; المجتمع الثقافي (1172) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1172)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1995

مشاهدات 86

نشر في العدد 1172

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 24-أكتوبر-1995

ومضة

لم يستغرب صاحبي وأنا أسرد عليه قصة التاجر العربي المسلم المقيم في الهند، والذي بحث عن مدرسة لأولاده ذات مستوى رفيع من حيث التعليم، والنظام، والسمعة، فلم يجد أفضل من تلك التي أخذت على عاتقها خدمة أهداف الكنيسة ومن ورائها مشاريع الدول الممولة لها، والساعية إلى بسط مزيد من السيطرة على العالم الثالث عن طريق مسح أدمغة الأطفال وحشوها ببذور القابلية لمفاهيمهم وأفكارهم، والانبهار -إلى حد الذوبان- بزخارفهم، ومن ثم الخضوع والاستسلام لهيمنتهم.

 هذا التاجر العربي غرَّه السمت العلمي والمظهر المتزن لتلك المدرسة، وصدق ما يقوله النصارى الغربيون العاملون في بلادنا عن التسامح، وأنَّ الدين مسألة شخصية لا يجوز المساس بها، أو التعرض لها، وهو شأن خاص له علاقة بإرادة الإنسان، وحرية اختياره، ولم يدر أنَّ هذه الشعارات ما هي إلا شباك ومصائد لاختطاف أبنائنا، واغتيال خصوصيتنا الثقافية و مسخ شخصيتنا الحضارية.

لذلك كانت صدمته عنيفة عندما استدعته المدرسة لتلفت نظره إلى أنَّ أولاده لا يمارسون الطقوس المطلوبة، والأدعية الجماعية المفروضة، حسب ما جاء في تقارير المدرسين، ومنهم مدرسي العلوم والرياضيات، قال الأب المذهول: لم أدخلهم المدرسة إلا لتلقي العلم، وأمَّا الدين فهو شأن خاص لا يليق بكم أن تتدخلوا به. 

أجابه المدير بانفعال ملحوظ: شأن خاص مادام الطالب خارج المدرسة، أمَّا إذا صار داخل أسوارها فهو عندئذ خاضع لنظام مدرسي كامل، وعليه الاستجابة لكل التعليمات والطقوس، والإيحاءات التي نبثها بين الطلبة، وخلال الدروس، وفي كل مناسبة. 

أدرك التاجر حجم التحدي الذي تشكله مثل هذه المدارس التبشيرية.. وراح يتساءل بمرارة، متى سيكون بمقدور مدارسنا الرسمية والأهلية أن تضاهي هذه المدرسة في تعليمها وإدارتها، وتتفوق عليها في احترامها لحقوق الإنسان وحرية اختياره؟

الشعر الإسلامي.. الإبداع والدعوة

بقلم: سناء الراشدي

امتلأت الساحة الأدبية بأدب عربي اللغة، غربي الثقافة والفكر والهوى، وانحرف الشعر في دروب المذاهب الغربية المنحرفة، فهذا شاعر ماركسي، وذلك وجودي، وهذا حداثي، وهكذا.. ثم كان الفرج حين لاحت في الأفق فكرة الأدب الإسلامي، وأشرقت شمس الإبداع الأصيل إبداع الشعراء الذين يشربون من ماء زمزم، ومن النبع الصافي كتابًا وسنة. 

 إنَّه الإبداع الذي يخرج من صُلب لغتنا الخالدة، وأدبنا الراقي، وعقيدتنا الصافية، وفرحت قلوبنا بشعراء إسلاميين كثيرين في شرق العالم وغربه، يصورون هموم الأمة ويفتحون أمامها أبواب الأمل والرجاء في الله.

ويحققون لها الإمتاع الفني والأدبي الأصيل.

 دفعني إلى الكتابة هنا تلك القصيدة الرائعة «خلا لك الجوء» للشاعر المبدع د.عبد الرحمن العشماوي، وقد أطربتني هذه القصيدة من حيث فنَّها الشعري، والإبداع فيها، كما أدهشتني من حيث الصورة الرائعة، ومن حيث الإشارات الصريحة إلى قضية السلام مع الصهاينة، وكأنَّ الشاعر في ذلك الوقت قد استشرف ما نراه هذه الأيام.

القصيدة من شعر التفعيلة، وقد سمعت وقرأت للعشماوي عددًا من القصائد من شعر التفعيلة فوجدت فيها الإبداع الكبير حتى إنه يصدق عليها مسمى السحر الحلال.

تبدأ القصيدة بصور متلاحقة مثيرة، لا يملك معها القارئ إلا أن يتمثل الواقع المؤلم، ولا يمكن للغافل إلا أن يصحو ويدرك خطر المؤامرة الكبيرة على الأمة.

يقول الشاعر:

سمعت بين الناس قائلًا يقول

الجدب سوف يأكل الحقول

والوهم سوف يأكل العقول

وسوف تأتي سنة ليس لها فصول

خريفها ربيع وصيفها شتاء

وحرها صقيع وغيمها صفاء

وسوف ترسم المفاجآت في وجوهنا الذهول

 وسوف يفرك الصباح راحتيه حسرة 

وليلنا يطول

هكذا تكون البداية مثيرة مرعبة تؤرق الإنسان الواعي وتصيبه بالذهول، لماذا يصنع شاعرنا العشماوي بالقارئ هذا؟ لماذا لم يترفق به وبمشاعره، ويبدأ معه بداية هادئة؟ إني أظن أنَّ الشاعر صنع ذلك لأنه يعلم مدى غفلة الناس في بلاد المسلمين، إنهم نائمون ونومهم ثقيل، فلن يوقظهم إلا هذه الهزات الشعرية المثيرة.

 وللعشماوي بيت يحمل هذا المعنى من قصيدته «رسالة إلى خالد بن الوليد». يقول فيه:

 یفنى رنين القوافي في حناجرنا

                       كأنما قومنا من غير أذان

إذن فالقوم لا يسمعون كأنهم من غير آذان..

فلا بد لهم من منبهات قوية لعلها توقظهم. 

ونتابع مع العشماوي قصيدته الرائعة «خلا لك الجوء».

سمعتُ قائلًا يقول:

القدس -عفوًا يا أحبتي- أقصد أورشليم 

تشاهد القتيل والجريح واليتيم 

تعيش تحت وطأة اللئيم

 وتشتكي من جرحها القديم

 يا ويلكم ما عاد يستثيركم صراخها الأليم 

عجبًا لهذا الشاعر المبدع، يقول لنا إنَّ صراخ القدس ما عاد يستثيرنا وهو يقول ذلك قبل توقيع اتفاقية السلام الأخيرة بأكثر من سنتين، بل إنَّ الأمر أعمق من هذا، حيث يقول شاعرنا:

سمعت أنَّ تاجرًا معلقًا بثوبه المعصفر

 يبيع تحت جنح ليله

 وجه صباح مسفر

 يبيع دون رهبة ويشتري

 أرأيت أيُّها القارئ العزيز كيف يصور الشعر الإسلامي البديع ما هو أعمق من الأمور الظاهرة

أمامنا، فهناك بائع يبيع وجه صباح مسفر أي أنَّه يبيع الكرامة ويبيع الوطن في جنح الظلام..

ثم يقول الشاعر:

يا قلم الحقيقة احذر

 قل ما يشاء القوم فقفْ

أما سمعت أحرفي تصيح في دفاتري؟

يا دولة اليهود زمجري وزمجري

وقدِّمي وأخِّري

يالك من قُبّرة بمعمر

 خلا لك الجو فبيضي واصفري

 ونقِّري نفری ما شئت أن تنقري

نعم.. خلا الجو..

ولكن النور موجود، وشعرك إشعاع من ذلك النور.

وهكذا يكون الشعر إبداعًا ودعوةً إلى الله فأين النقاد؟.

الندوة السنوية لرابطة الأدب الإسلامي حول أدب الوصايا والمواعظ

يعقد مكتب رابطة الأدب الإسلامي لشبه القارة الهندية، والبلدان الشرقية الندوة العلمية السنوية العامة «الثانية عشرة» حول موضوع «أدب الوصايا والمواعظ» وذلك في مدينة عظيم آباد «بتنه» في المدة ما بين 10 - 12 من جمادي الآخرة 1416هـ، والتي يوافقها 3-5 من نوفمبر 1995م.

ويرأس الندوة سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي- رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية. 

ومن محاور الندوة العلمية السنوية العامة حول «أدب الوصايا والمواعظ»:

أ - أدب الوصايا والمواعظ:

- الوصية ومنهجها الفني في الأدب العربي بالمقارنة بما في الآداب الأخرى. 

- أهمية الوصية كوسيلة للإرشاد والتوجيه في النطاق الفردي أو الاجتماعي المحدود.

- الخصائص الأدبية للوصايا في العهد الإسلامي الأول.

- تطور أدب الوصية في العهود الإسلامية الأخرى.

 - ظهور أدب المواعظ وخصائصها الأدبية.

 - كتب الوصايا وقيمتها الأدبية الفنية.

- كتب المواعظ وقيمتها الأدبية الفنية.

ب - شعر الوصايا والمواعظ:

رابعة العدوية- عبد الله بن المبارك – الإمام الشافعي - ذو النون المصري - ابن حمديس الصقلي.

 

المراسلات على عنوان المكتب الرئيسي: 

بلكنؤ، أو على عنوان محل الندوة، وهو: الأستاذ أبو الكلام القاسمي الشمسي مدير المدرسة الإسلامية شمس الهدى

بتنه - بيهار - الهند (۸۰۰۰۰٦).

هاتف وفاكس (٦٥٨٦٨٩ - ٠٦١٢).

عنوان مكتب الهند:

الهند - لكنهو ٢٢٦٠٠٧ - ص.ب ٩٣

تليفون ٧٢٢٢٦ – ٧٣٨٦٤

 

واحة الشعر 

شعر: الدكتور عبد الرزاق حسين

إلى الموقعين في البيت الأبيض على الورق الأسود لبيع موطني أقول :

موطني

مَوْطِني مَوْطِنُ الهِمَم            مَوْطِنَ السَّيْفَ والقَلَم

مَوْطِنِي مَوْطِنُ العُلا               نفتديه بِكُلِّ دَم

مَوْطِني مَوْطِنُ الأولى          رَفَعُوا مَجْدَنَا عَلَمٌ 

سهْلُهُ ضَاحِك الرؤى            والربا مِنْهُ تَبْتَسِم

وَسَمَاء تُظَلُّه                     تُبْرِئُ الأَكْمَة الأَصم

شدو أطياره به                 دُونَهُ الشَّعْرُ والنُّعَم

وَنَسِيمُ مُعَطَرٌ مِنْ               جنان الإله عم

خُضْرَةٌ يَكْتَسي بها              عَمْتِ السَّهْل والأكم

رقة الماء تَجْتَلِي                   كل داء وكل هم

مِنَنُ الله جمة                      وفيوض مِنَ النَّعَمْ 

مَوْطني حازَ رفْعَةً                   حَسَدَتْهُ بِها الأمَمْ

فَتَراهُ مُقدَّسًا                        والذرى مِنْهُ وَالشَّمَم

قِبَلةً كانَ مَوْطني                     وجَهَتْ نَحْوَهُ اللَّمَم

للرسالات مَوْطني                     نَبْعُهُ دَافِقَ عَمَمٌ

رسُلٌ فَوْقَهُ خَطَتْ                    قدمًا إثرها قدم

رُسُلُ اللهِ كُلُّهُمْ                      صَفُهُمْ قَامَ وَانْتَظَمُ

بالنبي محمد                           جَمْعُهُمْ خَلْفَهُ يُؤَمْ

فَهُوَ إسراء سيدي                ولباب السَّما اسْتَلَمْ

ذاكَ مَوْطِني خَلا                  مِنْهُ عابٌ خَلاهُ ذَمْ

إن حُبِّي لِمَوْطني                   ثَابِتٌ راسِخُ آشَمْ

 

تفاؤل

 شعر: نبيل بن أحمد آل الزبير بن العوام

سَيَأْتِي الضِّيَاءُ بِرَغْمِ الغُيُوْمِ … وَتَشْدُو الطُّيُوْرُ بِذَاكَ القُدُوْم

وَنَمْضِي سَوِيّاً عَلَى دَرْبِنَا … وَفِي كَفِّنَا شُعْلَةٌ مِنْ عُلُوْم

فَقُرْآنُنَا ذلِكَ القَائِدُ … وَتَفْسِيْرُهُ سَاطِعٌ كَالنُّجُوْم

وَفِي رُوْحِنَا سُنَّةُ المُصْطَفَى … وَفِقْهُ الشَّرِيْعَةِ عِلْمٌ يَدُوْم

وَتَوْحِيْدُنَا عِزَّةُ المُسْلِمِيْن … بِهِ قَدْ قَهَرْنَا عَنِيْدًا ظَلُوْم

فَلَا عُصْبَةٌ تَسْتَبِيْحُ الحَيَاة … وَتَجْعَلُ مِنْهَا دِمَاءً لَحُوْم

وَنَحْنُ الأُبَاةُ وَإِسْلاَمُنَا … بِهِ قَلْعَةُ المَكْرُمَاتِ تَقُوْم

سَتَأْتِي خُيُوْطُ الضِّيَاءِ عَلَى … سَمَاءِ الحَيَاةِ بِأَحْلَى الرُّسُوْم

وَنَرْحَلُ فِي مَوْكِبِ الفَاتِحِيْن… وَفَوْقَ الرِّكَابِ الطُّيُوْرُ تَحُوْم

فَإِنْ جَاءَنَا المَوْتُ لَسْنَا نَخَاف… وَفِي مَوْقِفِ الحَشْرِ تَأْتِي الخُصُوْم

قصة قصيرة 

بقلم: ذكريا التوابتي (*) 

أولاد الحرام

ملخص ما نشر

ألقى حسان بالصحيفة حانيًا رغم عناوينها المثيرة عن جرائم الاغتيال والمطاردات الأمنية، لأنَّ مشاكله الخاصة لا تدع له فرصة للانشغال بذلك الزواج.. لماذا لا يستطيع الزواج وقد بلغ من العمر ٣٥ عامًا؟.. متى يتزوج إذن بعد هذه السن المتأخرة؟ الفقر هو الذي يحول دون تحقيق هذه الرغبة، وهو يأبى أن يقرب الزنا .. الله سبحانه جعل كل شيء سهلًا ميسرًا، ولكن الناس هم الذين شقوا على أنفسهم ووضعوا للحياة نمطًا صعبًا.. يبحثون عن حقوقهم ولا يبحثون عمَّا يجب عليهم.. قضايا لا يريدون لها حلًّا إلا بالدماء.. لكن هل تحتاج قضيته هي الأخرى إلى حل دموي؟ هل يخطف واحدة ليتزوجها؟ أعاد حسان نظره إلى عنوان الصحيفة.. كان مغريًّا جذابًا .. جائزة عشرة آلاف جنيه لمن يرشد أو يمسك بذلك الإرهابي حيًّا أو ميتا!! هتف عشرة آلاف جنيه!! شاغل الخبر خياله، وبدت له صور الهارب في أوضاعها المختلفة، أمامية وجانبية، بلحية، وحليق.. قرأ الإعلان مرة أخرى: بالهارب علامات مميزة بالعنق وإحدى يديه.. أخذ يشغل نفسه بأمنيته التي يتحرَّق شوقًا إليها، لكن لو حصل على تلك الجائزة لتحقق المستحيل ولاستقرت حياته..

غادر حسان غرفته الصغيرة متجهًا إلى شاطئ النيل يتنسم هواء العصر، اتخذ مكانًا قريبًا من الكوبري الضخم الذي يصل بين الشاطئين، واستغرق في مراقبة شبان وشابات في أحاديثهم، شغل نفسه بالجمال الكوني حوله، فاستسلم لإحساس بالراحة.. لكنه لمح شبحًا منزويًّا أسفل الكوبري عند حافة الماء يتحرك بحذر، ثم يسكن ويبالغ في الانزواء.. تيقظت أحاسيسه، أيمكن أن يكون هو الهارب؟ نزل حسان قرب انزواء الشبح.. أخذ في الوضوء ثم جفف وجهه وبطريقة عفوية اقترب من الشبح وألقى عليه السلام، حاول الشبح أن يخفي وجهه وعنقه، اقترب منه حسان ثم أمسك به وقال: واجبي أن أسلمك للشرطة، أنت خارج عن القانون، وتهدد أمن المجتمع.. حاول الهارب صرف حسان بكل وسيلة لكن حسان أصر على تسليمه للشرطة، عند ذاك أخرج الهارب خنجرًا كان يخفيه ولوح به في الهواء مهددًا ليفسح لنفسه طريقًا للفرار قبل انكشاف أمره، لكن حسان أمسك به فبدا للهارب أنَّه لا مفر من استخدام الخنجر، فجرح ساعد حسان جرحًا غير عميق مما جعل حسان يلوي ذراع الهارب بقوة وعنف، ثم يغمد الخنجر في صدر الهارب الذي تفجرت دماؤه، ثم قال عبارته الأخيرة: لم أكن أنوي قتلك.. تجمع الناس وجاءت الشرطة وقُبِضَ على حسان وذهب إلى أمن الدولة..

نبت الشعر في وجهه، وبدا مشروع لحية يعلن عن ظهوره.. كان وجه «حسَّان» متورمًا وقد لقي من الضرب والمهانة ما يفوق تصوره، حتى نال التعب من جسده وروحه، وتلك النفس.. تلك النفس التي صرعها، لم يكن يقصد قتله، لكن الطعنة جاءت قاضية، عذابه أنه لا يحب ليده أن تتلوث بدم إنسان، لكنه الآن قاتل...

 سمع حركة فتح باب الزنزانة، وعلى عتبتها وقف جندي شاب، وهب واقفًا .. وبحركة تلقائية أخرج منديله وعصب به عينيه، واستجاب لقبضة الجندي وهو يسحبه من ذراعه، تذكر قضايا الفعل الشرطي المنعكس التي قرأ عنها كثيرًا في كتب علم النفس، وتجارب «بافلوف» الروسي على الكلاب والقرود والإنسان.. رغم وعيه بذلك فقد أحس بنفسه كأنه كلب أو قرد أو حتى فأر يستجيب لكل المؤثرات التي تصاحب عمليات التعذيب التي يتعرض لها، ولقد صار حيوانًا ...حيوانًا من حيوانات الملاعب..

وقف ووجهه للحائط، وصيحات الألم والصراخ، وعبارات التذلل واستجداء العطف والرحمة لا تنقطع، كانت أذناه تتلقى كل ذلك وقلبه يخفق بالرعب، والجلاد لا يكف لسانه عن السباب الفاحش البذئ، وتهديداته للضحية، لا تتوقف لكي يعترف بما يريد، في زنزانته كان يتساءل كثيرًا .. هكذا صنعوا من ذلك الهارب إرهابيًا رخصت لديه الحياة..

الآن يلقى هو نفس المصير، وخطاه وكأنها تسير على نفس الدرب خطوة بخطوة، لكنه لم يفكر يومًا في أن يكون خصمًا للحكومة، ولأنه يكره العنف ودمدمة الرصاص فهو يؤمن بأن الحكومة على حق دائمًا، وكل أمانيه كانت تنحصر في أن يتزوج يومًا ما، وتوقفت استغاثات الضحية وصراخها، وفكر أنه لا بد قد وقعت مغشيًّا عليها، لماذا عند كل مرة يُستدعى فيها للاستجواب يسمعونه ذلك الصراخ، وتلك الاستغاثات قبل أن يبدأوا معه؟ هل هو تسجيل مصنوع يقصدون من ورائه تحطيم معنوياته وإخافته؟

لم يطل به التفكير، وجاء الجندي ثم سحبه من قفاه، وعندما وقف أمام الضابط هتف فيه بصوته الغجري الزاعق.. أهلًا أهلًا .. هل نمت الليلة جيدًّا؟

غمغم «حسَّان» بصوت خافت... الحمد لله ...الحمد لله ..

نريد أن تريح نفسك وتعترف على أعضاء التنظيم، وتشرح لنا لماذا قتلت ذلك الـ ..؟ عذاب كل يوم.. لم يتوقف الضابط عن هذا التساؤل.. ولم يتزحزح «حسان» عن موقفه منكرًا لهذا الاتهام، وتلقى على جسده كل صنوف الأذى والضرب.

هتف به الضابط الغجري في سخرية.. هل حاولت أن تعتقله من أجل العشرة آلاف جنيه أم ولاءً للقانون والحكومة؟ 

كان يتملكه الخزي كلما سمع ذلك السؤال ولكنه كان يكذب مرددًا.. لو كنت رأيته قبل الإعلان عن الجائزة ما تركته.. لكنه كان يقاطعه وهو يصيح ساخرًا منه.. كذاب يا روح أمك .. أنا شخصيًا على استعداد لاعتقال أبي من أجل عشرة آلاف جنيه، بل خمسة آلاف.

كان شعور« حسَّان» بالمذلة والهوان أشد ألمًا عليه من الضرب الذي يتعرض له.. وجاءه صوت الغجري لينتزعه من آلام نفسه وهو يردد.. لو أنك لم تقتله لكان موقفك سليمًا. وكنت تستحق جائزة مائة ألف جنيه، لكنك قتلته يا بن اللئيمة.. لماذا؟

حا.. حاول قتلي.. وكنت أدافع عن، قاطعه صارخًا.. كفى يا ابن ال... كذاب مخادع، أكنت تدافع عن نفسك أم تريد أن تدفن سره معه؟

هتف «حسَّان» في فزع.. أنا لا أعرف شيئًا.. أنا لا يا بن الو... هو اتصل بكم، وجئت أنت للتخلص منه، ولولا أن أمسك بك الجمهور لكنا فقدنا أثرك، صاح «حسَّان» بما يشبه العويل، قلت لسعادتك أنا لا أعرفه، ولا صلة لي بأي تنظيم حرام.. هذا حرام..

 دمدم الضابط وأعلن الغضب.. كل يوم ونحن على هذا، لا .. سوف أعرف كيف أجعلك تتكلم يا بن ال...... 

كأن أبواب الجحيم تُفتح، وبدأت الآلة الجهنمية عملها، ووجد «حسَّان» نفسه معلقًا في الفضاء المحيط به.. كيف؟ لا يعرف كيف؟ واختلط السباب بكلمات التهديد والوعيد. وارتفعت استغاثة حسان حتى بلغت عنان السماء.. كان على يقين أنَّ رب الكون خالقه يسمع ويرى، لكنه في ظلمة الزنزانة كان يتساءل دائمًا .. هو قادر سبحانه، لكن.. لماذا تتأخر تلك القدرة عنه؟ أين المدد الإلهي؟ أين انتقامه؟

كان لا يفكر في غير الانتقام، لم يكن قادرًا على تجاوز تلك الرغبة بعد كل الأذى الذي تعرض له، فلم تكن أفاقه تستوعب معنى النصر أو الشهادة، ولا معنى الثبات على الحق، كان كل عالمه قد انحصر في رغبة مشروعة طمح إليه بغرائزه وفطرته كذلك، لكنه الآن يكاد يزهد في الزواج، توقفت الآلة الجهنمية وقد غاب عن الوجود، وفيما يشبه الرؤية كان يسمع صوتًا يردد.. دعوه اليوم فقد لا يتحمل جولة أخرى.

 في الزنزانة.. بكى وهو يفكر في مصيره، وذلك الضابط الغجري، إمَّا أنَّ غروره يصور له أن مصرع الهارب عملية مدبرة، ومن الغباء أن يظن غير ذلك، أو أنه يريد أن يصنع قضية ملفقة يثبت بها قدرته الخارقة وولاءه، وغمرت «حسَّان» الأحزان.. أفي سبيل ذلك يفعل به كل هذا حتى الموت؟

قال له الهارب قبل أن يموت.. إنك مثلي مهدد بالقتل.. إنهم أعداؤك دون أن تدري.. الآن يستطيع أن يؤمن بكل كلمة قالها الهارب، واستسلم لغفوة مليئة بالرؤى المفزعة…

وقف الجندي الشاب على عتبة الزنزانة، وأشار بإصبعه، وأسرع «حسَّان» واقفًا .. تناول المنديل ثم غطى به عينيه، وعقد طرفيه خلف رأسه، وسحبه من قفاه ومشى به وهو يدندن بأغنية هابطة المعنى لكنها تتردد كثيرًا على الأفواه، وما لبث أن وقف أمام الضابط، وطال الصمت هذه المرة، وتخيل كأن الضابط يريد النفاذ بنظراته إلى أعماقه، ورغم الظلام شعر بالتوتر والاضطراب، وأخيرًا هتف به الغجري: خير لك أن تنجو بنفسك.. اعترف وإلا قضينا عليك..

أقسم بالله يا سعادة الباشا ... قاطعه الغجري بصوت زاعق.. اتقسم بالله كذبًا .. لعنة الله عليك. وعاد الغجري يردد.. زوج صاحبتك الذي قتلته قالت أن آخرين كانوا يزورون زوجها، وأنها.. وأنها رأتهم.. هتف «حسان» قائلًا: هل هي رأتني؟ أنا على استعداد لمواجهتها.. وقال الغجري: ليس ضروريًّا أن تكون قد رأت كل أعضاء التنظيم.. لقد راوغتني كثيرًا ولن أصبر عليك أكثر من ذلك.. سأذيقك صواعق الكهرباء. 

والله لو كنت.. قاطعه في حنق وضجر: عدت للقسم بالله كذبًا .. يا كذاب

 فوجئ حسان بالأيدي تتناوله في قسوة وعنف، وأخذ يولول باكيًّا والله مظلوم.. مظلوم والله..

نار تلهب الجسد، وقلب تسرع نبضاته حتى ليكاد أن ينفجر، وعواء كعواء ذئب جريح يصدر عنه، وبذاءات غريبة على سمعه، من أين جاء بها ذلك الغجري؟! ثم تهديد بالموت مالم يتكلم بالحقيقة المزعومة.. شعر بكل خلايا جسده يكاد يحطمها زلزال، ظل حسان يصرخ ويستغيث حتى وهنت قواه، ولم يعد في جسده جزء متماسك، ولم يلبث أن انهار وغاب عن الوجود.

في الزنزانة رقد بلا حراك، وتوقف عن تناول المطعم والمشرب، لم يكن توقفه إضرابًا عن الطعام والشراب، فالمعدة والجهاز الهضمي كله قد عافا كل شيء يدخل إليهما.. وبدأ ميزان العقل يضطرب قليلًا.. بدا كأن خطاه تسرع إلى نهاية مبكرة على من كان في مثل سنه، وأخذت الأحداث والصور تختلط في مخيلته، رأى صوره في أوضاع مختلفة بالصفحات الأولى بالصحف تحت عناوين بارزة تعلن على جائزة بمائة ألف جنيه لمن يرشد عنه ويسلمه للشرطة حيًّا أو ميتًا، مائة ألف جنيه؟! جائزة تكفي لتملك شقة فاخرة والحصول على زوجة جميلة وتتحقق كل الآمال، ولكنه ود لو يهتف محذرًا.. هذا فخ منصوب لا تصدقوهم!

نعم عشرة آلاف جنيه فعلت به كل هذه الأفاعيل، فماذا يمكن أن تفعل المائة ألف جنيه بمن يسعى إليها؟

 قال له الهارب قبل أن يصرعه.. هل لو عرفت القضية التي بيني وبينهم أن تحكم بالعدل؟ لكنه رفض تمامًا مجرد التعرف على تلك القضية، كانت قضية حياته أن يجد زوجة وليس دون ذلك قضايا، وها هم الآن يغتالونه.. فتح «حسَّان» عينيه.. كان الظلام يحيط به من كل جانب، يحس أنه منذ جاء إلى تلك المقبرة لم ير الشمس، وإن رأى ضوء النهار فكأنه يراه من وراء حجب وأستار من الليل ضاربًا في الظلمة، وبدت قلعة السجن صامتة.. كان ما بها من أحياء قد فارقتهم أرواحهم.. ما هذا؟! دار في خاطره أن اليوم ربما كان يوم جمعة، ولعله فيه تقيد الشياطين وتغلق أبواب الجحيم.. غلبه مع الآلام النوم مرة أخرى. وطغت الرؤى المجللة بالدماء، وعندما فتح عينيه على ضوء الصباح الباهت كان الجندي يهتف به، لماذا تمتنع عن الطعام؟ لا بد أن تأكل.. تطلع إليه «حسَّان» بنظرة غائمة غير واعية، ثم أغمض عينيه مرة أخرى، وكأنه يستسلم لغيبوبة لا يملك لها دفعًا، لكن الجندي لا يريد أن يدعه وهو يحاول أن يجلسه حتى يتمكن من إطعامه دون جدوى، وجاء الطبيب وبصحبته ممرض عابس الوجه دائمًا، وأحس «حسَّان» بوخز الإبرة وأقراص تدفع في فمه رغمًا عنه، وابتلعها حتى لا يختنق بها.

 لماذا يطل عليه الجندي الشاب بين حين وآخر؟ هكذا دار بخلد «حسان» وقد بدأ ينتعش قليلًا.. في اليوم التالي استطاع أن يتحرك حركة، وإن بدت بطيئة إلا أنها تمكنه من المأكل والمشرب، وقضاء حاجته في الدلو القابع بركن الزنزانة، ومر عليه ليل آخر طويل بين يقظة ونوم مليء بالرؤى المفزعة، وعندما أقبل الصباح استطاع أن يتناول إفطارًا حمله إليه جنود وردية النهار، واستشعر قدرًا أوفر من العافية، لكنه في قرارة نفسه كان يؤمن بأنه لن يخرج من هذا المكان حيًّا.. 

انفتح باب الزنزانة فجأة وعلى عتبتها وقف ذلك الجندي الشاب، بدا أن زيارته هذه المرة تختلف عن زياراته في اليومين السابقين، وتلاقت أعينهما، وظل «حسان» مستلقيًا على ظهره بلا حركة، كانت استجاباته الشرطية التي كان يعكسها سلوكه كلما جاء ذلك الجندي قد تعطلت تمامًا، هتف به الجندي... هيا يا ولد..

 نظر إليه حسان، متمعنًا دون أن يجيب شيء، وعاد الجندي يردد.. قم.. هيا معي.. غمغم «حسَّان»ببطء... لن أخرج، قل لهم ذلك..

 انصرف الجندي ثم عاد بعد قليل وبصحبته رجل جسيم ممسك بعضًا من الخيزران، وعلى ظهر يده أثر وشم بُذِلت محاولات لإزالته، هتف الرجل بغلظة: قم يا ولد.. قم يا روح أمك.. ألا تريد أن ترجع إلى بيتك؟ سيتحدث معك الباشا قليلًا قبل الإفراج عنك...

 علمته التجربة أن الأصل فيهم الكذب، بل هو الدرس الأول الذي يتلقونه في عملهم الوحشي.. ولم تعد تسعده تلك الأماني الكاذبة.. ولم تنبعث فيه روح الأمل.. عاد صاحب الصوت الغليظ يستحثه مهددًا، وحاول «حسان»أن ينهض من رقدته، لكنه أحس ضعفًا شديدًا.. اقترب منه الجندي الشاب وحاول أن يعاونه كي يقف، لكن استجابته كانت بطيئة. واستغرق وقتًا حتى استطاع الوقوف، واستند إلى الحائط وصاح به الرجل.. أين المنديل؟

 وسارع الجندي الشاب ومد يده وتناول المنديل من يد «حسَّان» ثم عصبه حول عينيه. سار في الطريق المظلم ببطء رغم عجلتهما، وتنديدهما ببطء حركته، وعندما ولج قاعة التعذيب جاءه صوت الغجري صائحًا. حمدًا لله على سلامتك.. لقد غبت عنا كثيرًا..

 لم يجب «حسَّان» بشيء. وعاد الغجري يصخب قائلًا: بشرف ستخرج وتعود إلى بيتك، لكن بدون شك أنك سوف تعاوننا.. يكفي ما حدث. غمغم «حسان»متجاهلًا تلميحاته.. لماذا لم أعرض على النيابة حتى الآن؟

أتتحدانا يا روح أمك؟

صمت «حسَّان» وقد أحس بأنفاسه تتلاحق، والعرق يغمر جسده، وشعور بالإرهاق والضعف يستوليان عليه، وهتف الغجري، أجلسوه على هذا الكرسي..

 امتدت يد في الظلام تقرب منه مقعدًا وتجلسه عليه، وأدرك «حسان» أنهم على بينة من حالة الضعف التي يعانيها، وحاول الغجري أن يكون رقيقًا وهو يقول: ستخرج إن شاء الله ستذهب إلى المحكمة بعد أيام.. وستحكم بالإفراج عنك بناء على التقرير الذي ستقدمه صمت لحظات.. وعاد يتكلم بتهديد متخف، نحن نستطيع أن نؤجل ذهابك إلى المحكمة كن عاقلًا وتعاون معنا..

 لم يكن في قدرة «حسان» أن يتكلم، لكنه كان يفكر في هذا التراجع الذي يستشعره في موقف هذا الضابط الغجري، وكان يفكر كذلك في حياته التي لم يعد يحس لها معنى، لقد صار شيئًا لا كيان له، انتهك وابتذل كل شيء حي، الآن عرف أن أرخص شيء في مجتمعه هو الإنسان، ما الذي فعله حتى يفعل به ذلك الغجري الغبي كل هذا.. ودون أن يهاب رقيبًا أو حسيبًا، والآن يتذكر وجه ذلك الهارب الذي صرعه، يراه وكأن حوله هالة من النور، بينما هو معصوب العينين قد غمره الظلام، ابتسم له الهارب وهمس مشجعًا.. الإيمان قول وعمل..

احتوته موجة عاتية من البكاء، واهتز كيان «حسان» كله، وغمرته الأحزان حتى الأعماق وقد تخيل يده ملوثة بالدماء، وماء النهر يتدافع في حركة متهاوية، لكنه بدا كأنه بحيرة من الدماء. حاول الضابط أن يكون رقيقًا مرة أخرى. وهو يحاول تهدئته مرددًا، لماذا يا رجل؟

ستخرج إن شاء الله.

 لكن حباله الصوتية كانت بطبيعتها لشدتها تنزع عنه تلك الرقة المفتعلة، وهدأت انفعالات «حسان» قليلًا، لكنه كان يفكر لو خرج من سجنه إلى هذا العالم مرة أخرى فماذا سيفعل؟ قال له الهارب من قبل: الإيمان قول وعمل...

وتساءل «حسَّان» ما هو العمل؟ أجاب نفسه لا بد أن يكون من جنس محنته التي عاشها تلك الفترة، مازال يعيشها حتى الآن...

وتساءل كذلك.. هل يصح أن يترك هؤلاء لتتحول الحياة إلى غابة مليئة بالرعب والفزع والدماء؟

تخيل نفسه وهو يبحث عن رفاق ذلك الهارب الذي صرعه، وقد ينضم إلى كتيبتهم. لا بد من الانتقام الآن، هم صنعوه ليكون كذلك، انتبه «حسان» ويد الضابط تهزه من كتفه وهو يردد.. لماذا لا تجيبني؟

 ظل صامتًا، لكن الفكرة أضاءت فجأة، بدت كضوء ساطع، لماذا لا ينفذها؟ وليكن الآن.. تماسك «حسَّان»، واستجمع قواه، وفجأة كانت يده تنزع المنديل من فوق عينيه كانت المفاجأة أن أسرع الزبانية في الهرب من أمامه كانوا يحاولن الاختفاء حتى لا يرى وجوههم، بينما أخذ كل منهم يضع كفيه على وجهه، وعجب لكثرتهم في المكان.. كان الموقف يتسم بالهزل وهم يفرون كالفئران المذعورة، وابتسم «حسَّان»على الرغم مما به... أيمكن أن يتملكهم الفرع إلى هذا الحد؟.

وهتف الضابط الغجري فجأة والغيظ يفري كبده، كله يجمع تعالوا يا أولاد الكلب..

 كان «حسَّان»يتأملهم بنظرات كليلة، وما زالت الابتسامة على شفتيه وسط معالم الحزن والألم.. كانت نظراته إليهم ساخرة هازئة ومتحدية، وتمتم أخيرًا بصوت حرص على أن يبلغ أسماعهم: يا أولاد الحرام...

 كان «حسَّان»داخل الدائرة، وعصيهم تتسابق صعودًا وهبوطًا فوق جسده الواهن والتقطت الآذان كلمات تخرج متقطعة من فمه، وقد أغمض عينيه أشهد.. أشهد أن.. أن لا إله إلا الله.. الله.. وأن محمدًا.. رسول.. رسول الله.

الرابط المختصر :