العنوان مذكرات رضا نور .. الجيش التركي تلقي تدريبه عن الألمان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1982
مشاهدات 65
نشر في العدد 557
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 19-يناير-1982
كنت أحب صلاح الدين لأني أعلم أنه رجل شريف.
يجب عدم السماح إطلاقًا لفئة العسكر بالاقتراب من شيء اسمه السياسة.
مصطفى كمال يتخلص من رفيق سلاح آخر .. صلاح الدین جولاق
في ذلك الوقت كان صلاح الدين جولاق قائدًا لسيواس ولم يسترح له مصطفى كمال، فاقترح ذات يوم على مجلس الوزراء عزل صلاح الدين هذا من القيادة، و استطاع استصدار قرار بهذا. مع أن هذا لم يكن له داع، لأن مصطفى کمال كان يمكنه عزله مباشرةً، لكن صلاح الدين كان في نفس الوقت عضوا بمجلس الأمة، ومن ثم فقد يفتعل شيئا في المجلس. وعلى ذلك فأفضل شيء أن يحمل مصطفى كمال مجلس الوزراء هذه المسئولية. و الواقع أنه كان يحمل مجلس الوزراء مسئوليات كهذه، يعني أنه لم يعزل صلاح الدين جولاق، رغم أن الأمر بيده، مغبة أن يؤدي هذا إلى معاداة صلاح الدين وجيشه له...
وعلى عادته لجأ إلى نفس لعبته، دعاه إلى أنقرة للتشاور في أمر هام، لم أستطع أنا تحمل هذا، فقد كنت أحب صلاح الدين لأني أعلم أنه رجل شريف، و للآن لم يظهر منه شيء يُغير علمي بذلك إلا أن ذكاءه محدود وعصبي و خشن.
لقيت صلاح الدين في القطار عند ذهابي إلى موسكو، قلت له: «يا هذا، ما هي الغفلة! إنهم عزلوك من القيادة ولا تريد أن تصدق؟!» فقال بكبرياء: «لا» إني ذاهب بدعوة كريمة. وهل كلامك هذا يُعقل؟! إنه غير ممكن»
إنه رجل جد غافل، لكني نظرت إليه بعد قليل فرأيت لونه قد تغير، و وجهه تغير، معنى هذا أنه بدأ يشك، و الواقع أنه كان لابد أن يصدق كلامي، فليس لي نفع في الكذب عليه. سافرنا نحن، و ذهب هو إلى أنقرة، و قد حدث ما أنباته به فقد رأيت صلاح الدين جولاق في صفوف المعارضة في مجلس الأمة...
نريد عقد معاهدة مع روسيا لكننا لا نعرف عن الروس شيئًا
وصلنا أنا و يوسف كمال إلى قارص حيث وجدنا علي فؤاد في انتظارنا، وفي قارص قالا لي:
هيا ندخل روسيا.
قلت لهم: لا! لن نذهب قبل تسع أيام أو عشرة لكي نقضي عملًا في روسيا لابد من الحصول على معلومات عن الوضع في روسيا و ماهية الشخصيات التي تحكمها، من هو أكثر نفوذًا من الآخر منهم و أفكار كل منهم إلى آخر هذا و بعد ذلك نستطيع الذهاب إلى روسيا، وعلى هذا لا بد من دراسة ملفات قيادة الجبهة الشرقية في هذا الخصوص.
وافقا و التقينا بقرابكير قائد الجبهة الشرقية فأعطانا الملفات المطلوبة و تدارسناها.
شخصية قرابكير و «العسكرية هي نقطة العطب في الأمة»
كانت هذه أول مرة أرى فيها قرابكير: إنه أقرب للقِصَر منه للطول المتوسط، ممتلئ الجسم، وجهه جميل ومحبوب، وعلامات الصحة تبدو في خديه، هذا الرجل لا يتناول المسكرات ولا حتى يشرب القهوة ولا يدخن السجائر، وليس من مقربي الفواحش، لقاؤه أيضًا رقيق، وهو إنسان مهذب، بل و حتى خجول في خجل الفتاة العذراء.
لكن في هذه اللوحة شيء بارز يلفت النظر، إنه متعاظم، لم أعقد صلات قوية بمجموعة العسكريين في الحركة الوطنية، رأيتهم كلهم تقريبا أثنًاء الحركة شيء عجيب، كلهم يتعاظمون أن هذه الصفة قاسم مشترك جميعًا، شيء يدهش كل واحد منهم لا يرضى عن الآخر.
ليس هذا عندنا نحن فقط لكنها علة خاصة بالعسكر في جميع الأمم إن العسكريين يتعاظمون بالتربية التي يتلقونها في فنهم «العسكري». إن وجود السيف وهو يحل كل شيء في أيديهم يمنحهم الغرور و الاعتماد على النفس، إن التنفيذ الفوري للنظام و الأوامر يجعلهم يظنون في أنفسهم بأنهم شيء. ومن هذا يولد الاستبداد و يظهر المستبد. لن ندخل في تفصيلات هذا. لكني أقول إن بسبب هذا قال علماء الحقوق الأساسية والدساتير والفلاسفة إن العسكرية هي نقطة العطب في الأمة و يبحثون عن الوسائل لتفاديها، وهذا صحيح كل الصحة؛ و يجب عدم السماح إطلاقًا لفئة العسكر بالاقتراب من شيء اسمه السياسة، إن هذه الفئة هي مادة مُفجرة و خاصةً مثل القنبلة، و بهذه الملاحظة وضعت سويسرا جيشها في حالة أشبه بالحرس الوطني كما أنهم ألغوا رتبة «الجنرال» يعني مدنوا الضابط أنها لنظرة جيدة جدًا، و قاعدة طيبة. فمن المعلوم ما فعله البروتورينيون في روما و الإنكشارية بنا. و منذ المشروطية عندنا والعسكريون على رأس الثورات و بعد أن ينجحوا فيها يمتطون المناصب الكبرى ويقومون بالمهام المربحة ماديًا، وهذا يعني دفع العسكرية إلى كبد الكيان الوطني.
الجيش التركي تلقى تدريبه عن الألمان؛ وبالتالي فقد دخلت الأصول والقواعد الألمانية الجيش عندنا، ضباطنا يعملون في إطار من الانتظام والنظام وهذا التفوق لدى ضباطنا ليس موجودًا البتة لدى إداريينا من المدنيين.
وجدنا في الملفات معلومات مفيدة لكنها ليست كافية، لكنها أضاءت لنا الطريق، وحتى ذلك الوقت لم تكن لدينا معلومات عن روسيا، و في تلك الأثناء وصل مصطفى صبحي و أربعة عشر من أصدقائه من روسيا إلى قارص قادمين إلى تركيا حيث سيقومون بالدعاية للشيوعية، أعطاهم الروس المال والمجوهرات، و كنا نرى أن رد فعل دعاية هذه المجموعة قد انعكس على الشعب التركي انعكاسًا جيدًا، إذ أن الشعب ثار ضدهم وضد دعايتهم الشيوعية ثم أمسك قرابكير بزمام عقله و أنقذ الجيش من الاختلال. أما دلي حامد فقد كان ضد البلشفية وعدوًا مدهشًا للشيوعية.
شيوعي لكني أفدت منه
كنت أعرف مصطفى صبحي من إستانبول، قال لي هذا الشخص أن الروس سيوقعون معك المعاهدة، و إني أعرف هذا من أقرب المصادر الروسية، أسعدني هذا.
لابد للدبلوماسي إذا أقدم على عمل ما، من الاستعلامات وجميع المعلومات، إن هذا حجر الأساس في النجاح، ينطبق هذا الكلام على العسكرية أيضًا، وكنت أهتم بهذا جدًا.
ابتداء من قارص وأنا استخبر عن روسيا و أجمع المعلومات عنها، و ليس لدينا في أنقرة أي معلومات عن الروس، كما أن ليس لدى الحكومة التركية أي ملف عن روسيا، وعندما خرجت من أنقرة في طريقي إلى روسيا كنت- ومن معي- خالي الأذهان تمامًا صفر الأيادي من المعلومات حتى رئاسة الوزراء لم تصدر لنا أي تعليمات بخصوص مهمتنا في روسيا.
ذهب صبحي و رفاقه، وكان الناس يستقبلونهم من أرضروم إلى طرابزون وفي كل مرحلة بالبصق في وجوههم وسبهم بألعن السباب؛ لأن صبحي و رفاقه شيوعيون إلى أن أخذهم بحار بزورقه و ابتعد بهم في البحر ثم أغرقهم بإلقائهم في اليم، و كان مع صبحي امرأة روسية؛ علم الروس بالأمر فحاولوا كثيرًا معرفة هذا البحار القاتل، لكني أنا أعرفه فقد كان متسلطًا على طرابزون وكان رئيسًا لطائفة الصيادين وأصبح غنيًا، وعندما عُدت من روسيا أقام لي مأدبة دعاني إليها، و بعد ذلك اغتاله قاتل مجهول وسبب قتله كان كالآتي: جاء أنور باشا إلى مدينة باطوم فأقام له هذا البَحَّار المتسلط حفلًا عظيمًا وهتف والناس معه «يحيا أنور»، أما قاتل هذا البحار المتسلط فهو القائد العسكري لطرابزون قتله بأمر من مصطفى كمال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل