; لماذا فشل غورباتشوف؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا فشل غورباتشوف؟

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الأحد 05-يناير-1992

مشاهدات 67

نشر في العدد 983

نشر في الصفحة 35

الأحد 05-يناير-1992

* البيروسترويكا تطلق رصاصة الرحمة على الدولة الشيوعية المنهارة

من البديهي أن مصير ميخائيل غورباتشوف كان مرتبطًا ببقاء الاتحاد السوفياتي وما إن أخذ هذا الاتحاد بالتفكك إلا وطفق نجم آخر رئيس له في الأفول، وسقط «غوربي» بهدوء على عكس الزلزال الذي سببته محاولة الإطاحة به في الصيف المنصرم، ولسنا بصدد محاكمة الرجل ولا البكاء على أطلاله، ولكنه حري بنا نحن كمسلمين أن ندرس أسباب فشل آخر رئيس لأقدم دولة شيوعية في العالم تحطمت معالمها بين ليلة وضحاها.

منذ أن ظهر غورباتشوف كرئيس جديد في ربيع ١٩٨٥ فيما كان يطلق عليه قبل أسابيع «الاتحاد السوفيتي» جلب معه مزيجًا مختلطًا من المشاعر حيث فاجأ العالم يوم دعا إلى المكاشفة «غلاسنوست» لنقد سلبيات الماضي والحاضر وعن طريق فرصة لإعادة البناء «البيرويسترويكا»، فقد اهتزت قواعد نظام بيروقراطي عام فرض عاداته على المجتمع السوفياتي، بيد أن الإصلاحات الاقتصادية التي دعا إليها لم تتبعها وتيرة الإصلاح الديمقراطي، وهذا من بين ما أدى به إلى الهاوية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا أخفق هذا الرجل الذي ما انفك الغرب يتزلف إليه حيث ساهم بإحداث تغييرات شتى في خريطة أوروبا والعالم أجمع؟

إن هناك من يقتنع بأنه شيوعي من ذروة الرأس حتى أخمص القدم مثلما أن هناك من لا يشك في كونه ديمقراطيًا ولكن الجميع أجمعوا على أنه يمثل رمزًا للتغيير والانفتاح.

لقد فشل غورباتشوف لأنه كان يريد إنقاذ النظام السوفياتي وليس الإطاحة به، ذلك أنه إذا قارنا النظامين الصيني والسوفياتي، فإن الأول يحث الخطى نحو اقتصاد السوق دون مصاعب كبيرة نظرًا لما للصينيين من حس تجاري عفوي وحيوية، وبالمقابل فإن الجهاز السوفيتي شديد الجمود لتخلف البنية الاقتصادية عن اللحاق بالمستوى الذي حققته البنية السياسية الجديدة، وهنا يكمن فشل ميخائيل غورباتشوف في إرساء أسس اقتصاد فعال يسد حاجات السكان العاجلة، وهكذا فإن الاستياء الشعبي تنامى ولم تعد البيروسترويكا موضع اعتبار فعلي عند السكان.

وبرغم عزمه وحنكته السياسية فلم يكن غورباتشوف مؤهلًا بما فيه الكفاية لكي يدخل الإصلاحات اللازمة في النظام السوفياتي دون الإطاحة به، نظرًا لأن تعليمه لم يتجاوز مجالي الحقوق والزراعة، كما أن خبرته السياسية لم تتجاوز إدارتي الحزب والجمهورية الروسية ولذلك فإنه نتاج لما كان يريد تغییره.

وهناك من يعزو فشله إلى عناده وتعنته في بعض الأحيان لثقته الزائدة في نفسه وفي معتقداته، فقد كان الرجل مقتنعًا بأن بإمكانه إنقاذ النظام السوفياتي عن طريق محاربة العادات السيئة: التسيب والغياب الكثير في إدارات الدولة وحملته الشعواء ضد الكحول والجرائم ودعوته إلى الإسراع بعجلة الإنتاج... ونظرًا لاستغنائه عن آراء الآخرين في حملاته هذه فقد ذاق مرارة هزائم نكراء حيرت الجميع.. ذلك أنه كان يعوزه الصبر وفهم المجتمع السوفياتي مثلما جهل حقيقة القوميات التي أدت إلى انهيار الاتحاد.

وهل هناك من ينسى الأخطاء الفادحة التي وقعت في عهده مثل المجازر الدموية التي حدثت في تبلسي وفي ولايات البلطيق وهجرة اليهود السوفيات إلى فلسطين المحتلة بالإضافة إلى البطء القاتل في إعلان التشريعات الخاصة بالملكية الفردية للأراضي الزراعية؟ ثم هل هناك من ينسى المجزرة التي حدثت في شهر يناير الماضي في لوتوانيا والتي راح ضحيتها ١٣ شخصًا أو جرائمه في أفغانستان رغم أنه هو الذي أعلن قرار الانسحاب منها.

ومهما قيل عن الأسباب الحقيقة وراء انهيار الدولة السوفيتية وجميع مؤسساتها وانفراط حباتها إلا إنه بات واضحًا أن السبب الرئيسي لهذا السقوط يكمن في النظرية الشيوعية الإلحادية ذاتها والتي كانت تراهن على تفوق الاتحاد السوفيتي ناهيك عن بقائه وصموده.

فعلى الرغم من المحاولات الحثيثة التي بذلها غورباتشوف لتجميل الوجه القبيح للدب الروسي ومحاولة تجميل صورته عالميًا عن طريق تحسين العلاقات الدولية التي تربط الاتحاد السوفيتي بدول العالم باعتباره الدولة العظمى الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية ومساعيه لإنهاء الحرب الباردة بين الدولتين العظيمتين إلا أنه فشل في إيقاف مسلسل السقوط الذي انتشر في دول المعسكر الشرقي دولة دولة، لتتضح الحقيقة الجلية وراء سر صمود المعسكر الشرقي طوال أكثر من ٦٠ عامًا، ألا وهي اعتماد النظام الشيوعي على القهر والاستبداد والدكتاتورية المطلقة في الحكم واتباع النظام البوليسي في تسيير حياة المجتمعات ومعتقداتهم حتى إذا جاءت الفرصة السانحة من خلال إعطاء بعض الحرية في التعبير والتغيير (سياسة الانفتاح) إلا وسقط القناع عن الشيوعية الحمراء وتبين عجزها عن إقناع الجماهير بجدوى تلك النظرية في تحقيق آمال ورغبات الشعوب.

إن سقوط الدولة الشيوعية مصدر الإلحاد في العالم لهو دليل على أن تغيير فطرة المجتمعات وإبعادها عن الإسلام لهو أمر مستحيل، وما مناداة بعض الجمهوريات السوفيتية بإقامة كيانات إسلامية إلا دليل آخر على فشل النظرية الشيوعية في تغييب المعتقدات الصحيحة المنطلقة من التوحيد وإرجاع الأمر لله سبحانه وتعالى.

لقد غادر غورباتشوف الحلبة السياسية بالوسيلة التي اختارها لإحداث التغير في المجتمع السوفيتي المنهار حيث اختار الأداة التي بها أطلقت رصاص الرحمة على الدولة المهترئة.

الرابط المختصر :