; وسقط شاوشسكو | مجلة المجتمع

العنوان وسقط شاوشسكو

الكاتب أشرف سلامة

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1990

مشاهدات 68

نشر في العدد 948

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 02-يناير-1990

·     شاوشيسكو حفر الأنفاق لساعة الهروب، ولكن الثورة الشعبية فاجأته فلم تنجده تلك الأنفاق

·     الشعب الروماني يطالب بالخبز وشاوشيسكو يهرب ملايين الدولارات إلى حساباته الخارجية.

منذ الأسبوع الماضي والأنظار مشدودة إلى رومانيا فالأحداث الدامية هناك فرضت نفسها على الجميع ولا غرابة في ذلك وشعب آخر من الشعوب المقهورة يثور على وضعه ويزلزل الأرض تحت أقدام جلاديه ويطيح بجبار آخر من جبابرة هذا العصر ذلك هو شاوشيسكو الذي كان ينوي أن يورث حكم رومانيا لزوجته وابنه. لقد صفى الشعب الروماني حسابه مع الطاغية شاوشيسكو بالدم ودفع ثمن حريته غاليًا وهكذا دائمًا هي قضايا الحرية تظل مستكنة خافية وكأنها تتحين الفرصة وبمجرد أن تجدها ينفجر الغضب الشعبي ليتغير الحال في الحال وتنتصر الحرية.

- ألقاب

يوليوس قيصر الاسكندر المقدوني المعلم الأكبر الضياء المشع بطل الأبطال العبقري العظيم ما أفخم هذه الألقاب وما أحقر الذين كالوها طوال ربع قرن لنيكولاي شاوشيسكو نفاقًا ومداهنة وتزلفًا وتكسبًا وهم لا يدرون أنهم يدفعون بغروره إلى أقصى حد ويعينونه على تكريس سياسة عبادة الذات وإحكام قبضته الدكتاتورية على شعبه وقد أحاطه بأشد أنظمة الأمن شراسة وقمعًا وحتى آخر لحظة من حكمه كان شاوشيسكو يظن أنه بمنأى عن رياح الثورة والتغيير التي تهب على المعسكر الشرقي بكامله وأن باستطاعته أن يصمد في وجه هذه الرياح وأن يتصدى للمعارضة الشعبية المتنامية وأن يقمع تحركها معولًا على أنصاره وبيادقه الذين «منّ» عليهم ووضعهم في مناصب حساسة في أجهزة الدولة والحزب ومعولًا على حرصه وشرطته الخاصة «السكوريتات» التي دربها وجهزها بأسلحة وكأنها جيش ثان بل كانت أقوى من الجيش ذاته وهي دولة داخل الدولة وقد حفر شاوشيسكو الأنفاق والسراديب التي قد تمكنه في يوم من الأيام من الحرب ولكن عندما حانت ساعة الهرب لم تجده هذه السراديب ولا أجدت قواته الأمنية، ووجد نفسه في طائرة هليكوبتر تلف حول نفسها لا تعرف أين تتجه لأنه لا دولة تقبل مجرمًا سفاكًا وبسرعة اشتدت العاصفة الشعبية واقتلعته من جذوره وهو لا يكاد يصدق ما يحدث فهوى صريعًا وتهاوت تماثيله في ساحات المدن الرومانية وتناثرت القابه كأوراق الخريف الصفراء.

إن سقوط شاوشيسكو عبرة لكل الطواغيت في العالم- إن كانوا يعتبرون- وما حدث له بين عشية وضحاها عظة وأية عظة. فهل يحسب الطواغيت حسابًا لكل خطوة يقدمون عليها وهل يحسبون حسابًا لغضبة الله عليهم ويدركون أن الشعوب ليست قطعانًا من الأغنام؟

منذ أن تسلم شاوشيسكو السلطة عام ١٩٦٥ أخذ يعمل على ترقية أقربائه وتعيينهم في مختلف المناصب الهامة وعزل كل من يشتم منه رائحة المعارضة أما أفراد أسرته فهم بمثابة الأمراء الذين وزعهم على المراكز الحساسة في الحزب والحكومة ويقال إن ما لا يقل عن أربعين أخا وأختا وصهرًا وأبناء خالات وعمومة يسيطرون على دواليب الدولة الرئيسية وبذلك كانت رومانيا تحت حكم أسري بأتم معنى الكلمة لعبت فيه زوجة شاوشيسكو دور «الملكة» حيث أحاطت نفسها بهالة الملكات وإبهاتهن وأدارت مع زوجها دفة الحكم حتى ظهرت في رومانيا إشاعات تقول أن شاوشيسكو بدأ يهيئ زوجته لخلافته.

أما نجله الأكبر نيكو «۳۹ سنة» فقد أولجه أبوه مبكرًا عالم السياسة ورأسه الحزب في إقليم سيبيو وجعله قائدًا لشبيبة الحزب الشيوعي وقد عرف نيكو بدلعه وبإقباله على الخمرة والنساء واتسمت حياته بالفوضى وتصرفاته بالهوج، ومما يروى عنه أنه ضبط مخمورًا مع الممثل «فلوریان بيرسك» وأنه حاول مرة أن يستحوذ على زوجة الممثل «أنا سيلسي» وأمر حرسه الشخصي باعتقال هذا الممثل وضربه لأنه لم يبد الخضوع المطلوب.

لقد اطمأن شاوشيسكو بعد أن وطد دعائم حكمه الأسري وبني بوليسه السري فاخذ يسوس رومانيا كما يشتهي ويتقرب من الولايات المتحدة وانجلترا إلى أن حصل على الدعوة إلى قصر بكنجهام ولعب أدوارًا سرية وعلنية بين الصهاينة وبعض العرب وهو الوحيد من بين حكام المعسكر الشرقي الذي لم يقطع علاقات بلاده مع الكيان الصهيوني إثر الاعتداء الإسرائيلي على العرب عام ١٩٦٧ ولكن هذه السياسة لم يجن من ورائها الشعب الروماني سوى مزيد من الفقر والمعاناة وساهمت في نمو النقمة الشعبية بشكل ملحوظ.

لقد أراد شاوشيسكو تطبيقًا لنصائح الغرب -رغم تظاهره بالتمسك بالشيوعية التقليدية- تخفيض ديونه الخارجية فعمد إلى تخفيض الأجور في نوفمبر عام ١٩٨٦ ومنع استعمال السيارات الخاصة في الشتاء للاقتصاد في المحروقات وكشف تصدير المواد الغذائية للحصول على الدولارات وبذلك أدخل رومانيا في أزمة اقتصادية خانقة وجعل منها دولة من أفقر دول الكتلة الشرقية حيث يعتبر استهلاك اللحم والحليب والسكر والزبدة من الكماليات وعلامة من علامات الترف كيف لا والمدرسون والعمال وصغار الموظفين والفلاحون دخلوا دائرة الفقر وهم يترحمون على العصر الذهبي الذي عاشه آباؤهم عندما كانت الألبان واللحوم والفواكه والذرة متوفرة أما اليوم فهي مفقودة في معظم الأوقات وحتى الخبز تقرر تقنينه فلا يحصل الفرد على أكثر من ۳۰۰ غرام من الخبز يوميًا تصرف له بالبطاقة ويوزع السكر كذلك بالبطاقة شهريًا ونصيب الفرد منه ثلاثة أرطال في الشهر.

الشيوعية ستار

ورغم هذا الوضع الصعب الذي لا تحسد عليه رومانيا ظل شاوشيسكو مناهضًا لبرويسترويكا غورباتشوف مصممًا على مواصلة نهجه الشيوعي الصارم ولو أدى ذلك إلى مزيد من القمع وتكميم الأفواه والضرب على الأيدي وهذا ما حدث فعلًا بعد أن أخذ الشعب الروماني يتململ ويقارن نفسه بالشعوب الشرقية التي حوله ويتطلع إلى التغيير والخلاص من الدكتاتورية وكلما زادت مخاوف شاوشيسكو من عدوى البيرويسترويكا صعد هجمته على التحولات التي شهدتها أوروبا الشرقية. وهو لم يجد سوى الدفاع عن الشيوعية الأرثوذوكسية والتمسك بالنهج الشيوعي التقليدي ستارًا يدافع من ورائه عن كرسيه ومصالحه ومصالح بطانته وفي آخر مؤتمر للحزب الشيوعي الروماني الذي انعقد في نوفمبر الماضي قال شاوشيسكو: لن نسمح لأي شخص كان بزعزعة الاشتراكية بأي شكل من الأشكال وشن شاوشيسكو هجومًا عنيفًا على من أسماهم بالمنحرفين عن الاشتراكية وهو يعني بذلك قادة التحولات في البلدان الاشتراكية وفي مقدمتهم غورباتشوف. وقال مساعد وزير الدفاع الروماني إيلي شاوشيسكو (شقيق الرئيس الروماني السابق) في تصريح صحافي «إن الإصلاحات في الدول الشرقية ما هي إلا مؤامرة جهنمية دبرتها الدعاية الغربية بهدف تدمير الاشتراكية» وحتى عند زيارة غورباتشوف لبوخارست في مايو الماضي وصف نيكولاي شاوشيسكو إصلاحات الزعيم السوفياتي بأنها خطوات إلى الوراء.

لقد كان ذلك الحماس في الدفاع عن الشيوعية من قبل رئيس رومانيا السابق والتهجم على البيرويسترويكا مؤشرًا واضحًا على تخوفه من هبوب العاصفة وتوجه خيفة من انفجار الشعب الروماني وهو الذي ولد نفسه على البقاء في الحكم مدى الحياة وتوريث هذا الحكم لزوجته أو ابنه نيكو.

بدأ الشرخ من برازوف

في منتصف نوفمبر ۱۹۸۷ شهدت مدينة برازوف ثانية أكبر مدن رومانيا (٣٤٣ ألف نسمة) مظاهرات عنيفة بسبب سوء الأحوال المعيشية ونقص المواد الغذائية سار فيها العمال من مصنع للجرارات والشاحنات إلى مركز المدينة وهم يهتفون نريد الخبز وليسقط الدكتاتور واحتل المتظاهرون مبنى البلدية ومكاتب الحزب وأحرقوا صور شاوشيسكو وعائلته وألقوا ببعض الأعلام والأثاث من النوافذ وبعد ست ساعات من المواجهة بين قوات الأمن المعززة بالجيش تم تفريق المتظاهرين واعتقال أعداد كبيرة منهم وكانت هذه أول هزة عنيفة لكرسي شاوشيسكو ولم تنفع أكباش الفداء التي أقالها من مناصبها في تهدئة الوضع إذ بقي الوضع الاقتصادي المتدهور هو المحرك الرئيسي للاضطرابات التي تفاقمت بعد أحداث برازوف والتي كان رد شاوشيسكو عليها دائمًا نفس الشيء: قمع أكثر ومركزية أشد وبطانة أكثر ولاء وإصرارًا على النهج الشيوعي وما كان يدري أنه بذلك يحفر الهاوية التي سقط فيها.

والآن وبعد أن سقط شاوشيسكو وفارق كرسي الحكم والحياة كلية فإن الشعب الروماني المتحرر يقول يا لمفارقات الشيوعية الغريبة التي جوعت الشعوب وفي نفس الوقت بنت القصور الخيالية للقادة وحولت ملايين الدولارات إلى حساباتهم البنكية في الخارج ومستظل تجربة الثورة الرومانية متميزة عن كل ما حدث أخيرًا في البلدان الاشتراكية لأن حاكم رومانيا السابق جمع إلى مساوئ الشيوعية مساوئ الدكتاتورية وبذلك يذكرنا سقوطه وما بالعهد من قدم بسقوط الشاه وماركوس وغيرهما من جبابرة هذا القرن.

والسؤال الآن بعد أن انتصرت إرادة الشعب الروماني ماذا تخبئ الأيام لمجموع البلدان الاشتراكية بعد أن أكملت حلقة التغييرات بسقوط آخر العنقود؟

الرابط المختصر :