العنوان آلام وآمال: الكليات الخمس والحدود
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995
مشاهدات 79
نشر في العدد 1148
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 02-مايو-1995
من المقرر في كل الشرائع والمجتمعات أن قضية الأمن تعتبر من أهم ما يسعى إليه ويشمر له، وعند تحصلها في أي بيئة سنرى الأثر على كل نفس في المجتمع، إنسانًا كان أو غير ذلك، ومن المقرر أن من أسباب زعزعة الأمن حصول الجنايات الخفية والواضحة، والبشرية لا تعرف تشريعًا راعي جوانب القضية الأمنية بكل اتجاهاتها كالإسلام، فالجنايات الخفية استخدم معها التوجيه التربوي المعتمد على الترغيب والترهيب، فيمتنع الإنسان عن الجناية من خلال تدافع الخطأ والصواب في النفس البشرية من داخلها، أما الجنايات الواضحة البينة فقد وضع الشرع لها العقوبات لردع أصحاب النفوس الضعيفة، أو الأقوياء الذين يبطشون بالضعفاء، وقد قسم الشرع العقوبات إلى قسمين:
تفويضية: وهو ما يسمى بالتعزير حيث يعطى للحاكم سعة من أمره في الحفاظ على أمن المجتمع، وهو من أجمل وسائل سد الذرائع المؤدية إلى الجريمة.
عقوبات محددة: وهي التي حد لها الشارع عقوبات منصوصًا عليها ثابتة بالكتاب والسنة لا يجوز الزيادة عليها أو النقصان منها أو العفو عنها إلا في بعض الحالات كالقتل مثلًا ، وهي ما يسمى في الشرع الحدود والقصاص.
وقد جاءت هذه العقوبات بالتفصيل للحفاظ على الكليات الخمس:
1- الدين. ٢ - العقل . ٣ - النسل والعرض. ٤ - المال. ٥ - النفس.
والمدقق في ذلك يرى أن حرص الإسلام على أمن الأمة والمجتمع مقدم على أمن الفرد، بل إن المتفحص الدقيق يرى أن الإسلام حرص على أمن الفرد وأمن المجتمع على السواء وقد قسم العلماء رحمهم الله الحقوق التي تعمل الشريعة على الحفاظ عليها إلى:
أ- حق الله: وأضيف إلى الله تعظيمًا لشأنه وأهميته، وإلا فالله غني عن العالمين والنفع إنما هو للمجتمع.
ب- حق الفرد: وهذا من حيث الغلبة وهو ينقسم إلى فرعين:
1 - ما غلب فيه حق المجتمع على حق الفرد.
2 - ما غلب فيه حق الفرد على حق المجتمع.
ولإثبات الأمر وزيادة بيان أهمية الحدود والقصاص في المجتمع المسلم نبين أن الحدود جاءت لأمرين:
1 - من أجل حق الله: أي من أجل الحفاظ على «نفع المجتمع» جاءت الحدود للحفاظ على الكليات الأربع من الكليات الخمس.
۱ - الدين. ۲ - العقل . 3 - النسل والعرض. ٤ - المال.
2- من أجل حق الفرد: فيما يتعلق بالأغلب للمجتمع «حرمة النفس من حيث السب» وكذلك في غلبة حق الفرد «حرمة الآدمي وأعضائه» من أجل هذا وذاك جاء القصاص.
هذا على وجه الإجمال وفيه حجة دامغة لأهمية الحدود والقصاص ولم لا؟ والنبي ﷺ يقول: «حد يعمل به في الأرض، خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا»، رواه النسائي «257/ 2» وأحمد «204/ 2» وابن ماجه «رقم/ ٢٥٣٨»- صحيح الجامع الصغير.
ولكن للأسف الشديد ومع الانهزامية التي منيت بها الأمة بسقوط الدولة العثمانية وسيطرة الغرب، ولكثرة المداخلات الثقافية والإعلامية البعيدة عن الدين، ولانتشار التغريب في أوساط المجتمعات الإسلامية، لهذه الأسباب وغيرها مما هو نتاج تقهقر الأمة الإسلامية، أصبح تطبيق الحدود والقصاص يقتصر على المملكة العربية السعودية وبعض الدول التي بدأت الخطوات الأولى من تطبيق المشروع الإسلامي، بل الأشد على النفس أنه من خلال الاستماع إلى كثير من المشتغلين بالدعوة خلال العشرين سنة الماضية تراهم عندما يتحدثون عن الحدود والقصاص يتكلمون بألفاظ وصيغ تعطي دلالة على تهميش الحدود والقصاص، والأمثلة على محاربة الحدود والقصاص كثيرة فعلى سبيل المثال:
1 - في الصومال قبيل وبعيد خروج قوات هيئة الأمم المتحدة أقيم بإجماع شعبي نظام «المحاكم الشرعية»، وهي فقرة من فقرات المشروع الإسلامي في الصومال، وقد بلغت إلى الآن ثماني محاكم منتشرة في أكبر المدن من الشمال إلى الجنوب، ومع انتشارها ووجود العوز والفقر والحرب والفتن الداخلية لم تسجل إلا حدًا واحدًا، وبعد تنفيذه بيوم واحد خرجت الصحف الغربية والمتفرنجة بالعناوين الكبيرة تتحدث عن هذا الحد بأنه انتهاك لحقوق الإنسان، وأن هناك استياء عالميًا من كل لجان حقوق الإنسان حول إقامة الحد، وهذه اللجان التي تسمى بلجان حقوق الإنسان والتي للأسف نرى بعض المنتسبين للدعوة يستشهدون بما ورد في الكتب الصادرة عنهم ناسين أنها تتحدث عن الإنسان الغربي الذي ينتمي لهم لونًا وعقيدة ووطنًا، فلجان حقوق الإنسان مع حديثها المستنكر تطبيق حد من حدود الله، لا يتحدثون أبدًا عن حقوق الإنسان حين حصد القتل العشوائي آلافًا من أبناء مقديشيو!!
2 - عند حديث أصحاب الفكر عن المال والإسلام نراهم يتكلمون عن البنوك والمعاملات ومدى سلامة المعاملة المالية من الربا أو دخولها فيه، بل أصبح الأمر أكثر تضييقًا للمفهوم المالي الإسلامي بمعنى أننا نقصر بحثنا في هذا الجانب على العبارة الآتية: ماذا قالت الهيئة الشرعية في المؤسسة الاقتصادية «س» فإن أجازتها أصبحت المؤسسة اقتصادية إسلامية، يجوز التعامل معها وبهذا تصبح الكلية الرابعة التي جاء الإسلام لحفظها «المال» تحددها لجنة شرعية في بنك أو مؤسسة مالية، وكلامنا هذا لا ينفي أهمية المؤسسات والبنوك الإسلامية ولجانها الشرعية ولكنه يثبت أن حفظ المال يحتاج إلى أمر آخر هو الحدود المقررة كحد السرقة وحد الحرابة، وهزيمة المسلمين النفسية جعلتهم يجردون المال من وسائل حفظه الإسلامية، وينظرون إليه فقط على أنه عصب الحياة.
بل أخذنا نتحدث بما يتحدث به الغرب: ماذا عندكم في الإسلام من قوانين للتعامل مع نظام الجات؟ والقانون البحري ونظام التأمين الدولي وغير ذلك؟ والعارف بالدراسات المتعلقة بالمقاصد العامة للشريعة وما كتب فيها بالقديم من موافقات الإمام الشاطبي وما كتب منها في الجديد عند د. يوسف العالم يعرف أن كل التساؤلات يمكننا الإجابة عليها وإخراجها بصيغة الفقه الجماعي من المجامع الفقهية المنتشرة اليوم في العالم الإسلامي. فالخلاصة: أن مسألة الحدود والقصاص إنما جاءت في ديننا الكريم للحفاظ على الكليات الخمس التي سبق ذكرها.
واستكمالًا للموضوع نذكر مختصرًا للحدود وحفاظها على الكليات الخمس.
1 - حد الحرابة: لحفظ الدين- وهنا سؤال نقوله للمعترض كيف تجيز الأنظمة حق القتل والتنكيل والتشديد لمن خرج على الدولة ويحكم عليه بالخيانة العظمى، ولا يجيزون ذلك للدين من أجل الحفاظ على حرمته؟ مع الفارق الكبير، فالدين لا يجبر أحدًا على الدخول فيه، ومن دخل فيه مختارًا طبقت عليه أحكامه، ثم إن من يرتد عن الدين يستتاب ويعطى مهلة ولا يعاقب إلا إذا ثبتت عليه جريمة الردة ثبوتًا قاطعًا، بخلاف الأنظمة التي قد تعرف مسبقًا براءة من ألصقت به الخيانة العظمى، ولكنها العصا التي يلوح بها لردع كل حر صاحب كلمة، وأدل دليل على ذلك الأنظمة الشيوعية مع شعوبها .
2 - حد السكر: للحفاظ على العقل- وبعد ذلك تصان النفس والعرض والأموال.
3- حد الزنا: لحفظ العرض والأنساب، ولبشاعته قرنه القرآن الكريم بالشرك في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (سورة النور: 2) وحد الزني للمحصن وغير المحصن لا يكون إلا بعد إقامة الدليل ووضوح البينة وحديث «ماعز»، وكذلك «الغامدية»، وكلاهما في «صحيح مسلم» دليل على ذلك، وحد الرجم موجود في الشرائع البشرية والسماوية السابقة كالعهد القديم في تشريع موسى- عليه السلام . ويتبع الحديث عن ذلك حد اللواط وهو نوع من الزني أو أشد.
4- حد القذف: لحفظ الأعراض- حتى لا تتشتت الأسر ولا تهلك الأنفس.
5- حد السرقة: للحفاظ على الأموال التي هي في الأصل مال الله، والإنسان مستخلف فيها ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ (سورة الحديد: 7)
ولو عرف المرجفون الضوابط المتعلقة بحد السرقة لما تكلم منهم أحد، فالقطع لا يتم إلا بشروط متعلقة بالسرقة وشروط متعلقة بالمال المسروق، وشروط متعلقة بالسارق نفسه، فاجتماع هذه الشروط هو الذي يؤدي إلى عقوبة القطع، وينبغي مراعاة أهمية الحفاظ على المجتمع الذي هو الضحية، وصراخه ليلًا نهارًا احفظوا أموالنا يا ولاة الأمر لدليل واضح على أن حد السرقة رحمة للأفراد والمجتمعات.
٦- حد الحرابة: «قطع الطريق»- لحفظ الأموال والأعراض والأنفس ولفظاعة الجريمة سمي فاعلها بالمفسد.
وفي الختام أسأل الله سبحانه للأمة الإسلامية نصرًا مؤزرًا وأسأله سبحانه أن يحفظنا من أن نقع في حبال ومصائد الماكرين ونهدم ديننا من غير أن نشعر، ونسير في مركب الغرب ونحن نظن أننا في مركبنا، وأسأله أن لا تكون معاناتنا لتأخر تحقيق المشروع الإسلامي سبيلًا للتخبط ومدخلًا لتدمير كل ما هو صحيح. والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل