العنوان فلسطين في فكر الإمام البنا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 31-أغسطس-2002
مشاهدات 62
نشر في العدد 1516
نشر في الصفحة 47
السبت 31-أغسطس-2002
لم أجد أحدًا من المفكرين ملكت عليه قضية فلسطين فكره وجهده وعقله، مثل الإمام البنا، حيث كانت قضية فلسطين عنده هي قضية الإسلام وأهله، عبر عن ذلك كله بقوله رضي الله عنه: «فلسطين، قلب أوطاننا، وفلذة كبد أرضنا، وخلاصة رأسمالنا، وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا، وعليها يتوقف عز الإسلام وخذلانه»، إن الإمام كان يرى أنها لیست مجرد قضية عادية، بل هي قضية كبرى تجسد الصراع بين قوى الشر والكفر والظلم والاستعمار من جهة، وقوى العدل والخير والرحمة من جهة أخرى.
ولم يكن الإمام غافلًا عن حجم المتاعب التي ستتعرض لها الجماعة الإسلامية التي يقودها، وتأخذ على عاتقها تلك القضية المباركة، وكان يعلم كذلك أن الإستعمار، وتلك القوى ستجند من تستطيع من المتخاذلين في الأمة لحربه، فقال: إن الإخوان المسلمين ليعلمون أن دعوتهم عدوة للإستعمار، فهو لها بالمرصاد، وعدوة للحكومات الجائرة الظالمة التي تحركها، فهي إذن أن تسكت على القائمين بها، وعدوة للمستهترين والمترفين والأدعياء من كل قبيل، فهم إذن سيناهضونها، وسيحاولون أن يلفتوها عن قضيتها الكبرى، فلسطين، بكل ما يستطيعون، وعن قضية الإصلاح، وإنها حق الشعوب بكل ما يملكون، وكان الإمام يعلن أمله على الجيل الناهض، وقد سأل الإمام أحد الذاهبين إلى فلسطين للجهاد، فقال له: ما أسمك يا فتى؟ فقال: قيس، فقال له مداعبًا: وأين ليلاك؟ فقال: ليلاي في الجنة، فعرف الإمام قيمة إيمان الشاب ودعا له بخير.
ولقد كان الإمام البنا- رحمه الله- واسع المعرفة بألاعيب الإستعمار ومحاوراته وخداعه، ولم يكن يخدع بها، أو يظن أن لغة الكلام والمساومات والمفاوضات إزاء الأخطار المحدقة بفلسطين مجدية، شأن الكثيرين الذين يخدعون بها، بل كان يعلم أن صناعة الموت ولغة الدم هي الناجعة، وأن أثمن ما في حياة أي أمة من الأمم هو صناعة الموت، «فالموت هو ثمن الحياة الكريمة»، والأمة التي لا تدفع ثمن إستقلالها وكرامتها من دمائها لا حياة لها، وأيقن الإمام أن الإنجليز واليهود لن يفهموا لغة غيرها.
وكان من نتائج هذا التصور الواضح للإمام البنا أن رفض المحاولات التي طرحت للتفاوض أو التقسيم بدءًا من عام 36/1937م حتى عام 47/ 1948م، وكان ما توقع، وقامت الثورة الفلسطينية القوية في عام 1936م، وتجاوبت معها الشعوب الإسلامية، وأعلن المجاهدون الفلسطينيون الإضراب العام الذي استمر ستة أشهر، وتعطلت فيها مرافق البلاد، مطالبة بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإقامة حكومة وطنية، وحاول الإنجليز قمع هذه الحركة بالقوة، فلم يفلحوا، فإرتكبوا أبشع الجرائم الوحشية، بما يندى له جبين الإنسانية، فدمروا المنازل، وأحرقوا القرى، وتركوا المدن نهبًا مباحًا، ولكن هذه الأفعال لم تزد النار إلا إشتعالًا، ولم تزد الشعب إلا تمسكًا بحقوقه والدفاع عنها.
فعمد الإنجليز إلى أسلوب جديد، وطالبوا ملوك العرب وأمراءهم بالتدخل لإنهاء الثورة الفلسطينية، والحالة المضطربة في البلاد، فإستجاب الملوك العرب والأمراء، فأصدروا نداءات للمجاهدين يطلبون فيها إنهاء الثورة، ويعدون المجاهدين بالتدخل الحاسم لحفظ حقوق العرب المشروعة في فلسطين، وانخدع المجاهدون، وأعلنوا نهاية الثورة، وألفت لجنة مشتركة للنظر في القضية، ثم كان نتيجة ذلك نكسة للجهاد الفلسطيني، إذ خرجت اللجنة على العالم بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وأصدرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض، الذي خيب أمل العرب والفلسطينيين، فكتب الإمام البنا ردًا على هذا الكتاب، وحذر حكام العرب من تلاعب الإستعمار الذي تمثله بريطانيا ومن وراءها.
وقد وجه خطابه إلى رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت محمد محمود باشا بتاريخ 21 من مايو 1939م، وبين فيه أن المفاوضات لن تجدي ولن تغني فتيلًا، وأن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة القوة والدم، وقد تحاشينا أن نتعجل الحوادث حتى لا يكون لأحد حجة علينا، ولكنه وبعد هذا الضياع ستضطرنا الحوادث إلى سلوك السبيل الذي نرضاه وترضاه ضمائرنا، والآن وقد جاهر اليهود بالعداء السافر في كل أنحاء العالم، وجب على كل مسلم أن يؤدي واجبه، بما يرضي الله ورسوله، وبما يحفظ للإسلام والمسلمين كرامتهم، ولدين قداسته، ولذلك الجزء الطاهر من فلسطين كرامته وقداسته وحريته.
إن الدماء التي خضبت أرض فلسطين، وآلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل قداسة الإسلام ومثله العليا، وشباب العرب المسلمين الذين أرسل بهم الإنجليز إلى المشانق مئات إثر مئات، والشيوخ والأطفال والنساء الذين أنزل بهم الإنجليز واليهود ألوانًا وحشية من العذاب، الذي أعاد إلى الأذهان صور محاكم التفتيش، وأفعال هولاكو، وفظائع النازية، ليناشدون إخوانهم في الإسلام أن يهبوا للدفاع عن الأرض الطيبة المباركة، ويهيبون بك أيها المسلم أن تبذل في سبيل الله ما وهبك الحق سبحانه من روح ومال، لتكون جديرًا بالاسم الذي تحمل، وباللواء الذي ترفع، وبالرسول الذي أنت به تقتدي.
ولقد كلل الإمام البنا قوله هذا بالعمل، فأهاب بأتباعه وإخوانه أن يتقدموا صفوف المجاهدين، فلبوا النداء وسعوا إلى الهيجا أسودًا، وحشد الحق أجناده، واستعد للموقف الفاصل، وصف الكتائب، ونازل المعتدين، وأراهم صولة المسلمين المخلصين، ولكن لعن الله الخيانة، والعمالة التي أضاعت كل جهد، وأحبطت كل عمل، وقضت على كل مجاهد، هذا وتعيد الأحداث اليوم نفسها، وتعمل الخيانة عملها، وما أشبه الليلة بالبارحة! كلما قام الجهاد وظهرت بطولة المؤمنين، ولاحت بوادر النصر، اقتُرحت تفاوضات! وبرزت عمالات وخيانات، وإحباطات، وقد آن للأمة أن تصحو وتحمي نفسها وتعرف طريقها، وتنبذ دخلاها، ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل