العنوان الاقتصاد السوري المريض يشكل خطرا على «الأسد»
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1960
نشر في الصفحة 28
السبت 09-يوليو-2011
بقلم: أنتوني شديد (*)
(*) صحيفة «نيويورك تايمز»، 25لوليو ٢٠١١م
خلال أول خطاب يلقيه أمام السوريين منذ شهرين، حذر الرئيس بشار الأسد» من انهيار الاقتصاد السوري. ربما انطوت هذه الكلمات على مبالغة بغية حشد تأييد السوريين وراء قيادة تترنح تحت وطأة انتفاضة مستمرة منذ ثلاثة شهور، لكن المشاعر التي بدت في الخطاب تسلط الضوء على الخطر الذي يشكله تدهور الوضع الاقتصادي على حكومة وعدت منذ وقت بعيد شعبها بحياة أفضل. حتى في الوقت الذي رفضت فيه التخلي عن أي سلطة سياسية حقيقية، ومع تعمق الأزمة التي تعصف بالبلاد، يواجه السوريون إمكانية عدم تحقيق أي من الأمرين.
تاجر في «حلب»: نريد حلا أيا ما كان للخروج من هذه الأزمة.. ولن ننتظر إلى الأبد
تبدو الفنادق التي اعتادت استقبال السائحين الوافدين إلى مدينة «حلب» السورية خاوية، في الوقت الذي بدأ فيه تدفق الأموال القادمة من الدول الخليجية، والذي عزز الطموحات السورية بالتحديث في الانحسار. وانهارت الليرة السورية، وتراجعت الصادرات بينما وعدت الحكومة بتوفير أموال لن تتوافر لديها لفترة طويلة.
عن ذلك، قال «محمد زيون»، تاجر ملابس في حلب: «نحن كأصحاب أعمال ترغب في إيجاد حل، ولن ننتظر إلى الأبد. ينبغي أن يجد الرئيس سبيلا للخروج من هذه الأزمة، أو يترك الأمر الآخرين. نريد حلا، أيا ما كان».
في الكثير من أرجاء العالم، جرى النظر إلى الانتفاضة السورية باعتبارها رد فعل تجاه الحملات الوحشية التي تشنها واحدة من أكثر حكومات المنطقة استبدادا، إلا أن الاقتصاد الذي حصد لفترة طويلة الإشادة والثناء لما يحمله من إمكانات - رغم انتقاد المسؤولين عنه بسبب سوء إدارتهم له - لعب دورًا لا يقل أهمية في تأجيج المظاهرات الحالية.
دراسة حالة
الإصلاحات السوقية التي قلصت الدعم الموجه للطعام والوقود على مدار السنوات السبع الماضية، أثارت حالة من الإحباط تفاقمت جراء القحط الذي بدأ عام ٢٠٠٦م ودفع بـ ١.٥ مليون نسمة من الريف إلى المدن جراء عدم وجود وظائف كافية، ومع توقع خبراء اقتصاديين تردي الأوضاع خلال الصيف، فإن مستوى صحة الاقتصاد قد يحدد المسار الذي ستتخذه الانتفاضة الراهنة.
ومن هذا المنظور، تبدو المظاهرات السورية دراسة حالة للاضطرابات التي يعج بها العالم العربي، حيث تداخل القمع السياسي مع الإحباط الاقتصادي، علاوة على شعور مبهم بالمذلة ليطلقوا جميعا بعض أكبر التغييرات التي تشهدها المنطقة منذ جيل. وحتى المحللون المتعاطفون مع «الأسد» يعترفون بأنه أخفق حتى الآن في طرح خطة حقيقية لتناول هذه المظالم، بخلاف تحذيره من البديل لوجوده في السلطة.
وأوضح محلل يعيش في سورية– طلب عدم الكشف عن هويته خوفا من تعرضه للانتقام - أنه «خلال الشهور الثلاثة منذ اندلاع الأزمة، عجز النظام عن التحرك على أي جبهة، حتى الاقتصاد، رغم أن التأييد الذي يحظى به يعتمد على الاقتصاد، والواضح أن النظام لا يملك أي سياسة أو إستراتيجية في الوقت الراهن».
أزمة ثقة
ومنذ اندلاع الانتفاضة في منتصف مارس الماضي، جاء التأثير الأكبر لها اقتصاديًا على قطاع السياحة، وهو أحد القطاعات التي كانت تحقق نموا ، وتدر ثمانية مليارات دولار سنويا، حسبما ذكر اقتصاديون.
من جهته، اشتكى مالك أحد الفنادق أشار إلى نفسه باسم «أبو جورج»- من أنه بحلول يوليو، سأضطر لغلق الفندق، وبدلا من تسريح عامليه فضل تقليص ساعات العمل للعاملين البالغ عددهم خمسين فردًا إلى النصف.
وخلال خطابه، ألمح «الأسد» إلى وجود أزمة ثقة، وهي كلمات تحمل الحقيقة، وأشار خبراء اقتصاديون إلى تراجع قيمة العملة السورية بنسبة وصلت إلى ۱۷%، وتواجه الحكومة التي توقعت اجتذاب استثمارات أجنبية بقيمة ٥٥ مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة إمكانية فقدان الكثير من تلك الأموال.
يُذكر أن شركة قطرية ألغت خططًا لبناء منشأتين لتوليد الكهرباء في سورية وتحدث مستثمرون أتراك بنبرة متوترة حول استثماراتهم في دولة بدت من قبل كواحدة من أنجح شركاء تركيا بمجال التعاون الاقتصادي.
كما فرضت دول أوروبية عقوبات واسعة النطاق قد تمتد في النهاية إلى قطاع النفط السوري، أحد المصادر الحيوية للعملة الصعبة والذي يعاني ترديا الآن.. وفي أبريل الماضي راجع صندوق النقد الدولي تقديره لمعدل النمو السوري هذا العام، ليخفضه إلى 3% من نسبة ٠٥,٥%
انكماش
ومع دخول الانتفاضة شهرها الرابع، يرى محللون أن الاقتصاد، الذي يقدر إجمالي الناتج الداخلي له بقرابة ٦٠ مليار دولار، قد ينكمش بما يصل إلى 3 % عام ٢٠١١م.
والملاحظ أن هذه المشكلات تسببت في تفاقم الأوضاع المتردية بالفعل في الريف السوري، حيث دفع القحط مئات الآلاف للانتقال إلى المدن، وقد خلت بعض القرى من سكانها .. ومنذ عام ۲۰۰٤م، سارعت الحكومة من وتيرة رفع الدعم الخاص بالطعام والوقود مما زاد من صعوبة المعيشة بالنسبة لموظفي الدولة الذين فشلت رواتبهم في اللحاق بوتيرة التضخم.
من ناحيته، قال «بسام حداد» مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط بجامعة «جورج ميسون»: «تسبب ذلك في تسارع السخط الذي نراه في الشارع اليوم، وهو ما لا يدركه الكثيرون. الأمر لا يتعلق بالقمع السياسي فحسب، وربما لا يقتصر على القمع الاقتصادي أيضا، وإنما هو مزيج من كليهما، علاوة على غياب سبيل لعلاج المشكلات الأمر الذي يسيء لكرامة المواطنين».
وفي أعقاب اندلاع المظاهرات بفترة قصيرة، ألمحت الحكومة إلى تفهمها للتأثير الذي خلفته إجراءات سابقة لها، حيث أعادت بعض صور الدعم للوقود وعرضت أكبر زيادة في رواتب الموظفين الحكوميين خلال أربعة عقود .. وذكر أحد الخبراء الاقتصاديين أن الحكومة قدمت زيادة سخية أيضا لأعضاء قوات الأمن التي تمثل أهمية محورية لبقاء الحكومة، ولا يبدو أن أحدا واثق من كيفية توفير الحكومة لتلك الأموال.
وعلق «نبيل سمان»، الخبير الاقتصادي ومدير مركز الأبحاث والتسويق في دمشق بقوله : «هذا استنزاف هائل للموارد الحكومية ولن يتمكن الاقتصاد السوري من الصمود لأكثر من ثلاثة أو أربعة شهور على هذا الحال، إنهم لا ينظرون للمستقبل، وإنما ينصب جل اهتمامهم على إرضاء الرأي العام ومنحه مالا كافيا لوقف المظاهرات»، متوقعا انهيار العملة السورية.
مسؤولون أمريكيون: تأييد بشار ينحسر بين أصحاب الأعمال. والقلق يزداد بين المسيحيين والعلويين
محللون : النظام عاجز عن التحرك على أي جبهة ولا يملك أي استراتيجية في الوقت الراهن
انحسار وقلق
وفي سورية التي لا تزال بمعزل إلى حد ما عن الاقتصاد العالمي، لم تكن الإصلاحات السوقية قط بالضخامة التي كانت عليها في مصر وتونس؛ حيث أنشئت سوق الأسهم السورية عام ۲۰۰۹ فقط، ولا تزال الحكومة تتمتع باحتياطيات تقدر بـ ۱۷ مليار دولار، وهو رقم يرى أحد الخبراء أنه كاف لتغطية واردات سبعة شهور، إلا أنه - مثلما أشار «الأسد» نفسه - فإن المشكلة في حقيقتها قد تكون سيكولوجية أكثر، مع سعي قيادته للتشبث أكثر بدعم مجموعات الأقلية والطبقة الوسطى ونخبة أصحاب الأعمال لها، والذي لا يزال كبيرًا.
ومنذ بداية الانتفاضة، كانت هذه المجموعات - وليست المعارضة - هي الجمهور المختار للحجج الحكومية القائمة حول فكرة أن «بشار وحده هو القادر على تحقيق الإصلاح والاستقرار. وأشار مسؤولون أمريكيون إلى اعتقادهم بأن التأييد الذي يحظى به «بشار» في انحسار بين نخبة أصحاب الأعمال، في الوقت الذي يزداد فيه القلق بين المسيحيين بل وبين العلويين أنفسهم الذين تنتمي إليهم عائلة «الأسد».
وفي دمشق، قال وكيل سفريات «۲۸عامًا» - أشار إلى نفسه باسم «أنور»- : إن راتبه البالغ ٦٠٠ دولار شهريا انخفض بالفعل بمقدار الربع، لأن جميع الوفود السياحية ألغت حجوزاتها. وقال: « إذا خسرت وظيفتي سأذهب إلى المسجد وأعتكف به، وإذا فشلت في ذلك سأنضم للمظاهرات، فالحكومة مسؤولة عن توفير وظائف لجميع المواطنين».