; القراءة الخاطئة لأحوال الأمة | مجلة المجتمع

العنوان القراءة الخاطئة لأحوال الأمة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997

مشاهدات 54

نشر في العدد 1262

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 12-أغسطس-1997

لماذا قراءتنا للحوادث وللوقائع وللحالات أصبحت مضللة وخاطئة، فمثلًا قراءتنا الخاطئة للحالة الإسلامية خلفت كارثة، وقراءتنا العبثية للحالة الوطنية شكلت داهية، وقراءتنا الخانعة للقوى العالمية كونت استسلامًا، وقراءتنا السطحية للحالة اليهودية عمقت فاجعة بكل المقاييس، وإذا أردنا أن نعرض لتلك القراءات واحدة تلو الأخرى نرى عجبًا، ونصوم رجبًا «كما يقولون».

فمثلًا الحالة الإسلامية المفروض أنها تمثلنا جميعًا لأنها مشروع الأمة وهويتها وعمقها الحضاري الذي لا تختص به فئة دون فئة أو يتبناه فريق دون فريق، وهو أيضًا مشروع الدولة ومهمتها وسياجها وأسسها التي عليها قامت وهو وكالة الأمة للسلطة ونيابة السلف للخلف، وأشعة التراث للحداثة ومدد البناء للفكر الناهض ومعين التميز للحضارة السامية، ومما لا شك فيه أن الواقع الإسلامي يشهد موجة متصاعدة من «التوجه للنهضة الإسلامية» تلف العالم الإسلامي كله من أرض المغرب العربي غرباً إلى إندونيسيا وماليزيا في أقصى المشرق.

وهي موجة توجه لفهم الموقف الإسلامي من الحياة، وبناء مجتمعات إسلامية على أساس من هذا الموقف، ثم ترجمة هذا الموقف إلى أنظمة ومؤسسات وقواعد للسلوك الاجتماعي وتشريعاته، وهي الموجة التي سماها أكثر مؤرخيها، وأكثر المشاركين فيها «الصحوة الإسلامية»، غير أن القراءة لهذه الصحوة قد أخذت مسارًا شاذًا وغريبًا، إذ احتمى كثير من المتخوفين من الصحوة بجهات داخلية وفي بعض الأحيان خارجية، واستعملوا في الإجهاز عليها كل الأسلحة، وساعدهم على ذلك توجه بعض السلطات للقضاء عليها والكيد لها، وركب كل فريق أخاه وحارب بسلاحه واستعمل مواقعه، ودارت رحى معركة استمرت أكثر من ستين عامًا، أي أكبر من عمر إسرائيل، ومازالت مستمرة، ويخشى بهذه القراءة من امتدادها إلى المستقبل فيكون جدير بهذا الصراع أن يحمل معه عواقب وأخطارًا تزيد الفرقة والشتات، وطلب الأمن في جوار الأقوياء من غير العرب والمسلمين، وتعطيل المشروع الحضاري والتنموي، وإلهاء الأمة عن عدوها الحقيقي الذي تقتضي مواجهته اجتماع كل القوى الشعبية والعلمية والأمنية والحربية، فإذا استمرت هذه الصراعات، ودامت هذه الحيرة حول تلك القضايا ولم تجد حلًا، تحولت سرطانات قاتلة ولا يمكن أن يحمل المستقبل للعرب إلا مزيداً من التراجع ومزيدًا من الضعف والعزلة والهزال، لأن المشاكل الفكرية لا يمكن حلها أمنيًا أو حربيًا، وتاريخ الأمم زاخر بعشرات من القضايا الحالية، كما لا يمكن حلها بالعداوات والشتائم والاستهزاءات، ولا بالأهواء والنيات السيئة ومحاولة إلغاء الآخر، وإنما تحل بالإصلاح وبتحمل المسؤولية وبالديمقراطيات وإفساح المجال للجميع لإظهار إبداعاته وطاقاته، والشعب دائمًا يكون الحكم، وهو الذي يميز المفسد من المصلح، والطيب من الخبيث ولا يمكن أبدًا أن تحل بهذه القراءة الفوضوية التي على الساحة اليوم، التي يشترك فيها بل قل يوقد النار فيها فصائل عجيبة تمثل سركاً هزليًا، وأراجوازات ثقافية عبثية متنوعة منها فصيل السباب والشتائم والقذف والذي يحمل حنقًا وبغضًا وسيلًا منقطع النظير من الإثارة والهيجان يدعو إلى الرثاء والعجب.

حضرت مرة ندوة من الندوات قيل إنها فكرية تعنى ببحث أحد الاتجاهات الفكرية في الأمة وبتحليلها، وشاء حظي العاثر أن يكون المتحدث أحد الباحثين المناهضين للفكر الإسلامي، فقلت فرصة نسمع فيها تحليلًا مفيدًا، أو توجيها سديدًا، ولكني وللأسف رأيت وسمعت ما أذهلني، وكدت لا أصدق ما تسمعه أذناي وتراه عيناي، مما يتفوه ويتلفظ به الرجل من سباب وشتائم وافتراءات أظن أنها تعدت مفردات اللغة العربية إلى مفردات أخرى في لغات شتى، فتارة يصفهم بالمرتزقة والمتسلقة، والمستغلين، والمزورين والانتهازيين، واللاعقلانيين والانتقائيين والمدلسين، والكهنة، ثم وقفت به کلمات السباب العربية، فأخذ يصفهم بكلمات قد استوحيت من لغات أخرى مثل: الطوبويين، والماضويين، والبوتوبيين، والكليانيين... إلخ.

فقلت: هداك الله يا رجل، أنت لست باحثًا ولا مثقفًا أنت غير ذلك تمامًا، ولست منصفًا ولا موجهًا، بل أنت عكس ذلك بحق، ثم تمالكت ما تبقى لي من شعور وقلت لصديقي الذي يجاورني يظهر أننا أخطأنا في العنوان وأتينا مسرحية ساقطة من المسرحيات الهزلية التي يتبارى فيها أولاد الشوارع بسوء الأدب والسباب، وخرجنا آسفين على الثقافة المهترئة وعلى المثقفين الضالين وقلت بمثل هؤلاء تعمق العداوات وتؤصل الفتن، وتتمزق الشعوب، وينال منها عدوها، وبمثل هؤلاء تضيع الحقيقة وتتنافر الأفكار ولا تتلاقح ولا يستفاد من الرأي الآخر ولا يحترم كل ذي فكر أو توجه، وهذا هو الإرهاب الفكري بعينه، والقتل الثقافي بشحمه ولحمه.

وإذا تجاوزت هذا الفصيل، إذ بك تجد فصيلاً آخر من جامعي القمامة أو من حاطبي الخبائث وهم جماعة لا هم لهم إلا جمع المعايب هنا وهناك، وإلقائها في وجوه الناس مدعين أن هؤلاء وأولئك فعلوا كذا وكذا، وأن نياتهم سيئة، وأعمالهم مرائية، وأخلاقهم غير حميدة، ويظل هذا الفريق يفتش حتى عن النيات، ويعيب كل ما لا يوافق هواه، ولاشك أنه لا يمكن لأحد أن يدعي العصمة من الأخطاء، ولكن هناك كبائر مقصودة، ولاشك أن كل شريف منزه عنها، وهناك صغائر غير مقصودة والكل معرض لها، وتلويث الناس بالصغائر جريمة في حق المخلصين العاملين، وهناك فصيل آخر: لا شغل له إلا الوقيعة وإحداث الفتن والصيد في الماء العكر، وهذا من دواهي الأمة وسوء حظها العاثر أن يوجد فيها هذا الصنف، وأن يدرج على أرضها هذه القطعان الحقودة المدمرة والتي تريد أن تحرق الأخضر واليابس، وإذا تجاوزت هذا الصنف بليت بصنف آخر، ونوعية جديدة من المنافقين الذين يزينون الشر لكل راغب ويقدمون الهوى لكل طالب فريق «أنا جاهز» وتحت الطلب، ويدخل في هؤلاء فرق شتى فريق «شيلني واشيلك» وفريق «ترزية القوانين»، وفريق «علماء السلطة والفتاوى التمام» فتعظم بذلك الكارثة وتشتد المصائب بهذا الغثاء الفاضح وهذا الكم المحرق.

إن الأمة اليوم كما تحتاج إلى لم التشرذم القيادي، وإلى إزالة ما بين السلطات من عداوات وتناقضات تحتاج كذلك إلى لم التشرذم الفكري وإلى علاج هذا الانفصام الثقافي الذي يفتت التوجهات، ويضعف الانتماءات، ويهمش التربية ويضيع الاستفادة من العقول، ولا يستطيع ذلك أو يقدر عليه إلا سلطة مخلصة لها نظر، وقيادة حكيمة لها بصر، يساعدها على ذلك رجال صدق، وعقول سليمة من العلل والأمراض والأهواء، تستطيع أن تقرأ قراءة صحيحة لتوجهات الأمة وتطلعاتها وآمالها في الحرية والكرامة، وإفساح المجال لأصحاب الإبداع، إن على الأمة أن تجد حلًا لهذا الإشكال، وأن تتخذ لغة الحوار منهاجًا لها، وأن تمنع تحاور المدافع والسجون والقهر، وقد جربت هذه المظاهر وتعاملت مع هذه التوجهات سنين عددًا، فأصيبت بالفشل، ومنيت بالإخفاق، وأدى بها ذلك إلى جراحات عميقة في الأمة، وانتجت خرابًا منقطع النظير، وإرهابًا شل العقول والأفكار، وعقد الألسن وأفسح المجال لخفافيش الظلام أن تعيث في الأرض فسادًا، وتعمل عملها الماحق في الأمة، فزاد التخلف الصناعي، والتكنولوجي، والفكري، والهى الأمة عن جلائل الأعمال، وأوقعها في ثارات ومشاكل مع شعوبها، وفرغت الأمة من كل مضمون للتقدم، وكل عزم للنهوض وكل فكر للحضارة، فهل ستظل هذه التوجهات الخاطئة، والقراءات المضللة لتوجهات الأمة وهل ستستمر هذه العماية السياسية أم أننا سنعيد النظر في كل ذلك على ضوء من إشعاعات العقول، وأنوار الأخوة، وبروق الآمال... ويومها نكون قد بدأنا الطريق الصحيح وتوجهنا التوجه السليم الذي يقود إلى الغاية والهدف؟! نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :