; التعليق الأسبوعي: الحكام العرب بين المأزق والمخرج | مجلة المجتمع

العنوان التعليق الأسبوعي: الحكام العرب بين المأزق والمخرج

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1974

مشاهدات 110

نشر في العدد 229

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 10-ديسمبر-1974

التعليق الأسبوعي: الحكام العرب بين المأزق والمخرج من أول يوم حدث فيه الاندفاع العاطفي العلني نحو أمریکا انتقدت «المجتمع» هذه السياسة غير الواعية. ولكن المندفعين، راحوا يواصلون الهرولة ولم يلتفتوا- في غمرة هذا الاندفاع العاطفي- إلى الناصحين. وطغى على المنطقة جنون عجیب رفع أصحابه شعارات الثقة بأمريكا. وأن الحل بيدها، وأن تغيرات جذرية حدثت في السياسة الأمريكية لصالح العرب!! وكان اليهودي الصهيوني الملتزم، هنري كيسنجر، يستغل- إلى أقصى حد- هذه السذاجة السياسية، من أجل أن يؤمن للكيان الصهيوني أطول مدة من الزمن، وأكبر قدر من السلاح، وأعلى رقم من المهاجرين المقاتلين، ومن أجل إخضاع المنطقة كلها للسيطرة الصهيونية الجهنمية على أن تأخذ هذه السيطرة شکلًا أمريكيًا في الظاهر.. ونقول: في الظاهر لأن أمريكا منذ زمن بعيد تخضع للسيطرة الصهيونية، ولقد تعززت هذه السيطرة في الفترة الأخيرة بواسطة رئيس أمريكي يعلق على مكتبه ميدالية يهودية- رمزًا لدعمه للمنظمات اليهودية- ووزير خارجية أمريكي.. يهودي النسب والتربية والالتزام الحركي. ونائب رئيس سخر أمواله الضخمة في خدمة اليهود. وترأس لجنة عليا لإعادة اليهود الذين كانوا قد تنصروا.. إلى الديانة اليهودية.. كذلك بواسطة شتى الأجهزة والمؤسسات. وقبل قليل صرح رئيس الأركان الأمريكي بأن «مجموعات الضغط اليهودية تمارس نفوذًا لا حدود له في المراكز المهمة في الولايات المتحدة». اليهود يدیرون أمریکا. وأمريكا تدير الشرق الأوسط. هذه هي فلسفة كيسنجر.. وبواعثه وأهدافه. والواقع العملي يؤكد ذلك. فماذا ربح العرب من نشاط کیسنجر غير الوعود والخداع والسراب؟ فإذا سألنا ماذا ربح اليهود.. عرفنا أنهم ربحوا كل شيء يريدونه. ونضيف إلى ذلك سؤالًا آخر هو: ما هي مقومات الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة؟ مقوماتهم هي: العنصر البشري- السلاح- المال- العلم. ونستطيع أن نقرر بهدوء أن اليهود قد حصلوا من أمريكا على ما يعزز هذه المقومات ويثبتها. • فالكونجرس الأمريكي بزعامة الصهيوني جاكسون أمن للكيان الصهيوني مددًا بشريًا ضخمًا. عبر هجرة من الاتحاد السوفيتي إلى فلسطين المحتلة. ومقابل ذلك فتح الكونجرس مخازن القمح الأمريكي للروس. ووعدهم بمعونات أخرى في أكثر من مجال. ومنذ خمسة أيام صرح هنري كيسنجر بأن أي خطوة من الاتحاد السوفياتي تحاول الحد من كمية المهاجرين اليهود.. ستقابل بخطوة مماثلة من أمريكا.. وهي الحد من القمح والمعونات الأخرى. • وفتحت أمریکا مخازن أسلحتها أمام العدو؛ ليأخذ منها ما يشاء، بل جردت لواءات بكاملها من السلاح.. من أجل توفير نوع معين من الدبابات للعدو. • وبعد حرب أكتوبر- أي خلال ١٤ شهرًا- زودت أمريكا الكيان الصهيوني بـ ٨ ثمانية مليارات دولار. • وبعد حرب أكتوبر أيضًا عقدت بين الطرفين عدة اتفاقيات علمية تدعم أمريكا بموجبها الكيان الصهيوني بالعلم والتكنولوجيا.. أجهزة وأسرارًا ورجالًا!! • في الجانب الآخر ماذا فعلت أمریکا • بذلت جهودًا مستميتة؛ لتمزيق العالم العربي.. عن طريق تكريس حلول جزئية انفرادية. - المصريون وحدهم - السوريون وحدهم - الفلسطينيون وحدهم - الأردنيون وحدهم وهذه الخطة تبتغي تفتيت دول المواجهة وتبديد الجبهات المحيطة بالعدو. • وفي جبهة النفط حرضت أمريكا الدول المستهلكة وكتلتها في اجتماعات متتابعة؛ لضرب منظمة الأوبك وتشتيت أعضائها، و روجت في العالم بدعة ذميمة هي: أن عرب البترول يحاولون تدمير الحضارة العالمية! • وفي جبهة الضغط النفسي والتهديد العسكري أطلق الأمريكان تصريحات استفزازية تهدد بالتدخل العسكري المباشر.. أو بإحداث انقلابات داخلية.. وأيدوا تصريحاتهم هذه بمناورات بحرية في الخليج العربي والمحيط الهندي. • وعلى مستوى المنظمات الدولية، وقفت أمريكا إلى جانب العدو في الأمم المتحدة وصوتت لصالحه.. وحين قطعت منظمة اليونسكو معوناتها عن العدو- بسبب استهتاره بالتراث الديني في القدس- هددت أمريكا بقطع معوناتها عن اليونسكو!! هذه هي- باختصار شديد- مواقف أمریکا من قضايانا ومصالحنا. وهي مواقف.. لیست معادية فحسب.. وإنما هي كذلك تنطوي على استخفاف مهين.. بكرامتنا. ورغم ذلك فإن عربًا مجانين ما زالوا يهرولون نحو أمریکا ويطلبون منها حلًا عادلًا. ونحن نعلم أن وراء ذلك علتين دفينتين: • العلة الأولى: إن بعض الناس قد تحجر تفكيرهم وتوقف عند الأربعينات. فتوهموا أن أمريكا هي القوة الوحيدة النافذة في المعترك الدولي، وأنها هي الدولة الأغنى والمكتفية ذاتيًا. وهذا تفكير متخلف إلى درجة النفور. فعبر ربع قرن من الزمان تبدل العالم..... وظهرت قوى جديدة غيرت موازين القوى. فلم تعد أمريكا مكتفية ذاتيًا بل إنها ستستورد في مطلع الثمانينات نصف حاجتها من المواد الخام.. من الخارج... ونزقها الجديد في العالـم يعبر عن حاجتها المستقبلية لمناجم المواد الخام في العالم الثالث. ولم تعد أمريكا أغنى الدول.. فبفضل النفط أصبحت الدول العربية المنتجة لهذه السلعة الاستراتيجية الاقتصادية أغنى دول العالم تقريبًا. وأصبحت أمريكا تقترض من العرب وتتسول أموالهم. لكن الذين ناموا منذ الأربعينات حتى اليوم. صحوا فجأة وراحوا يصيحون: أمریکا.. أمريكا، وهذه هي ضريبة تخلف الوعي والإدراك. • والعلة الثانية هي الإصرار على الخطأ. فقد زعم بعضهم وملأ المنطقة ضجيجًا بدعاوي.. الأمل في أمريكا.. فلما تبخرت هذه الدعاوي تحت وطأة الحقائق الراسخة والوقائع الضاغطة.. عز عليهم أن يغيروا آراءهم، وأن يبدلوا أفكارهم، فعاندوا وأصروا واستكبروا استبكارًا ومن عدم الاحترام للأمة أن يرتبط مصير الناس بعناد شخصي يؤدي إلى الإصرار على الخطأ. المثل السيء وغياب الموقف الشجاع الذي يجابه استهتار أمریکا بمصالحنا، ولد مثلًا سيئًا وصورة رديئة عنا.. أمام دول أخرى. فما دام العرب لا يثورون لكرامتهم. فما المانع من أن نتسلى بهم نحن أيضًا!! كان ذلك منطق بعض الدول الأوروبية. فعلى الرغم من حاجة هذه الدول إلى نفطنا وأموالنا. إلا أنها اتخذت لها مكانًا في صفوف المستهزئين بنا. • ولسون رئيس وزراء بريطانيا يدافع مجددًا عن وعد بلفور أي عن سبب الكارثة. ويحضر مؤتمرًا صهيونيًا لدعم الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة. • ألمانيا الغربية تقف بصراحة في الأسبوع الماضي ضد حقوق شعب فلسطين ومصالحه وضد شخصيته وكيانه. • هولندا.. رفضت الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وطالبت الأمم المتحدة يوم السبت الماضي بشجب الموقف الذي وقفته منظمة اليونسكو ضد العدو. وقالت هولندا: إنها ترد على موقف اليونسكو بزيادة التعاون العلمي والفني والثقافي بينها وبين العدو اليهودي. • سويسرا تفاجئ العالم كله بتحويل الأموال السرية المودعة في بنوكها لصالح المنظمات الصهيونية. ولا شك أن تهاون العرب في اتخاذ موقف جاد حازم ضد الاستهتار الأمريكي هو الذي أطمع الآخرين في المساهمة.. بالاستهزاء بنا. وهذا هو مأزق الحكام العرب. فما المخرج؟ المخرج الوحيد : إعداد الأمة كلها للجهاد.. جيشًا ومدنيين وتربية وإعلامًا واقتصادًا.. كل شيء ينبغي أن يعد للجهاد الطويل.. بنية النصر للإسلام أو الشهادة في سبيل الله . وثقوا.. أن هذه هي المعادلة الوحيدة التي تحير الخصوم. وتقلب حساباتهم كلها رأسًا على عقب: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة : 52) ولكن هذه المعادلة لن تتحقق حتى يكون: الله.. قبل الكرسي والإسلام.. قبل المجد الشخصي والعقيدة.. قبل الهوى والأمة.. قبل الزعماء والحكام ونؤكد لكم أنه ليس هناك طريق أمامكم إلا هذا. فإن سرتم فيه فإن الأمة ستلتف حولكم. وتجاهد معكم حتى يكتب الله النصر لهذه الأمة أو تذهب شهيدة. وإن عجزتم عن ذلك فإن الأمانة تقتضي الانسحاب من هذا الموقع حتى لا تؤتي الأمة من قبل هذا العجز.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل