; أدب: (العدد: 691) | مجلة المجتمع

العنوان أدب: (العدد: 691)

الكاتب د. محمد عادل الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1984

مشاهدات 71

نشر في العدد 691

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 13-نوفمبر-1984

محطة:

أسافر عبر القرون السحيقة هنالك

لعلي ألاقي «أبا زيد»

أعرف منه رؤوس المسالك!

فكل الفوارس تاهت خطاها

فأين أبو زيد؟ يشحذ لي همتي!!

ويمنح قلبي قوس الشهامة

يعلم رأسي لف العمامة!!

فأعرف منه السبيل...

لكسب المعارك!

سليم

في الأدب الإسلامي: -الحلقة الثانية-

موقف الإنسان من الكون

الموقف المشترك في العبودية لله

بين الكون والإنسان

إن الوجود الذي براه الله، نجمًا كان أو كوكبًا أو إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا، كله خلق من خلق الله. يتجه إلى الخالق بمقتضى ناموس الفطرة الكونية. ويجد طريقه إلى الله عن طريق خضوعه لناموسه وتلبية أمره، فالكون في التصور الإسلامي مرتبط بخالقه ارتباط العابد بالمعبود، واتجاهه إلى بارئه تجاه العبد إلى مولاه بالطاعة والخضوع. 

﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت:١١).

  1. الكون في الأدب الإسلامي، بهذا التصور يعنو لله بالعبودية كما يعنو الإنسان والخلائق الأخرى، ولقد استوقف هذا الأفق شعراءنا فجلوه لنا عالمًا متبتلًا لله خاشعًا لجبروته، يقول أحمد شوقي مناجيًا ربه

يتولى البحار مهما ادلهمت *** منك في كل جانب لآلاء

وإذا ما علت فذاك قيام *** وإذا ما رغت فذاك دعاء

فإذا راعها جلالك خرت *** هيبة فهي والبساط سواء[1]

 ٢- ونمضي مع هذا الأفق من عبودية الكون لله، فتلقى الكون خليقة حية ذات روح تتوجه إلى الله بالطاعة والسجود: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن:٦).

وتنقل الشاعرة فدوى طوقان صورة من الكون المتعبد لله في هذه التسبيحة تتجاوب بها أقطار الكون من كل مكان:

أي لحن مسلسل رقراق *** راح ينساب في مدى الآفاق

أيقظ الكون حين منبثق الفج *** ر على غرة من الأشواق

وإذا الحب ملء هذا الوجـ *** ود الرحب يسري في روعة وانطلاق

وإذا الكائنات يغرقها الوجـ *** د الإلهي في سنا الإشراق

السموات من حنين ووجد *** خاشعات خلف الغيوم الرقاق

وندى الفجر في الرياض الحوالي *** أدمع الشوق رقرقت في المآقي

يا لهذا الصفاء يا لتجل اللـه*** يا روعة الجلال الفريد

لكأني بالكون يهتف يار*** ب ويمضي مستغرقًا في الشرود[2]

٣- ويصغي الإنسان المسلم لابتهالات الكون وتسبيحه الله وتتراءى له في حركته أفاق متميزة ترافق نظرته إلى الوجود يفسرها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗۥۗ﴾ (النور:٤١). 

من تأمل هذه الآية ونظائرها يجد الإنسان المسلم في حركة الكون تعبيرًا عن التسبيح والصلاة والعبادة لله، تنقله إلى عالم مشرق محلق وإن هذه الآفاق الرفيعة المتميزة لتسمو إليها نفوس ارتقت طينتها بنور ربها فحلقت إلى رؤى لا يبلغها إلا ذوو النفوس الكبيرة، والشعراء الذين سبحت بهم نفوسهم إلى هذه الآفاق، قطف كل منهم ما أطاقت نفسه منها. ومن لم يصلها واقعًا استشرفها عن طريق المواجد الروحية وأجنحة الخيال والأدب الإسلامي بتصوره الكوني يفتح أبواب هذا العالم المحلق لمن سمت نفسه من الشعراء ليرود منه أفاقًا ... في هذا الأفق من بث الروح والحياة في الكون واتجاهه إلى خالقه بالتسبيح يعرض الشاعر محمد حسن إسماعيل صورة واقعية غير متخيلة، لتسبيح الكون بين يدي نبي الإنسانية محمد- صلى الله عليه وسلم:

كل حصاة في الطريق أومأت تنتظر

وكل ذرات الأثير أقبلت تكبر

والريح من كل اتجاه أيقظت ربابها

وأسبلت على جبين أفقها أهدابها

واسترسلت تعزف للسكون من صلاتها

وتستعيد شجوها همسًا على لهاتها

وتسمع الجبال من تسبيحها أنغاما

لم تدر كيف انحدرت من قلبها إلهاما

جاءت من الغار من النور خطا «محمد»

طوبى لمن خف إليها بالضياء يهتدي

وتتردد تجارب شعرائنا في هذا الطريق الكوني الخصيب هذا شاعرنا محمود مفلح يصغي لصلاة الكون وهي تنساب صدى لآيات الذكر والفرقان

تقرأ الذكر خاشعًا فيتيه الـ *** كون ذكرًا وترهف الأقدار

ويمس الشفاف سحر المثاني *** حين تتلى، وترقص الأشجار

لغة الله فالجبال سجود *** والصحاري تلفت وانبهار[3]

ويصطفي عدنان مردم من مواد الكون أبرزها أثرًا في الوجود، الشمس والبحر، فنستمع لدعاء البحر الشفف في صدى أمواجه وتعاوج ريحه:

والبحر يجار بالدعاء مكبرًا *** العلاك في سر وفي إعلان

ناداك من شفف ولم يغفر*** فما ودعا ولم تنبس له شفتان[4]

ونلمح في شروق الشمس وتألق نورها حمدًا لله طويلًا، وفي أغضاء غروبها خشوعًا لله وتهجدًا:

هي آية الله التي حسناتها *** لا تمحي يومًا، وليست تعتق

فشروقها حمد طويل عرفه *** ما أنفك يعبق عرفه المتدفق

وغروبها عند الأصيل تهجد*** من واجد أضلاعه تتحرق[5]

هذا هو الكون في الأدب الإسلامي، ذو روح حية تتجه إلى خالقها بالطاعة والخضوع، فحركة ظاهرة في مدارات أفلاكه وطواف غازاته وذبذبة إشعاعاته واضطراب ذراته تعبير عن حركة روحه التي تتمثل في تسبيح الله وطاعته[6] كما يفسرها لنا القرآن في آيات كثيرة:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ﴾ (الإسراء:٤٤).

إن صداح التسبيح والعبادة الذي يتصاعد من أرجاء الكون من الذرات الصغيرة حتى الأجرام الضخمة- بما يرمز لخضوع الكون صغيره وكبيره الله وتعبده له- ليبعث في النفس البشرية إلهامات وإيحاءات تهز الإنسان خشوعًا لله، وتمثلًا للغاية التي خلق من أجلها الوجود كله وقد نقل لنا شعراؤنا المؤمنون بعض هذه الآفاق ولا تزال هنا آفاق كثيرة ترتقب الشعراء الكبار. 

٤- الرؤيا الإسلامية في عبودية الكون لله ليتضح تميزها وارتقاؤها، إذا وضعنا بجوارها موقف الإنسان الجاهلي من الكون.. تستهوي «أدونيس» علاقة الإنسان بالأرض في شعر محمود درويش من شعراء الأرض المحتلة فيقول: «لم تعد صلة الإنسان بها كصلته بمكان مجرد الأرض في هذا الشعر هي الوجه الآخر للشخص هي امتداده المكاني، جزؤه المكمل الآخر، والشاعر الذي يعبر عن هذه الصفة بشكل غني هو محمود درويش، فالأرض، أي فلسطين هي حبيبته، وهي الشمس والطفولة والربيع والسماء»[7] (١٢). 

وهذا نموذج من تناول محمود درويش في هذا الموضوع:

أحسك في ليالي البرد/ شمسًا

في دمي تشدو

أسميك الطفولة

يشرئب أمامي النهد

أسميك الربيع

فتشمخ الأعشاب والورد

أسميك السماء

فتشمت الأمطار والرعد

ونقارن هذه النظرة القريبة التي خالها أدونيس تحليقًا مع موقف الإنسان من الكون من خلال عبودية الإنسان والكون المشتركة لله، فيبدو لنا الفرق بين الرؤيا القريبة بوصف الأرض حبيبته وشمسًا وطفولة وجوًّا وبين الرؤيا الإسلامية الكونية التي ترى الأرض والسماء آيتين من آيات الله يتصاعد التسبيح والتهليل من كل ذرة من ذراتها، وتتواشج مع مواد الوجود كله من كون وإنسان وحياة في موقف مشترك من العبودية لله...

ولعل خليل مردم فيما يقدم لنا يمكن أن يكون نموذجًا من هذه الرؤيا الكونية؛ حيث تتناغم أجزاء الكون بالتسبيح والطاعة والسجود لله في المناجاة التالية:

من شأنك التصوير والإنشاء

لك من سمائك صفحة زرقاء

والفجر حاشية بها حمراء

والبدر فوق جبينها طغراء

والنيرات على الصحيفة أسطر

خرت لك الشمس المنيرة تسجد

ومن الخشوع جبينها متورد

والبحر مسجور الجوانب مزبد

والموج مصطخب به يتنهد

أمسي يقيم لك الصلاة ويذكر

«زحل» بغل الرق عان مقمح

والرعد يجار بالدعا ويسبح

والبرق طرف للدجنة يلمح

ومن الغمام له دموع تصفح

والريح من وجد تئن وتزفر (۱٤)

[1] - ديوان الشوقيات: أحمد شوقي، قصيدة (كبار الحوادث في وادي النيل) مصرف ١ – ١٩٥٨، ح ١٧/١.   

[2] - دیوان وحدي مع الأيام : ١٤٢.

[3] - ديوان الراية: مخطوط.

[4] - نفحات شامية: ١٤.

[5] - نفسه: ١٤١ – ١٤٢.

[6] - انظر في ظلال القرآن: ٣٤٤٩/٢٧.

[7] - دیوان محمود درویش: ۲۲۸/۱ – ۲۲۹.

الرابط المختصر :