العنوان الانتخابات العامة في إندونيسيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1977
مشاهدات 77
نشر في العدد 362
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 09-أغسطس-1977
إندونيسيا بلد إسلامي عريق، بل هي من حيث عدد السكان- حوالي 135 مليون نسمة- أكبر البلدان الإسلامية اليوم.
رزحت إندونيسيا تحت وطأة الاستعمار الهولندي أكثر من مائة وخمسين عامًا، فلم يغادرها في نهاية عام 1949م إلا بعد أن ترك فيها ثلاثة أمراض ما تزال تفتك بها إلى الآن.
أولها مرض البعثات التبشيرية النصرانية، وقد بلغ ذروته في عهد الرئيس السابق سوكارنو؛ الذي زار الفاتيكان ثلاث مرات، وفتح المجال أمام المبشرين يعملون في إندونيسيا على هواهم... ولم يفتر نشاط هؤلاء في عهد الرئيس الحالي- سوهارتو الذي استقبل البابا استقبالًا حافلًا عام 1970م، كما زار هو الفاتيكان عام 1972م، ورفع شعار الإيمان بإله واحد ليعطي للأقلية النصرانية المتكونة بفعل النشاط التبشيري مكانة الصدارة في أجهزة الدولة والقيادات العسكرية.
ويقدر عدد المبشرين في إندونيسيا المسلمة اليوم بأكثر من 2000 قسيس و6000 راهب وراهبة، منح قسم كبير منهم الجنسية الإندونيسية ليمارسوا أعمالهم تحت شعار الوطنية.
والمرض الثاني هو الشيوعية... فقد كانت إندونيسيا نموذجًا مثاليًا للتحالف بين الإلحاد الماركسي والتبشير النصراني ضد الإسلام والمسلمين. منذ مهد إلى ذلك المستشرق الهولندي- سنوك هورو غونجي- لمواجهة تيار المقاومة الإسلامية ضد الاستعمار الهولندي... فكانت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الهولندية قبل الحرب العالمية الثانية وراء تأسيس أحزاب مماثلة لها في إندونيسيا وذاك ما أدى من بعد إلى المذابح الشيوعية عام 1948 وعام 1965م، وانتهى باعتقال الزعماء الشيوعيين وإسقاط سوكارنو الذي دعمهم دعمًا تامًا.
والمرض الثالث الخطير الذي خلفه الهولنديون وكان المستشرق- هورو غونجي- أول الدعاة له أيضًا... هو القومية العلمانية بهدف تهديم كل صلة لشعب إندونيسيا المسلم بالإسلام وبأبناء الإسلام الآخرين.
ولم تهدأ ثورات المسلمين على الهولنديين ومن خلفوهم وراءهم يومًا من الأيام، منذ ثورة الأمير المسلم ديبو نيجورو- 1825- 1830م- وثورة- قوم بدري- 1821-1837م- وثورة المجاهد تنكو عمر في مطلع القرن الميلادي الجاري... ثم عن طريق الجمعيات العديدة ذات الاتجاه الإسلامي التي زاد عددها على خمسين جمعية، أشهرها نهضة العلماء والمحمدية وشركة إسلام والخيرية واتحاد الشعب الإندونيسي والشبان المسلمون والتنوير الإسلامي وغيرها.
وكانت الحكومة الأولى بعد الاستقلال ذات اتجاه إسلامي برئاسة محمد ناصر من حزب ماشومي الإسلامي، وكان لهذا الحزب في الانتخابات الأولى عام 1955م 57 مقعدًا ولنهضة العلماء الإسلامي أيضًا 45 مقعدًا مقابل 57 مقعدًا للحزب الوطني العلماني و39 مقعدًا للحزب الشيوعي الملحد.
واستغل أعداء الإسلام تعداد الأحزاب والتجمعات الإسلامية وتعدد اتجاهاتها لزيادة فرقتها وتعميق خلافاتها وضرب بعضها ببعض، مرتكزين في ذلك على ما أسفرت عنه العهود الماضية من جهل العامة بالإسلام رغم استمرار قوة الإيمان به ورفع شعاراته...
وفي عام 1965م أسس رئيس المخابرات السرية بإندونيسيا الجنرال مورتوبو حزب جولكار الذي جمع فيه أكثر من 250 منظمة مهنية وأخضعها لنظام دقيق موجه يسيطر عليه بالجيش وأجهزة الأمن والدفاع المدني والموظفين في الدولة. وحصل هذا الحزب في انتخابات عام 1971 على 63 بالمائة من أصوات الناخبين بوسائل وفي ظل ظروف يغني عن التفصيل فيها ما سيأتي به الحديث عن الانتخابات الأخيرة بإندونيسيا هذا العام.
وقد بدأ التمهيد لهذه الانتخابات منذ الانتخابات السابقة، إذ ما لبث- سوهارتو- بعد أن ثبّت سيطرته وسيطرة الجيش والحزب على البلاد، أن بدأ بتدعيم ما يكفل لسلطانه البقاء بكل وسيلة، فكان من ذلك إلغاء نظام الأحزاب المتعددة وإجبار الأحزاب المعارضة على التجمع في تكتلين حزبيين كبيرين، أولهما: حزب التطوير الإندونيسي، وضم الأحزاب والتجمعات ذات الاتجاهات الإسلامية والوطنية غير العلمانية والثاني: حزب إندونيسيا الديمقراطي وضم الأحزاب النصرانية والقومية العلمانية. ومنع سوهارتو النشاط السياسي خارج إطار الأحزاب الثلاثة، واشترط على الحزبين المعارضين إعلان الولاء للحكم القائم وعدم ممارسة المعارضة السياسية لأعمال الحكومة وأدخل من كل من الحزبين وزيرًا في حكومته التي ضمت عشرين وزيرًا.
ولم يكن خافيًا على- سوهارتو- ما للأحزاب الإسلامية الاتجاه من تأثير كبير على شعب إندونيسيا المسلم بفطرته المتمسك بمشاعر الإيمان في قلبه رغم فتك الاستعمار والتبشير والعلمانية والشيوعية به على مر السنين... فحظر على المعارضة أن تمارس أي نشاط في قرى إندونيسيا التي يقطنها أكثر من 75% من مجموع سكان البلاد، بينما كان لحزب جولكار الحاكم المجال الواسع لإقامة تنظيماته وممارسة نشاطه وسط شعب تبلغ نسبة الأميين فيه حوالي الثلثين، وتزيد في القرى خاصة إلى أعلى من ذلك.
كما أوجد- سوهارتو- نظامًا انتخابيًا يكفل لحزبه الأغلبية مهما كانت نتيجة الانتخابات العامة ويكفل بقاءه رئيسًا للدولة تبعًا لذلك، فبعد أن كان عدد نواب المجلس السابق 360 عضوًا رفع العدد إلى 460 على أن يكون للرئيس بمفرده- الحق بتسمية 100 عضو، يختار 75 منهم من العسكريين و25 من المدنيين.
ويعني هذا عمليًا أنه حتى لو حصلت أحزاب المعارضة على 70% من أصوات الناخبين هذا العام فستبقى الأغلبية المطلقة في المجلس النيابي بيد حزب- جولكار- الحاكم بزعامة- سوهارتو- و- مومرتوبو-.
ويعني أيضًا إعادة انتخاب سوهارتو رئيسًا للجمهورية بعد أشهر معدودة في اللجنة المؤلفة من أعضاء المجلس النيابي ومثلهم من مندوبي مختلف قطاعات الدولة الموضوعة تحت سيطرة الحزب الحاكم.
ومنع- سوهارتو- قبل بدء المعركة الانتخابية رسميًا في 24-2-1977م ببضعة شهور أي صحفي أجنبي من الذهاب إلى القرى لرؤية الطريقة المتبعة في الإعداد للانتخابات عن كثب.
وصدرت الأوامر من الحكومة يوم 24-2-1977م تحظر على المعارضة توجيه الانتقادات للعاملين في جهاز الدولة أو انتقاص قيمة سياستها.
ولا يبقى من دور للمعارضة بعد ذلك إلا السكوت إزاء المسؤولين عن انتشار الفساد والرشوة على أوسع نطاق، مما جعل إندونيسيا الدولة المصدرة للنفط لا تخرج عن مرتبة الدول الفقيرة ولا يزيد متوسط دخل الفرد السنوي فيها على 143 دولارًا عام 1975م، مع الفوارق المعيشية الكبيرة بين غالبية أبناء الشعب المسلم وبين فئة المتسلطين على الحكم من الضباط وكبار الموظفين والمستثمرين الأجانب، وبلغ ذلك أحيانًا درجة الفضائح المالية العلنية كما حدث عام 1976م في فضيحة مؤسسة النفط الحكومية مما أدى إلى إقالة رئيسها- إينوسوتونو- فأعرب عن شعوره العميق بالمرارة لأنه لم يتخذ إجراء ما دون الاتفاق المسبق مع رئيس الدولة سوهارتو.
وتتحدث بعض التقارير الصحفية الأجنبية عن انتشار الفساد والرشوة فيقول أحدها على سبيل المثال:
إن استغلال الثروات الأرضية الكبيرة بإندونيسيا الذي يبدأ في عهد سوهارتو لم يعد بالفائدة على غالبية الشعب إنما كان الازدهار الاقتصادي من نصيب فئة القوى المسيطرة سياسيًا واقتصاديًا... من كبار الضباط والموظفين ومن أصحاب رؤوس الأموال الأجنبية، أما عن عامة الجماهير في إندونيسيا (1).
ولا عيب بعد ذلك أن تبدي الأوساط الاقتصادية الأجنبية ارتياحها إزاء نتائج الانتخابات في 2-5-1977م مثل رئيس اتحاد شركات النفط الأمريكية في كاليفورنيا- هارتلي- الذي بلغت استثمارات شركته في إندونيسيا منذ عام 1968م ما يعادل 750 مليون دولار (2).
وكانت عمليات استطلاع الرأي في الصيف الماضي تؤكد أن الحزب الحاكم لن يحصل على 50 بالمائة من أصوات الناخبين... فلجأ سوهارتو والحزب الحاكم في إندونيسيا إلى الوسائل المشبوهة لمنع المعارضة ذات الاتجاه الإسلامي بالذات من الفوز المتوقع لها في مناطق معينة مثل جاوا الشرقية، مما يتحدث عنه تقرير مراسل صحفي فيقول:
بعد أيام من يوم الانتخاب 2-5-1977م كشفت زعامة حزب التطوير الإندونيسي إنه في شرق جاوا وحدها فقدت بطاقات الانتخاب لـ2.5 مليون ناخب من مؤيديها، وإن مليونًا ممن يحق لهم الانتخاب من مؤيديها أيضًا لم يستطيعوا الانتخاب أصلًا لعدم تسليمهم هوياتهم الانتخابية في الموعد المقرر...
وفي العاصمة الإندونيسية الكبيرة حيث لا يستطيع سوهارتو والحزب الحاكم ممارسة ضغوط كبيرة على الناخبين استطاع- حزب التطوير الإندونيسي- أن ينتزع أصوات نصف مليون ناخب كانوا من مؤيدي حزب- جولكار- إلى الآن... فهل يعطي هذا النصر الواضح الصورة الحقيقية لاتجاه الشعب الآن؟
لقد وضعت الانتخابات- سوهارتو- أمام مشكلة جديدة بعد مضي 9 أعوام على حكمه... صحيح أنه فاز بما يريد نسبيًا في الانتخابات، ولكن هل سيتمكن من الحفاظ على فوزه هذا زمنًا طويلًا (3)...
تلك بعض خلفيات الانتخابات العامة الأخيرة في إندونيسيا يوم 14-5-1397هـ و2-5-77 وأسفرت- كما كان مقررًا لها من قبل- عن استمرار الأوضاع كما كانت بتعديلات زهيدة في نسبة المقاعد، فحصل- جولكار- على 62% من الأصوات- 63 بالمائة عام 71م- وحصل حزب التطوير الإندونيسي على حوالي 30%- 27.12 بالمائة عام 71م- وحصل حزب إندونيسيا الديمقراطي على حوالي 8 بالمائة- 10.09% عام 71م-.
عن الرائد- مركز إخن
ألمانيا عدد 27-28