; الوعي الخضاري.. قراءة في المفهوم والدلالة (1-2) | مجلة المجتمع

العنوان الوعي الخضاري.. قراءة في المفهوم والدلالة (1-2)

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 26-أغسطس-2006

مشاهدات 71

نشر في العدد 1716

نشر في الصفحة 66

السبت 26-أغسطس-2006

أكرم الله عز وجل الإنسان على سائر خلقه بالعقل المدرك والروح الواعية، وجعله محور الرسالات السماوية وميزه في الخلق والخُلق، قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ (الإسراء70)، وانطلاقًا من هذا التشريف جاء التكليف الرباني للإنسان بمهمة العبادة لله عز وجل والعمارة للأرض، وأي خلل في أداء الإنسان لهذين الأمرين تصبح حياته مضطربة قلقة وعيشه في ضيق وضنك.

وبناء على ما سبق ذكره من تمهيد نُسلم بحقائقه ونشهد بوقائعه.. فإننا نجد أن المجتمعات في مسيرتها التاريخية، إنما تتطور وتنمو وتقوى بفعل الإنسان ونضجه وتمام وعيه بهدفه الحقيقي في الحياة، وبإعماله سنن القوة والنصر والتمكين في الأرض.. ولا تنهار الأمم والمجتمعات وتضعف وتتلاشى إلى العدم أحيانًا إلا بسبب غياب أو انحراف معنى ذلك الوجود الإنساني.. وهذا هو سر الحضارة عند قيامها أو انهيارها. 

ومن أجل تكييف هذا القصد وبيان أهمية هذا الوعي الحضاري، يجدر بنا أن نحلل دور الوعي وأثر فقده على واقع أزمتنا الراهنة التي تعيشها البلاد الإسلامية، من خلال غياب الأمة عن الشهود الحضاري، وتهافتها على الدنيا وتبعتها ذليلة للشرق والغرب. وصور متكررة من التخلف والانحطاط في عدد من الميادين: هذا التوصيف الواقعي لعله يقودنا لنعرف حقيقة الخلل ولا نتشاغل بالعرض عن توصيف المرض.

إن الفترات الماضية بحوادثها الخالية التي مرت بها الأمة، ألقت في روعنا نمطًا من التفكير جعل آخر ما نفكر به عند حدوث أزمة ما، أن نلوم ذواتنا ونهمش تأثير أنفسنا على ما يحدث بنا من مشكلات مع أننا نؤمن ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد :١٢) ونقرأ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (آل عمران 165). لذا أعتقد أن أزمتنا الراهنة في جميع المجالات الحياتية، سواء كانت فكرية أو سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو غيرها هي (أزمة وعي) في فهم الدين وفقه التدين، وخلل في معرفة الفرد بواجبات وحقوق الانتماء للمجتمع. بالإضافة إلى تلك الغشاوة المزمنة التي أفقدتنا رؤية المدخل الحضاري، بالولوج في أزقة الوهن والولوغ في ملذات الوهم، والعيش في وهدة الحضارات.

إن الوعي الحضاري الشامل لحاجات الإنسان والمجتمع هو رهان المستقبل للأمة المسلمة، مهما بلغت من ذبول ما دامت الأمة تملك نبع الحياة وإكسير النصر.. ومع هذه الأهمية القصوى للوعي الحضاري.. أجد أن من الجدير ذكره بيان مفهومه وحقيقته ليتضح المقصود منه ويتمهد فهمه للتطبيق والعمل.

المقصود بالوعي الحضاري

«الوعي»: من المصطلحات التي شاع استعمالها، نتيجة للتطور الواسع في استخدامها، كما يظهر في مجالات شتى خصوصًا في القضايا الفكرية والثقافية. وبالرجوع إلى أهل اللغة في بيان معنى الوعي.. يقول ابن فارس: «الواو والعين والياء: كلمة تدل على ضم الشيء. ووعيت العلم أعيه وعيًا. وأوعيت المتاع في الوعاء أعيه»... (۱) وهذا ما نجده أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (الحاقة:12) وقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (المعارج:18) وهي هنا بمعنى الجمع والحفظ.

ومع تقدم العلم وتعقد المصطلحات والمفاهيم أخذ مدلول «الوعي» يتجه نحو

العمق والتفرع والتوسع، ليدخل العديد من المجالات النفسية والاجتماعية والفكرية. ويمكن ضبط معناه بأنه «الإدراك الفكري الواضح بالواقع الراهن واحتياجات المرحلة، بعيدًا عن المؤثرات والعوارض الصارفة»، وبالتالي فإن أي مشروع إنساني لابد أن يسبق بتفكير موضوعي، يضمن سلامته وتوافقه مع سنن الحياة ومتغيرات العصر.. وإن الوعي المجرد من العمل - في وجهة نظري - سفسطة وخيال.

الرابط المختصر :