي تواجه المرأة السودانية وتحد من مشاركتها في
العمل العام.
الهاشمي عزت في حوار مع «المجتمع» تدهور أوضاع
المرأة السودانية لتداعيات بعض الفتاوى غير الصحيحة التي تحجم من دورها، بالإضافة
إلى ارتفاع معدلات الفقر، وغياب بعض التشريعات اللازمة التي تكفل حق المرأة في
الرعاية الصحية والتعليمية وغيرها.
وتحدثت عن واقع المرأة السودانية والتحديات التي تواجهها، وسبل مواجهتها، والنهوض
بدورها المجتمعي، وفيما يلي التفاصيل.
واقع المرأة السودانية
● ماذا عن واقع المرأة السودانية، ومدى تفاعلها مع مجتمعها دعمًا وعطاءً؟
- السودان دولة ذات صفات ومقومات متفردة باعتبارها بلد «أفروعربي»، بها ثقافات
مختلفة، مرجعيتها الدين الإسلامي الحنيف والديانة المسيحية والديانات الإفريقية
الوضعية، وكل هذه الخلفيات الثقافية تعترف بدور المرأة في العمل العام، وإن تفاوتت
في درجة اعترافها، هذه المرجعيات مجتمعة أنتجت ما يعرف بـ «الثقافة
السودانية»، حيث أثبتت المرأة السودانية في الواقع قدرتها
بل تفوقها على الرجل في بعض مجالات العمل العام، وكان لها القدح المعلى في قيادة
مجتمعاتها منذ تاريخ السودان القديم وفي عهد الملكة «أماني شيخوا» أشهر ملكات
مروي المعروفة بـ«الكنداكة»، التي حكمت
في الفترة من ٤١ - ١٢ ق . م، وهذه
الملكة خير مثال لقيادة المرأة السودانية لمجتمعها في أعلى مستوياته،
وحفيدات الكنداكة وسليلاتها سرن على الدرب ذاته، إلا أن ذلك السير تأرجح وتعثر في
بعض الحقب فانزوت المرأة وتقهقرت في عهود الانكفاء لأسباب عديدة.
● هذا كلام تاريخي.. ماذا عن واقع المرأة في ظل إنصاف الإسلام لها وكفالته
لحقوقها؟
- صحيح.. جاء الإسلام ونهض بالمرأة، وأعطى لها الحق أن
تجاهد وتقوم بأعمال التمريض والتطبيب والبر وغير ذلك من الأدوار المجتمعية، وبرزت
أمهات المؤمنين وصحابيات جليلات بما عرف عنهن من أدوار مجتمعية رائدة، وقد اقتفت
المرأة السودانية هذا الأثر في إطار المنظور الذي يأخذ بروح الإسلام
والعمل بمبادئه في مختلف المجالات حفاظًا على الكليات الخمس، وهي «الدين والنفس
والعقل والنسل والمال»، غير أن هناك بعض الفتاوى والتفسيرات غير
الصحيحة للدين كان لها كبير الأثر في حجب النساء
السودانيات ومنعهن من بعض حقوقهن، على الرغم من أن الإسلام قد منح تلك الحقوق وأقرها،
وهذا الحجب طبعًا ليس مقصورًا على السودان فحسب، إنما ساد كثيرًا من المجتمعات
العربية والمسلمة.
ومع ذلك، وباستقراء الواقع، نجد أن النساء -استشعارًا
بمسؤولياتهن وبفطرتهن المعطاءة- دخلن بجدية إلى العمل العام من خلال منظمات
المجتمع المدني، ومن خلال العمل الفردي، ابتداءً من الحي والقرية، مرورًا بالمدن
والتجمعات الإقليمية والعالمية رغم الصعوبات التي تعتريها، والتي تتمثل في الفقر
وعدم رعاية الدولة فعليًّا للعمل الطوعي والمدني، وعدم تقديم الدعم المادي والفني
لها.
العادات والتقاليد والدين
● وما أشكال وصور هذه التفسيرات الحاجبة للمرأة السودانية عن ممارسة دورها
التطوعي والخيري؟
-من المعلوم يقينًا أن الدين الإسلامي الحنيف هو
دين واحد، لكن مشكلتنا أن هناك تفاسير وقراءات مختلفة لهذا الدين الواحد، والمشكلة
الكبرى أنها تختلف باختلاف القبائل والأقاليم وباختلاف العادات والتقاليد، ففي غرب
السودان مثلًا نجد المرأة تعمل خارج المنزل في مختلف المهن من زراعة ورعي وبناء
وتجارة بزيها التقليدي وهو «الثوب السوداني» وفق ضرورات
الحياة، حيث يقوم الاقتصاد بالأساس على عمل المرأة، في حين نجدها في شرق السودان مُتحفظة
ومُتحفظ عليها، وقلما تخرج من المنزل وهي في الغالب تغطي وجهها، والمرأة في وسط
السودان لها أيضًا طقوس وعادات مختلفة عن شقيقتها في الشمال، وأخطر
شيء أنه يتم إضفاء القدسية على بعض العادات والتقاليد بدعوى أنها من الدين، والدين
منها براء، وهذا بالطبع يتطلب من العلماء والدعاة أن يحملوا مسؤولياتهم في نشر
الثقافة الإسلامية الوسطية، حتى لا تقع المرأة فريسة بين الإفراط والتفريط.
● في ضوء ذلك.. ما دوركن في مؤسسات المجتمع المدني لتصحيح هذه المفاهيم؟
- لا نتوقف عن بيان الموقف الصحيح للإسلام من
قضايا المرأة، خاصة أن مفاهيم العمل الاجتماعي والمسؤولية الاجتماعية كالتعاون
والبر حثّ عليها الإسلام في القرآن الكريم والسُنة النبوية، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى
الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج:
77)، وقوله ﷺ: «كلكم راع وكلكم
مسؤول عن رعيته»، وقوله أيضًا: «خير الناس
أنفعهم للناس».
ومن الملاحظ أن التكليف الرباني بفعل الخير والحديث النبوي لم يفرق بين رجل
وامرأة، إنما أطلق القول عامًا مخاطبًا به بني الإنسان، ومعلوم أن العام يبقى على
عموميته ما لم يرد ما يقيده، بهذا الفهم يتعاظم دور منظمات المجتمع المدني ودور
المرأة على وجه التحديد.
دور المرأة في النهضة
● ما الدور الذي تضطلع به المرأة السودانية للإسهام في نهضة بلدها؟
- مما لاشك فيه أن المرأة تمثل 50% أو أكثر من
تعداد المجتمعات المختلفة، وهذا يشكل في حد ذاته مبررًا قويًّا ومنطقيًّا لمشاركتها
في كل مناحي الحياة، باعتبار أن المجتمع يتقاسمه الرجال والنساء معًا، فضلًا عن أن
المرأة إنسان كامل بعقل وروح وجسد، لا ينقصها شيء من مقومات الإنسان، ولا ينبغي
الحجر عليها تحت أي ادِّعاء، بل يجب أن يمنحها ذلك الدور العظيم درجات إضافية وحق
امتياز في مشاركتها المجتمعية.
للمرأة في السودان دور عظيم في بناء المجتمع من منطلق مواطنتها، وإنسانيتها
الكاملة وقدرتها الفطرية في العطاء تحقيقًا لهدف التنمية، هذا الدور لم يقتصر
على استجابتها عند وقوع الأزمات بل تعداه إلى محاولاتها للقيام بدور أساس في تشكيل
المجتمع، ولكن هذا الدور لن تستطيع المرأة السودانية القيام به إلا إذا أفسح لها
المجال الذي تستحقه بأن تكون مشاركة في القرار بنسبة مُقدرة تعكس حجمها في تلك
المجتمعات.
لذلك فإننا لن نبلغ التنمية المبتغاة إلا إذا شاركت المرأة فيها بفعالية، وما
فشل التنمية في كثير من بلاد العالم إلا لغياب الرؤية الشاملة كتركيزها فقط على
التنمية الاقتصادية وإغفالها الجوانب الاجتماعية والقانونية، أو اعتمادها على
تنمية الرجال دون النساء، أو إتاحة فرص التعليم للمدن دون القرى.
التحديات وسبل المواجهة
● إلى جانب العادات والتقاليد.. ما العوامل الأخرى المعيقة لحركة المرأة في العمل العام وخاصة الخيري؟
- هناك التشريعات التي تحد من مشاركة المرأة، وربما تميز ضدها، فضلًا عن غياب
التشريعات الحمائية كالقوانين التي تكفل للمرأة الرعاية الصحية والدواء والغذاء.
● وكيف يمكن التغلب على هذه التحديات ومن ثم النهوض بأوضاع المرأة وتفعيل
دورها المجتمعي؟
- لكي تتمكن المرأة من أداء دورها والوفاء
بمستحقات ذلك الدور لابد أن يتم تسكينها في وضع يتيح لها ذلك، وهذا يدعونا لمراجعة
أوضاع المرأة في مجتمعاتنا والتعرف على العوامل والأطراف التي تعوق حركتها، وتحد
من انطلاقها، وإضعاف مشاركتها في العمل الخيري والطوعي.
وتفعيل دور المرأة يتطلب أيضًا التصالح مع الذات والاعتراف بدورها في مناحي
الحياة كافة، وتنقية الدين من العادات والتقاليد الذميمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل