; الافتتاحية: أم الفداء... ذكرى وعبر | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: أم الفداء... ذكرى وعبر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1983

مشاهدات 65

نشر في العدد 608

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 15-فبراير-1983

يرتعد القلم، إذ يريد أن ينقل صوت العقل في مأساة العصر، وصراخ الآلاف الثلاثين لا يزال يضج في سمع الزمان!

  • ويضطرب الفكر، حيث يريد أن يقول كلمة متزنة في عوامل المأساة، ودوافعها السابقة، ونتائجها اللاحقة!

  • و يهتز ما بقي من مسكة في العقل، إذ يفكر فيما جرى: كيف جرى؟ ولماذا؟

  • وعلى مدى سنة لا تعد شيئًا في عمر الزمان: يتساءل المرء: ماذا أفاد المسلمون من هذه الواقعة؟ وما اكتسبوا من العبر وحفظوا من الدروس؟؟

  • وتمتد الساحة وتنداح، لتسع أطرافًا كثيرة في القضية المتشعبة، ولكن الخصم واحد مهما تعددت الوجوه!!

...وتتكرر اللعبة، ولكن أين اللاعبون الفاقهون؟! وتنطوي صفحة جديدة، ثم لا يملك المشاهدون إلا أن يهتفوا ببلاهة الغافل المغفل: مسألة 

داخلية!!! واقتتال أهل فيما بينهم، فما دخلنا فيهم؟!

تلك المأساة:

  • ماذا نقول في مقام الذكرى الأولى لمأساة أم الفداء، زهرة الشام، عروس العاصي؟

  • أنعيد على الأسماع قصة ما حدث؟ وقد علم ذلك القاصي والداني؟

  • أم نكرر البيان بذكر الخسائر في الأرواح والممتلكات والمعابد والآثار، وقد صار عددها الهائل رقمًا معروفًا تتناقله الأخبار؟!

  • أم نفصل القول فيما قيل حول المأساة في الصحافة العربية والعالمية، رغم أسوار التعتيم والحجر والتضييق على تفصيلات أحداثها؟!

القضية الكبرى:

  • لكننا نتساءل: هذه الجريمة المروعة -على فظاعتها وضخامتها- هل هي قضية القتلى مهما كثروا؟؟

  • أم هي قضية المساجد والآثار والبيوت التي دمرت، مهما غلت؟!

  • أم إنها قضية المفاصلة بين الإيمان والحق والقيم والحضارة وبين الكفر والضلال والانحراف والانحطاط؟!

  • بلى... إنها قضية الإسلام قبل أن تكون قضية أي شيء آخر!! إنها جزء من قضية عامة يجب أن يعيها كل مسلم، حتى لا تأخذه تفصيلات الأحداث اليومية بعيدًا عن حقائق الصراع الممتد من يوم أن قال الشيطان للإنسان: اكفر!! إلى أن تقوم الساعة.

  • ولكنها -مع ذلك أيضًا- قضية أم ثكلت أولادها، ووالد فقد كل أهله، وأطفال عدموا النصير والعائل، وشرف كريم استبيح، وقيم نبيلة أهدرت، وآثار تاريخية مُحيت، ومساجد طاهرة دُكت، ومعالم حضارية أُبيدت!!...

للمسالة وجهان:

  • إنهما إذن مستويان من المعاني، يجب أن ندركهما معًا، وألا نغفل واحدًا على حساب الآخر.

  • المستوى الأول هو حقيقة الجريمة المادية التي وقعت... إلا أن كل مياه الكون لن تغسل أوضارها البشعة، وأن كل رياح العالم لن تعفي على ما خطته القنابل الآثمة من جراح في وجه أرضها الطاهرة!

  • والمستوى الثاني هو حقيقة العقيدة الصافية الصادقة التي تحملها أمتنا رسالة حق وخير وشاطئ أمن وأمان للعالم الحائر الضائع الممزق بين حراب العقائد الفاسدة، هذه العقيدة الكاملة الشاملة التي أظهرها إلى ساحة الواقع في العصر الحديث، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، نحسبهم كذلك ولا نُزكِّي على الله أحدًا، ولكن هذه الحقيقة الإيجابية مرتبطة منطقيًّا بحقيقة سلبية أخرى هي أن الطغاة المتجبرين الذين يريدون علوًا وبغيًا في الأرض فوق العباد، لن يقبلوا بأن تكون كلمة الله هي العليا وشريعته هي الحاكمة، ولذلك فإنهم يحاولون بكل وسيلة أن يمنعوا هذا النور الغامر من الانتشار، ولذلك أيضًا يسيرون على منهج أسلافهم من الهالكين المتجبرين، كفرعون ونمرود وغيرهم، قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: 68)، فيقتلون ناسًا ويحرقون ديارًا، ويخربون معالم، ويبيدون حضارات، وتستمر المأساة، وتتجدد الوقائع، وسنة الله ماضية في خلقه، ولكن كلمته هي العليا في نهاية المطاف، وأنف الكافرين راغم!!

العبرة:

  • يبقى شيء لا بد من ذكره، هو أن هذا الدم الحار الفائر الذي سال في مدينة أبي الفداء، وغيرها من بلاد المسلمين يجب أن يكون داعي وحدة لجمع الشمل وهاتف إخلاص لتحرير النية، في مسامع المسلمين جميعًا، حتى لا يضيع هدرًا، ويذهب هباء.

إيه عروس العاصي!!

تتراجع الكلمات أمام مأساتك الكبرى التي عاودتنا ذكراها السنوية الأولى في هذه الأيام، لتفسح المجال أمام اصطخاب العواطف، واحتدام المشاعر:

  • بالله، يا أنين نواعيرها، أما يزال فيك غصة الشجى، ولوعة الفقدان؟!

  • ويا نسيمات عاصيها، أما زلتن عابقات بندى أرواح شهدائها؟!

  • إذن: قفن وتحملن لواديها السلام، ولساكنيه الأمان، وذكرنها بأمجاد تاريخها عبر الأزمان، علها تتماسك من ضعف، وتنهض من هوان!! لتعيد إلى بياض صفحتها النصاعة، ولتعلن على رؤوس الأشهاد عودة الروح والأمل وانبعاث الأشواق للحياة الكريمة الحرة التي ما هدأ تيارها ولا فتر نبضها.

إنها أم الفداء:

تنهض من رماد القهر، ودخان المهانة، عَلمًا شامخًا يفقأ أعين النذالة، ويمسح ركام الانحطاط، ويعصف بالمتخاذلين!

وتنتفض من كبوتها، على وقع نواعيرها الشجيات وهن یرددن أنشودة الزمان:

حماة بها عز البطولة والندى *** وفيها على «العاصي» تدور «الدوائر»!!

لتضيف إلى كتاب مجدها صفحات بيضاء من بطولة أبنائها في العطاء دفاعًا عن بيضة الإسلام وإلى سجل أعدائها بضعة أحرف سوداء تلحق بموكب المنكسرين على حدود أسوارها الخالدة، ملعونة حيثما ذكرت.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1154

62

الثلاثاء 20-يونيو-1995

استراحة المجتمع (1154)

نشر في العدد 1229

78

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

استراحة المجتمع (1229)

نشر في العدد 633

71

الثلاثاء 16-أغسطس-1983

الأسرة: المجتمع (العدد 633)