; قصة قصيرة "ورقة خريف" | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة "ورقة خريف"

الكاتب نازك الطنطاوى

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

مشاهدات 74

نشر في العدد 936

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

في منتصف الليل، وبينما كانت ليلى تجهز نفسها للنوم، سمعت صوت أنين واستغاثة خارجة من إحدى غرف الفيلا فهرعت نحو مصدر الصوت، وكان خارجًا من غرفة أمها. فتحت الباب بلهفة وإذا بها تجد والدتها وهي مستلقية على السرير والعرق يتصبب من جبينها بغزارة. حاولت ليلى التكلم مع والدتها ولكن الأم متعبة جدًّا فلم تستطع أن ترد عليها؛ فما كان من ليلى إلا أن هرعت إلى الهاتف وطلبت الطبيب الخاص بالعائلة.

«أرجوك يا دكتور احضر حالًا والدتي في حالة سيئة».

هدأ الطبيب من روعها:

«سآتي حالًا فلا تقلقي».

ألقت ليلى سماعة الهاتف وأسرعت إلى غرفة أمها للاطمئنان عليها فرأت أمها وهي تحاول التنفس بصعوبة، وأخيرًا أشارت بيدها إلى النافذة لكي تفتحها علها تستنشق هواءً نقيًّا.

أسرعت ليلى إلى النافذة وفتحتها ثم أجلست والدتها التي كانت تحاول جاهدة التقاط أنفاسها ثم ما لبثت أن غابت عن الوعي.

صرخت ليلى من الخوف والدموع تغطي وجهها النضر ثم انكبّت عليها، وضمتها إليها بكل ما تستطيع من قوة وهي تقول:

«أرجوك يا أمي ابقي إلى جانبي لا تتركيني وحدي أواجه هذه الدنيا الغدارة فليس في هذه الدنيا غيرك أرجوك يا أمي».

وفيما هي على هذه الحال، رن جرس الباب فخفّت نحوه وفتحته وكان الطبيب...

رأى الطبيب الخوف والذعر في عيني ليلى الصبية الجميلة المدللة التي لم يتجاوز عمرها 20 ربيعًا فحاول تهدئتها ببضع كلمات، ثم انطلق يتسلق السلم المؤدي إلى غرفة الأم.

بعد فترة من الزمن، خرج الطبيب من عند الأم والحزن يغطي وجهه، سألته ليلى في لهفة محاولة إمساك دموعها:

«خير يا دكتور ماذا بها ماما؟»

رد عليها الطبيب متصنعًا الابتسامة والهدوء:

«اطمئني فهي أزمة قلبية خفيفة إن شاء الله وبعد أيام سوف تشفى وتعود إلى صحتها بإذن الله، ولكن لا بد من نقلها إلى المستشفى».

تساءلت ليلى بدهشة:

«ولماذا المستشفى يا دكتور إذا كانت حالتها بسيطة؟ وتأكد بأني سوف أرعاها وأكون لها مثال الممرضة الجيدة وكل شيء تأمرني به سوف أنفذه.. أرجوك يا دكتور اتركها في البيت».

رد عليها الطبيب:

«لا تقلقي يا بنتي فالمستشفى فيه أجهزة متطورة والعناية هناك أفضل». وفي الصباح الباكر كانت الأم في المستشفى وتحت العناية الطبية، أما ليلى فكانت في حيرة من أمر أمها التي لم تشتكِ من شيء. ومضت الأيام والأشهر والأم ما تزال في المستشفى تحت إشراف الأطباء ولكن حالتها النفسية كانت سيئة والأطباء وليلى يحاولون تشجيعها وبث الأمل لديها لعل نفسها ترتاح.

كان سرير الأم قريبًا من النافذة المطلة على حديقة المستشفى وكان أمام النافذة شجرة باسقة تحمل إليها أغصانها وأوراقها روح التفاؤل على أجنحة خضراء، وكانت الأم تستمد منها القوة والشموخ والكبرياء، ولكن الخريف ما لبث أن جاء وجاءت معه أوامره للأشجار بأن تخلع أثوابها الخضر الزاهية، والأم تراقب هذه الشجرة وتحزن عليها وهي تراها ترمي عدة ورقات إلى الأرض في كل يوم. وكان جميع الأطباء والممرضين يعرفون قصتها مع هذه الشجرة فتعلقها بها لم يعد خافيًا على أحد... أما ليلى فكانت كلما جلست مع والدتها حدثتها الأم عن تلك الشجرة قائلة:

«انظري يا ابنتي إلى هذه الشجرة فهي مثلي تمامًا كل يوم تلقي ورقة من أوراقها وأنا أيضًا كل يوم أخسر يومًا من حياتي فقد طال بقائي في المستشفى وأصبح شفائي بعيدًا ... إنني أخطو كل يوم نحو قبري ...» فقاطعتها ليلى: «ماما....»

فتابعت الأم: «أو يخطو قبري نحوي... فأنا لا أستطيع حراكًا...»

«لا يا أمي لقد اقتربت من الشفاء إن شاء الله».

«وكلها أيام وتخرجين من المستشفى معافاة وفي أحسن حال».

كانت الأم تسمع هذه الكلمات التشجيعية وفي قرارة نفسها قناعة بأن نهايتها قد اقتربت.

وفي يوم من أيام الخريف، جاءت ليلى كعادتها لتفتح نافذة غرفة أمها فأصابتها الدهشة عندما رأت الشجرة التي تتفاءل بها والدتها قد خلعت ثوبها الأخضر ولم يبق في أغصانها سوى ورقة واحدة فخشيت على أمها من أن ترى ذلك فأغلقت النافذة بسرعة إلا أن الأم أوقفتها وقالت لها: «لقد رأيت هذه الورقة الوحيدة فإذا ثبتت هذه الورقة أمام هذه الرياح العاتية ولم تسقط فسوف أصمد أنا أمام هذا المرض الفتاك وأشفى بإذن الله».

ومضت الساعات وليلى وأمها واضعتان أيديهما على قلوبهما خشية أن تسقط هذه الورقة... وأقبل الليل وكم كان هذا الليل طويلًا بعواصفه ورياحه على ليلى، لقد أمضته في تسبيح ودعاء لعل الله يثبت هذه الورقة ولا يدعها تسقط من أجل أمها المريضة التي لا أحد لها في هذه الدنيا.

وعند آذان الفجر، قامت ليلى إلى وضوئها وصلاتها، ثم غابت في ابتهالاتها وتضرعاتها إلى الله، والدموع تملأ مآقيها وتغسل وجهها الذي بدأ لونه يميل إلى الاصفرار نتيجة التعب والسهر والإجهاد والحزن.

وفي الصباح... وكالعادة... جاءت ليلى لتفتح النافذة ترددت عدة مرات في فتح النافذة التي ستهد كيان والدتها أو التي تبقي على الأمل في نفسها...

لحظت الأم التردد والخوف في ملامح ليلى فقطعت عليها ترددها آمرة:

«افتحي النافذة يا ابنتي».

فتحت ليلى النافذة ببطء شديد وكم كانت دهشتها عظيمة عندما رأت الورقة وقد ثبتت طوال هذا الليل العاصف ولم تسقط فأسرعت إلى أمها واحتضنتها وهي تبكي من الفرح لأن الله قد استجاب دعاءها.. ابتسمت الأم ابتسامة عريضة واحتضنت (طفلتها) والأمل في رحمة الله بشفائها يملأ جوانحها...

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

184

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

130

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم