; الخطاب الدعوي عن مآسي المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان الخطاب الدعوي عن مآسي المسلمين

الكاتب د. مهدي قاضي

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002

مشاهدات 74

نشر في العدد 1500

نشر في الصفحة 56

السبت 11-مايو-2002

 ينبغي أن يركز الخطاب الإصلاحي على الأمراض.. لا على الأعراض.

 تغيير واقع الأمة يبدأ بالفرد نفسه بالتزامه بالإسلام ودعوته غيره.

 على المصلحين إبانة التحديات التي تواجه الأمة وربطها بتصحيح المسار حتى تكون فعالة في إيقاظ المسلمين.

العديد من الخطباء والمحاضرين والكتاب والشعراء في وقتنا الحاضر وبالذات في مآسينا الأخيرة، لا يقومون عند الحديث عن مآسي الأمة بتذكير المسلمين بواجب العودة الى الله وواجب كل مسلم في تحقيقها بالشكل الواضح والكافي والمؤثر الذي يوصل هذه الحقيقة إلى كل المسلمين، مبيناً لهم بوضوح أن هذا هو الحل الحقيقي الجذري الموصل لتحقيق النصر، وإيقاف الماسي، وردع أعداء الدين، ومشعراً لهم بأن مسؤولية تحقيقه تقع على كل فرد مسلم.

ويبدو أن أثر الضعف في فهم بعض الأسس الإسلامية والضياع الفكري والتوجيهي الذي تعيشه أمتنا حاليًا قدْ أثّر أيضاً حتى على العديد من الدعاة والمصلحين: فرأينا البعض يتكلم ويكتب عن مذابح الأمة بنظرة فيها سمة التركيز على الحلول الجزئية بما فيها من الإكثار من نقد التوجه العالمي والتحدث عن الأسباب السياسية أكثر من النظر للخلفيات الشرعية والأهم من ذلك عدم التركيز بدقة ووضوح على الحل الحقيقي لكل هذه المآسي بالشكل الذي يصل إلى قلب ويقين كل مسلم «وليس إلى فكره فقط»، مشعراً إياه بواجبه في التغيير والعودة والدعوة إلى الله.

ما الهدف من البكاء؟

1- على الرغم من سرور قلوبنا بما نقروه ونسمعه من العديد من الصادقين من تألم على الواقع والجراح إلا أننا من كثرة الجراح، وفي غياب التذكير بالحل الحقيقي بوضوح أصبحنا نمل أحياناً من كثرة البكاء والتباكي، على واقع الأمة المتكرر، فهل الهدف هو البكاء. للبكاء أم الهدف البكاء والتألم فقط لجمع المال للمنكوبين؟ ولا شكّ في أهمية ذلك إلا أنه حل جزئي ووقتي خاصة إذا لم يرتبط بالحل الحقيقي؟

 فالمفترض أن يكون الهدف الأكبر من البكاء والتألم هو جعل ذلك شعلة للأمة للانطلاق نحو التغيير في واقعها والعودة إلى الله والدعوة إليه مبذلك تنتصر الأمة، وتحل كل مشكلاتها.

2- يتكلم الكثير من الخطباء والشعراء والكتاب وغيرهم عند تألمهم على المحن عن الجهاد وعزة الأمة ووحدتها ونخوتها.. ولا شكّ أن هذه أسس مهمة جِدًّا ونحن بأمس الحاجة إليها وبها بإذن الله يتحقق النصر ولكن..

كيف السبيل إليها؟ وهل وضح للناس كيف نسلك طريق الجهاد؟ وكيف النصر فيه؟ وكيف تحدث العزة والوحدة؟ 

هل نريد من المسلمين أن يثبوا فجأة للجهاد برغم كل العوائق وأهمها الذنوب والمعاصي ونتمنى أن يحدث ذلك؟ إن المخدر بشكل عام عادة لا يقوم فضلاً عن أن يثب وثوباً حقيقياً، ثم لو حصل الجهاد من أمتنا بدون تركها المعاصي ومجاهرة الجبار بها فلن يحصل النصر الحقيقي التام. 

ولا يخفى على الدعاة والمصلحين ما حصل في أمتنا من بعد كبير عن حقيقة دينها، ولا يخفى أيضاً ما يفعله المفسدون في الأمة حتى وصل الأمر إلى حد محاربة أوامر الله وتحكيم غير ما يرضاه ويجب أيضاً أن نوضح للمسلمين أن أمتنا لن تنتصر النصر الحقيقي حتى لو اتحدت طالما لم تطبق شرع الله وتحترم أوامره.

3- يكثر بعض الدعاة أحياناً من ذكر صلاح الدين وغيره من أبطال الأمة خاصة في الأشعار والأناشيد عند كلامهم عن مآسي الأمة، ولا شكّ في أن الأمة تحتاج إلى أمثالهم وبشدة. ولكن.. 

أن نجعل سبب مشكلات الأمة وكل مآسينا هو عدم وجودهم هذا فهم خاطئ وله خطورته من حيث إنه يصرف أنظار الأمة عن أمراضها الحقيقية التي تنخر في جسدها كما أوضح ذلك د. ماجد الكيلاني صاحب كتاب «هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس». 

ثم كيف يخرج لنا مثل صلاح الدين؟ هل ننتظر أن يوجد بيننا حتى ونحن على ما نحن عليه؟!

ثمار المنهج الإصلاحي

إن العودة إلى الله ومناهج الإصلاح هي التي تخرج لنا صلاحاً - بإذن الله - وصلاح الدين الأيوبي نفسه كان أحد ثمار المنهج الإصلاحي الذي عاصره وسبقه.

 ولا شكّ في أن ذكر صلاح الدين والأبطال مهم ونحتاجه ولكن ليكن وسيلة لتحفيز الأمة للعودة إلى الدين والنخوة له والجهاد الصادق في سبيله، وليكن حافزاً لنا لنكون على مثل ما كان عليه صلاح الدين من صلاح وتقوى سبق بطولته وإنجازاته، وذلك حتى يكون ذكره حافزاً في معرفة واجباتنا ومسؤوليتنا في الإصلاح لا أن يكون ذكره وذكر عدم وجود أمثاله شماعة يستغلها الشيطان لكي تلقي الأمة أخطاءها عليها بينما هي. سادرة في غفلتها ولهوها وذنوبها التي هي أساس مأساتها وكل التخبط والتفرق والضياع والهوان الذي تعيشه.

4- يبدو أيضاً أن استخدام الدعاة والمصلحين والشعراء مصطلح العودة إلى الدين بالشكل الذي يخاطب الأمة بشكل عام لا بشكل فردي مثل عبارة: عودي إلى الله، التي تخاطب الأمة وعبارة - الحل في عودتنا لما كنا عليه سابقاً، قد لا تشعر الفرد المسلم بواجبه في التغيير، خاصة مع وجود الغبش الكبير في فكر وسلوك أمتنا الديني فقد يعتقد الكثير من أبناء الأمة أنهم ليسوا هم المقصودين بهذه العودة، خاصة. مع وجود عدو الإنسان الكبير الشيطان الرجيم وشياطين الإنس الذين يلبسون على المسلم ويجعلونه يرضى بواقعه على الرغم من وجود التقصير الكبير الحادث منه.

أيضاً قد لا يكون واضحاً للفرد أن بداية تغيير واقع الأمة وعودتها إلى الله تقوم على الفرد نفسه بالتزامه الصادق الكامل وبدعوته غيره من أفراد المجتمع.

5- مما يدل أيضاً على أن خطابنا الدعوي ناقص ما نلاحظه من البرود والانتكاس العاطفي السريع والعودة للضلال واللهو الذي يحدث للأمة بعد فترة وجيزة من انتهاء إحدى نكبات المسلمين.

بل إنه مع استمرار الواقع وكثرة المذابح مازال الكثير من الأمة يلهو ويغني وينشغل بالدنيا والمعاصي، في الوقت الذي يرى إخوانه أمامه يومياً يذبح اطفالهم وتهدم منازلهم وينكل بهم أشد تنكيل.

٦- يبدو أن من أثار عدم تركيز الدعاة وغيرهم من المصلحين والغيورين على طريق النصر الحقيقي في خطابهم الدعوي أننا أصبحنا نرى العديد من الإنتاجات الطيبة التي كانت ردة فعل للمحن من مقالات وأشعار وكتابات وتوجهات كلها طيبة لكن أكثرها تلمس طريق النصر الحقيقي بإيضاح جيد لا بكلمات رنانة عامة.

 بل إن بعض ردود الفعل تجاه المحن سواء كانت نثراً أو شعراً أو خطابة أو غير ذلك كانت تتكلم عن المحن بالطريقة التي يتكلم بها أي، إنسان يضيع عليه مجده أو وطنه أو ينتهك عرضه ودمه فبعضها جاف من المعاني الإسلامية، ومعاني العبودية لله.

ما نتمناه في خطابنا الدعوي عن المآسي

1- أن يكون مركزاً على الحل الأساسي الأهم والأجدى حسب ما عرفنا من السنن الربانية التي عرفنا بها علماء الأمة وسلفها الصالح، وأن يركز على علاج مرض أمتنا أكثر من التركيز على علاج أعراضه وأن يكون استمرا لا منقطعاً حتى لا يكون فقط ردة فعل نأخذ وقتها ثم تبرد وتنتهي.

۲- نتمنى أيضاً من الخطاب الدعوي - ندما يوضح أن نصرنا بالعودة إلى ديننا - أن كون خطابه معروضاً بطريقة مفصلة دقيقة نبين لكل فرد كيف يكون دوره في العودة التغيير- لا أن يكون الخطاب بكلمة عامة فقط تشعر الفرد بدوره ومسؤوليته في تحقيقها بل وتؤدي أحياناً إلى أن يصبح! الفرد ممن يقول ما لا يفعل، فهو قد يتغنى بأن الحل في العودة لكنه بعيد عن تحقيقها وعن معانيها وواجباتها.

فنحن نتمنى أن تكثر الكلمات القوية والأشعار المؤثرة التي تجعل الفرد المسلم يخرج منها بخطوات عملية عمّا ينبغي أن يفعله هو بنفسه لتغيير واقع امنه لا أن يخرج فقط بحماس وانفعال قد يبرد سريعاً فأمتنا تريد عملاً وعاملين.

3- نتمنى أن يشعر الخطاب الدعوي والإصلاحي المسلمين بالتحديات الرهيبة التي تواجه الأمة ويربطها بضرورة تصحيح المسار والإصلاح حتى يكون الشعور بالتحدي فعالاً في إيقاظ المسلمين وعودتهم. وقد كان الشعور تغيير حياة كثير من شعوب بالتحدي فعالا في:

العالم بعد نكبات المت بهم اليابان أحد هذه الأمثلة.

4- حبذا أيضاً لو كان في خطابنا الدعوي نثراً كان أو شعراً أو خطابة - تذكير ببعض المذكرات التي انتشرت في الأمة. وهذا أفضل من العموميات، لكي يتضح للفرد المسلم نقاط خلله وتقصيره ومن ثم يكون خطابنا أقوى في النتيجة العملية الناتجة عنه بإذن الله. 

5- نحن في حاجة كبيرة إلى الخطاب الدعوي الذي يربط مآسينا وكل أمور حياتنا وانفعالاتنا وتحركاتنا بعبوديتنا لله تعالى، فهذا هو الأصل الذي ربانا الإسلام عليه وأمرنا الله به وخلقنا من أجله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: 162:163]. 

٦- صدق الإخلاص لله في أمورنا مع التزامنا بالنهج الصحيح هي بالطبع من أهم أسباب نصرنا لكن حميتنا وغيرتنا عندما نرى ذبح إخواننا ينبغي أن تكون مربوطة بعبوديتنا لله، فتسعى لإيقاف ذلك؛ لأنه يغضب ربنا سبحانه ويعوق نشر دينه وتحقيق خلافة الإنسان في الأرض لا أن يكون غيرة وحمية أرضية فقط. 

ختاماً

أقول لكل غيور قال أو كتب كلمة قوية مؤثرة وذرف الدموع تأثراً بالماسي وكتب الكلمات الحارة أكثر الله من الصادقين الذين يوضحون للامة نهج الحق والصلاح بصدق وغيرة تنتصر الأمة ويقترب فرجها.

 وإنكم عندما تتألمون لقلة الناصر المسلمين ثقوا أن النصر الأعظم سيكون - بإذن الله- عندما تعود الأمة لله، فيومئذ يعظم العطاء والتضحية من أمة عظيمة عاشت لله بمنهج الله وتضحي بالمال والأنفس رخيصة في سبيل الله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُ ونَبِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: 4:5).

الرابط المختصر :