العنوان رسائل الإخاء- المسلمون والصراع العالمي المعاصر
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993
مشاهدات 84
نشر في العدد 1055
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-يونيو-1993
تحديات الصحوة بين الاستهداف العالمي والواقع الداخلي
إن الصحوة الإسلامية تواجه في هذا الزمن أخطر مراحلها، حيث انطلق
السعار المجنون والعداء المستحكم المحموم في مواجهتها، وفي محاربة الإسلام نفسه
والهجوم عليه ونقضه، وطرح الديموقراطية بمفهومها الغربي الليبرالي والتحرر في
المفاهيم الاجتماعية في بلاد المسلمين وذلك من خلال شبكة واسعة متداخلة وعلى مستوى
عالمي من الاستراتيجيات والتقنيات وأجهزة الرصد والمعلومات ووسائل الاتصالات
وأجهزة المخابرات والجامعات ومعاهد الدراسات الاستراتيجية ودراسات الحرب والسلام ومؤسسات
الحوار والعلاقة بين الشرق والغرب ومراكز دراسات المستقبل.
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ
يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ (البقرة: 217) لقد تغيرت
موازين القوى وحشدت قوى الكفر ليصبح ملة واحدة في مواجهة الإسلام من خلال الدولار
ونظام الشرعية الدولية والتهود الذي أصبح سمة العصر.
أدوات الحصار وتفتيت البنيان الإسلامي
وصارت الحركات الإسلامية الملتزمة بعد حرب الخليج الثانية تصنف مع أو ضد
المصالح الغربية والشرعية الدولية، فتوصف بالإرهاب والضغط على الدول التي تتجه نحو
الإسلام والضغط لحل القضايا الإسلامية سياسيًا بغبن وظلم صارخ، وإبعاد الإسلام
والمسلمين عن مناطق النفوذ والوقوف ضد التنمية الحقيقية في العالم الإسلامي كالأمن
الغذائي والتصنيع أو زراعة الحبوب الرئيسية أو استيراد التقنية، وتدريب أجهزة
الأمن في بلادنا ودفعها لاضطهاد العناصر الوطنية المخلصة، والتنسيق مع القوى
الأخرى المحاربة الإسلام وإذكاء الروح الطائفية والقومية بين الأقليات وتكثيف نشاط
التنصير ودعمه واستغلال الشخصيات الطموحة والمريضة لإحداث
اضطرابات في بلاد المسلمين وإغراق الدول الإسلامية بالديون وإثارة الفتن والحروب
والسعي للسيطرة العسكرية من خلال التفوق التقني وتوريط الدول المستضعفة في إجراء
التدريبات المشتركة وتخزين السلاح في بلادنا مع الحرص على عدم الاستقرار في
المنطقة حتى تكون بحاجة دائمة وملحة للاستنجاد والاستعانة بالكافرين.
وإذكاء جذوة الخلافات السياسية والمذهبية والخلافات على الحدود بين
الدول المتجاورة وإيجاد حالة من فقدان الثقة واليأس في العروبة والإسلام والهزيمة
النفسية والقابلية للاستعمار.
والتحكم في المنظمات الدولية، السياسية كالجمعية العامة للأمم
المتحدة، والاقتصادية كصندوق النقد والبنك الدولي والأمنية كمجلس الأمن والتعليمية
كاليونسكو، والصحية كمنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر، والإنسانية كمنظمات
وهيئات حقوق الإنسان وهيئات الإغاثة التي تأخذ من أموال المسلمين وتوزع عليهم باسم
الصليب أما اليهود فهم كل يوم مع المسلمين في شأن خطير فالمساعدات السياسية
والمالية والعسكرية تنهال عليهم ومواكب اليهود يؤتي بهم من كل صوب لفيفا إلى أرض
الميعاد والهلاكَ، فيدعمون بالأسلحة المتطورة وأدق أنظمة المعلومات ليكونوا أكثر
نفيرًا وعدم إدانتهم بأي جريمة أو انتهاك. ووصف من يقف في وجهها بالإرهاب، وقد حصل
مؤخرًا أعنف الفتن التي أذهلت المسلمين وأفقدتهم صوابهم وتوازنهم، وعرت جوانب
قصورهم.
شروخ في جسد الأمة وأزمات الفهم
ولقد كان من نتيجتها زيادة التجزئة في الأمة الإسلامية والانقسام بين
الحكام من فقدان الثقة والانسجام والإحساس بالعجز والضعف في مواجهة التحديات التي
تحيط بدولهم وشعوبهم ومكتسباتهم وسلطتهم، وبين العلماء والفقهاء والمفكرين واتساع
شقة الخلاف في استيعاب الأحداث والحكم عليها وتحديد الموقف الفكري والسياسي
تجاهها، وبين الشعوب من وضوح البغضاء والتوتر والحساسية، وبين المنظمات الإسلامية
والوطنية والقومية وبين الهيئات والمؤسسات والحركات الإسلامية والمدارس، والمساجد،
والأئمة، والخطباء.
بحيث كانت فتنة عامة لم تدع حليمًا إلا حيران وكان من نتيجة ذلك أيضًا
زيادة الهيمنة والضغوط على الدول العربية والإسلامية والتدخل في شؤونها الداخلية
باسم الأمم المتحدة والتحكم في الأنظمة الأمنية في العالم الإسلامي والضغط الشديد
على قضايا الجهاد الإسلامي في الأمة سواء في أفغانستان أو فلسطين أو كشمير أو إريتريا
والضغط على البرامج النووية في العالم الإسلامي كازاخستان وباكستان وتشجيع
المحادثات الثنائية والمباشرة والمتعددة الأطراف مع الكيان الصهيوني ودفع الأمة
كلها إلى الاعتراف الواضح بإسرائيل وبحدودها، ورفع المقاطعة الاقتصادية والإعلامية
وتطوير أنظمة دفاعية وهجومية مشتركة وسحب المياه للزراعة من أثيوبيا وتركيا
واستئناس وترويض الدول الإسلامية الكبرى مثل مصر وتركيا وباكستان وتعميم كعب ديفيد
على الجميع بالتساوي وحذف عداء اليهود من مناهج التعليم وأمركة العالم بالعقيدة
والنظام المادي، والتسابق على الربح والمظاهر وما كان ليتم هذا كله إلا بسبب
الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة على جميع المستويات من ضعف العقيدة والإيمان
والملك العضوض، والاستبداد السياسي والأحزاب العلمانية الظالمة التي لا تزال تجثم
على صدور شعوبها أو من ثورات قبلية وشعبية غاشمة فتكت في الشباب وأورثت بلادها
المجاعة والخراب واضطراب المفاهيم والخلافات الدينية والمذهبية وسيطرة الشركات
الأجنبية، والتنازع والتجزئة الحزبية والفقر والجهل والمديونية والمرض والبطالة
والإلحاد والعلمانية، والاستلاب الفكري والثقافي وكثرة القضايا التي تثقل كاهل
الأمة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وهجرة العقول النابهة، وإهمال السنن الكونية
الحديثة، والانغماس في الترف والنزوع إلى الكماليات وضعف الإنتاج، والجدل العقيم،
وإهمال العمل الجاد الصواب الخالص والتقليد والإعجاب بالخصم والأعداء، والفساد
والرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ والاستعمار الجديد والوصاية الأجنبية
والاحتلال.
جذور المحنة وبصيص الأمل
وسبب هذا كله سوء فهم الإسلام وجحود الحكام وضعف العلماء وإهمال الأمر
بالمعروف والخضوع للضغوط وإهمال فريضة الجهاد وكانت كل هذه الآثار نتيجتها سيادة
المناهج الوضعية وقبول الطغيان وتعميق مفهوم الحزبية والإقليمية والفطرية
والعرقية، وضعف روح الجهاد وطمس معالمه والتبعية للغرب خاصة بعد انهيار الشرق
ومقاومة حركات الإصلاح من أهلها وتناقص الأرض الإسلامية وصعوبة بناء الأمة من
جديد، ولكن الأمل بالله عظيم والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ
بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي
هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 105- 107).
اقرأ أيضا: