; الصومال .. وبلغت القلوب الحناجر! | مجلة المجتمع

العنوان الصومال .. وبلغت القلوب الحناجر!

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992

مشاهدات 59

نشر في العدد 985

نشر في الصفحة 37

الأحد 19-يناير-1992

لسنا من هواة العناوين المتشائمة ولا ممن يبالغون في تكبير الصغائر، وإنما نتطرق من جديد إلى موضوع الصومال اعتقادًا منا بأن السيل قد بلغ الزبى، وأن ما يحدث الآن في هذا القطر العربي المسلم يهز المشاعر وتئن له القلوب.. إنه كارثة.. نعم كارثة لشعب دفع الكثير من ضريبة حرب أهلية سخيفة أججت نيرانها زمرة طائشة ومتهورة استحوذ عليها داء التعطش للسلطة وهموم تسوية حسابات قديمة.. كنا ومازلنا ندق ناقوس الخطر الداهم في هذا البلد الواقع في القرن الإفريقي غير أن نداءاتنا لم تلق أذانا صاغية.. واهتم العالم بيوغسلافيا وتجاهل استنجاد الشعب الصومالي المغلوب على أمره.

وفي الواقع فإن ما آلت إليه الأوضاع المتدهورة والخطيرة يدعو إلى الحيرة والدهشة في آن واحد.. ولا يجوز السكوت على هذه المأساة الإنسانية التي ما هي إلا ضرب من ضروب الحروب الأهلية التي لا مبرر لها والتي اجتاحت كلا من لبنان وليبيريا، ومازالت تدور رحاها في يوغسلافيا وراح ضحيتها آلاف الأشخاص معظمهم من النساء والأطفال.

وقد تسببت القوى السياسية المتصارعة في الصومال في تحول مقديشو إلى مسرح لحرب أهلية قذرة بما تنطوي عليها من عمليات تخريب خيالية لا هوادة فيها ونزيف دم يهز المشاعر.. هذا وتفيد التقارير أن أكثر من خمسة آلاف رجل وامرأة وطفل من الذين لقوا حتفهم في هذه المجازر ماتوا من جراء إطلاق النيران العشوائي للفرق المسلحة المتصارعة والتي تتنافس فيما بينها لأسباب عرقية أو اتجاهات سياسية، ويتراوح عدد الضحايا ما بين ۱۲۰ إلى ۱۳۰ شخصًا يوميًا منذ أن نشب القتال يوم ۱۷ نوفمبر الماضي كما أن عدد المصابين يزيد على ثلاثة أمثال من لقوا مصرعهم نتيجة القذائف ونيران الدبابات والطلقات الطائشة من كل صوب دون أي تمييز.

ومن بين أسباب هذا الصراع الدموي أن حركة المؤتمر الصومالي المتحد التي أطاحت بالرئيس محمد سياد بري في يناير ۱۹۹۱ قد انشقت على نفسها وأصبح كل جناح يحارب الآخر من أجل السيطرة على مقديشو حيث كان يعيش نصف مليون نسمة، ولى بعضهم هاربًا بينما قبع البعض الآخر في مساكنهم. 

إن طرفي النزاع الدائر هما الجنرال محمد فرح عيديد رئيس حركة المؤتمر الصومالي المتحد، وعلي مهدي محمد الرئيس المؤقت، وقد قامت قوات الجنرال عيديد المدججة بالسلاح بغزو مدينة مقديشيو من الجنوب لكنهم لم يتمكنوا من هزيمة القوات المؤيدة للرئيس المؤقت أو حتى إخراجهم من مواقعهم إلى شمالي المدينة.

وطوال اليوم تصب قوات الجنرال عيديد نيران قذائفها على المناطق المأهولة بالمناصرين لعلي مهدي، وفي الليل يتولى الهجوم الموالون لهذا الأخير، وهكذا قد ملئت المستشفيات بالمصابين في حين تشهد البلاد نقصًا حادًا في الأطباء والأدوية، كما أن معظم الأجانب والبعثات الدبلوماسية قد غادروا البلاد لإنقاذ أرواحهم، وتتخلل هذه الحرب التي تخلو من الإستراتيجية عمليات قتل ونهب على يد عصابات لا تبدي ولاءها لأي طرف من طرفي النزاع يفترسون الضعفاء ويقتلون أيضًا بصورة عشوائية وهم مدمنون لأوراق القات، وكل هذا وسط انقطاع الكهرباء والماء وندرة المواد الغذائية أو انعدامها.

والغريب في شأن الصومال هو أنها البلد الوحيد في إفريقيا الذي تقطنه مجموعة عرقية واحدة تشترك في الثقافة واللغة والدين وهو الدين الإسلامي الحنيف إلا أنه بلد ممزق بين الأحقاد الدفينة أكثر من أي قطر إفريقي آخر تفتك جسدها الخلافات العرقية أو اللغوية. 

وتعود جذور الحرب الأهلية في الصومال إلى الصراعات بين النظام العشائري المعقد الذي يتكون منه شعب الصومال، وهذا النظام الذي صمد خلال فترة الحكم الاستعماري للبريطانيين في الشمال والإيطاليين في الجنوب واستمر طوال تسعينيات القرن الماضي حتى الاستقلال المشترك عام 1960 له رواسبه في الصراعات الحالية.

وقد بالغنا في التفاؤل عندما تمت الإطاحة بالرئيس السابق سياد بري الذي حكم البلاد طوال ٢٠ سنة مع كل ما واكب سنوات حكمه من ويلات الاضطهاد والتعذيب للأبرياء من السكان باسم معتقدات زائفة، غير أن هذا التفاؤل لم يكن في محله إذ إننا نشاهد الآن بلدًا وقع في حفرة من النار وتحاصره النوائب بما فيها الفقر والمجاعة وانتشار الأوبئة، إلى جانب تردي الوضع الاقتصادي والأحوال المعيشية عامة.. وقد تكون الأسلحة ووسائل الدمار الثروة الوحيدة التي يمتلكها سكان هذا البلد وقبل أن يفوت الأوان لنعمل شيئًا يا معشر المسلمين.

الرابط المختصر :