العنوان اقتصاد: 1850
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1850
نشر في الصفحة 40
السبت 02-مايو-2009
اقتصاد إسلامي
علموا الصغار الادخار.. والكبار الاستثمار
أ. د عبد الحميد البعلي[1]
يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 161)
من المسلم به في علم الاقتصاد أن الادخار والاستثمار كالسبب والمسبب والعلة والمعلول، ومع الأخذ في الحسبان بعض الآراء التي تقدح في ذلك، فإن الادخار والاستثمار كقيم اقتصادية تؤتي أكلها بمقدار ما تحدثه في تغيير السلوك العام والخاص نحو الأفضل والفضيلة.
والمال الذي يتداول بين الأمة ينظر إليه على وجه الجملة وعلى وجه التفصيل؛ فهو على وجه الجملة حق للأمة عائد عليها بالغني، ومن شأن الشريعة أن تضبط نظام إدارته وتعين على نمائه ويكون ذلك باجتماع أمور:
١- أن يكون ادخاره ممكنًا.
٢- أن يكون مرغوبًا في تحصيله.
٣- أن يكون قابلًا للتداول.
والمقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة أمور هي:
١- رواجها.
٢- وضوحها.
٣- حفظها.
٤- العدل فيها.
٥- ثباتها .
والرواج دوران المال، فحق على ولاة الأمر النظر ومن أساليب التجارة وأحكام السوق، وضبط مصارف الزكاة وغيرها، ولهذا ولغيره كان حفظ المال مقصدًا ضروريًا من مقاصد الشريعة؛ وذلك برواجه وتكثير دورانه تحقيقًا لمصلحة الفرد ومصلحة الأمة، وتتحقق هذه الصفة للمال بأن يكون ادخاره ممكنًا؛ ومن ثم يعتبر الادخار أمرًا شرعيًا لذاته وإن وجب الاجتهاد في فهم علله واستنباط مقاصد الشرع منه.
وفي هذا تسوق حديث الرسول ﷺ: «رحم الله أمرًا اكتسب طيبًا وأنفق قصدًا وقدم فضلًا ليوم فقره وحاجته» فارتبط الادخار بأصول الشرع، ويمكننا تعريفه بأنه: «تأجيل الشخص «الطبيعي أو المعنوي» إنفاق جزء ما من الدخل أو الكسب من إنفاق عاجل إلى أجل».
وعلى هذا فقرار الشخص بالادخار يمر بمرحلتين هما:
١ – مرحلة ذاتية داخلية ذات أطوار ثلاثة هي:
أ- الباعث الدافع على الادخار والرغبة فيه.
ب- القصد وهو اتجاه النية للادخار.
ج- الرضا وهو امتلاء الرغبة والقصد إلى الادخار.
٢- مرحلة خارجية تتمثل في التعبير عن الرضا والتصرف بما يحققه ويجعله واقعًا وهو ما يمكن تسميته بالسلوك الادخاري.
والادخار على هذا النحو مرتبط بمقصد الشريعة في حفظ المال، ومرتبط أيضًا بطبيعة المال ومعناه في الفقه الإسلامي، فقهاء الأحناف يعرفون المال بأنه: «ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة أو ما من شأنه أن يدخر للانتفاع به وقت الحاجة».
كما عرفته المادة (١٢٦) من مجلة الأحكام العدلية بأنه: «ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة» يترتب
الادخار وسيلة لتكوين رأس المال وعلى الأسرة غرس مبادئه في نفوس الأبناء.
الرواج والوضوح والعدل.. مقاصد الأموال الشرعية.
على الادخار كعملية سلوكية أنه يحرك كل طبقات المجتمع بصرف النظر عن مستوى الدخل فيها، وهو ما يجب أن نغرسه في طبع الناشئة فيكون عادة سلوكية متأصلة في نفوسهم.
والادخار على هذا النحو كعملية سلوكية تسهم فيها الأسرة بقسط وافر تقتضي دراسة البيئة أو المجتمع دراسة دقيقة، في ضوء مستويات الدخول الحقيقية والعوامل السلوكية المركبة من مجموع القيم والعادات التي تختلف في مجتمع الحضر عن مجتمع البادية أو الريف، حيث يتوقف الميل للادخار على ما يسود كلا المجتمعين من خصائص، وفي هذا الخصوص نورد أهم النتائج العملية التي كشفت عنها الدراسة الميدانية لأحد الباحثين للتبادل وعمليات الاستثمار والادخار في المجتمع الحضري والتقليدي، والتي تؤكد المنهج الإسلامي في الادخار وفي الاقتصاد من أنه عملية تربوية عقدية سلوكية أساسًا، وبذلك تشكل السياسة الادخارية الإسلامية عنصرًا أساسيًا في التكوين المالي والتراكم الرأسمالي يعمل بكفاءة على علاج المشكلة الاقتصادية.
ومن أهم نتائج تلك الدراسة الميدانية قصور مفهوم الادخار؛ إذ يعبر عنه بالجزء المحتجز من الدخل الناتج في فترة ما دون إنفاقه على الاستهلاك في نفس الفترة، وتسفر الدراسة الميدانية التي أجراها الباحث عن أن إدارة عملية الادخار لا تتعامل مع الادخار على أنه الفائض كما يقول الاقتصاديون؛ بل استقطاع مسبق يراعى فيه الالتزام بسياسة ادخارية أقرب
المنهج الإسلامي في الادخار عملية تربوية عقدية سلوكية تعالج المشكلات الاقتصادية.
إلى سياسة الادخار الإجباري، بل إن الوفاء بالاحتياجات اللازمة للحياة العادية يتحدد إلى حد بعيد كمًا ونوعًا في ضوء هذه السياسة الادخارية، وأن الادخار ليس هو الفائض من الدخل بعد استبعاد النفقات على ما يقول الكثيرون فالادخار نفسه هو الذي يقرر حجم النفقات.
أليس هذا هو جوهر حديث الرسول ﷺ «وقدم فضلًا ليوم فقره وحاجته» ويرتبط به ارتباط لزوم «انفق قصدًا» من حديثه ﷺ السابق.
وإذا تحقق ذلك كنا بحاجة إلى الرشد في الإنفاق وهو الشق الثاني من المقال سواء كان الإنفاق الاستهلاكي والقوام فيه، بلا تقتير ولا إسراف أو كان الإنفاق الاستثماري وفعاليته لتحقيق سيادة الإنتاج المحلي لإشباع الحاجات الأساسية للأغلبية الساحقة من السكان، وما يهمنا هنا هو الإنفاق الاستثماري، فالاستثمار يعني الإنفاق على أصول يتوقع منها تحقيق عائد على مدى فترة من الزمن.
ويعرف البعض الاستثمار بأنه شراء سلع الإنتاج أو المصروفات المنفقة على السلع الرأسمالية أو استخدام الأموال في الإنفاق.
وكل ذلك مرتبط بالرشد في الإنفاق الاستثماري والقوامة فيه، وهي مرتبة مرتبطة بأهلية الأداء وبالبلوغ أيضًا لقوله تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ( النساء: 6)
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ (النساء: 5)
فالسلوك الاستثماري في الإنفاق يتعلمه الكبار.
والادخار عادة يتعلمها الصغار وتغرس فيهم، والاستثمار قوامه الرشد في الإنفاق يتعلمه الكبار.
إسرائيليات اقتصادية (١من ٤)
د. زيد بن محمد الرماني
الإسرائيليات المعاصرة هي كل باطل وخطأ وكذب وزير، ينتشر بين الناس، فالدعوات الباطلة، والشعارات الزائفة، والرايات المنكسرة التي ترتفع في سماء المسلمين والإشاعات والمغالطات والأباطيل والخرافات، من أشكال هذه الإسرائيليات الموجهة غالبا للحياة السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو الثقافية أو الاقتصادية.
وقد غزت الإسرائيليات المعاصرة المجال الاقتصادي ونشرت فيه كثيرًا من خرافاتها وإشاعاتها وأباطيلها، وسممت الحياة الاقتصادية ولونتها وأفسدتها.
يقول د. صلاح الخالدي في كتابه «إسرائيليات مع اليهود»: من وراء ذلك استمرار تحكمهم في الاقتصاد العالمي، وفي الأموال والأرصدة للدول.
وقد وجه اليهود والإسرائيليات خرافاتهم واشاعاتهم واسرائيلياتهم للاقتصاد عن المسلمين شككوا في وجود نظام اقتصادي في الإسلام، وانكروا أية صلة بين الإسلام والاقتصاد، وقرنوا بالربا، وجعلوا الربا ضرورة اقتصادية عالمية، وجعلوا جمع المال غاية أجازوا لها كل وسيلة واعتبروا التجارة شطارة، وأجازوا الرشوة والقمار والسرقة وأكل الأموال بالباطل.
وللأسف فقد حققوا بإسرائيلياتهم المعاصرة إلى حد ما ما يريدون من استغلال وتحكم وسيطرة.
الإسرائيليات المعاصرة غزت المجال الاقتصادي ونشرت فيه كثيرًا من الخرافات والأباطيل وأفسدته بإجازة الربا والرشوة والقمار وأكل أموال الناس بالباطل.
وفيما يلي تعرض أبرز مظاهر الإسرائيليات في المجال الاقتصادي في بلاد المسلمين:
أولًا: خرافة «انقطاع الصلة بين الإسلام والاقتصاد» حيث يوهم مروجو الإسرائيليات الاقتصادية المثقفين المسلمين بعدم وجود صلة بين الإسلام والاقتصاد.
إذ يتساءلون باستنكار وخبث: ما للإسلام والاقتصاد؟
الإسلام ينظم صلة المسلم بريه عن طريق العبادة والذكر، والاقتصاد ببحث في عمل وجهد وكسب المسلم في الحياة، فأية صلة بينهما؟!
وتقرر خرافاتهم أنه لا اقتصاد في الإسلام، وأن الإسلام قاصر عن من تشريعات اقتصادية، ويعتبرون تدخل الإسلام في الاقتصاد تعطيلًا له وإفسادًا وتخريبًا.
يقول مروجو الإسرائيليات لدعاة الإسلام ونظامه الاقتصادي: نحن ندع لكم المساجد لتمارسوا إسلامكم فيها وعليكم أن تدعوا لنا أموالنا وأسواقنا ومشاريعنا الاقتصادية لنفعل فيها ما نشاء.
وموقف مروجي هذه الخرافات الاقتصادية كموقف أهل مدين الكفار الذين استغربوا تدخل نبيهم شعيب عليه السلام في انحرافاتهم المالية وتجاوزاتهم التجارية الاقتصادية، وكأنهم يقولون له: ما لدينك واقتصادنا؟ وما دخل صلاتك وعبادتك في أموالنا وتجارتنا.
يقول تعالى في ذلك: ﴿ ۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هود).
أن الخرافات الإسرائيلية حول خلو الإسلام من التقريرات الاقتصادية داحضة باطلة، ينقضها أي ناظر في آيات القرآن التي تقدم حقائق اقتصادية ثابتة، ومنها:
١- المال مال الله وليس مال الإنسان، والله هو الذي يرزق الإنسان هذا المال.
٢- الإنسان مستخلف في مال الله وليس مالكًا له، والمستخلف مطالب أن يتصرف في المال كما حدد له الله مالك المال.
٣- الطرق المباحة للتصرف في المال حددها الله للمسلم وحذره من الطرق المحرمة في ذلك.
٤- توزيع المال يريده الإسلام على أكبر قدر ممكن ولا يريد تجميعه في يد فئة قليلة.
لذا فقد استخلص المفكرون والباحثون من الإسلام نظامًا اقتصاديًا متكاملًا، وبينوا أسسه وجوانيه وعقدوا مقارنات موضوعية بينه وبين النظم الاقتصادية الأخرى.
[1] المستشار الاقتصادي بالديوان الأميري، الكويت