العنوان دراسة فكرية.. المنهج الإسلامي بين الوسيلة والغاية.. النية والعمل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1972
مشاهدات 70
نشر في العدد 91
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 14-مارس-1972
دراسة فكرية
يكتبها أبو سمية
المنهج الإسلامي بين الوسيلة والغاية
النية والعمـل
الإسلام وضع الإنسان في مكانه الصحيح بين الأحياء، وضع الحياة الإنسانية في مكانها الصحيح داخل حركة الكون، وأنه دين الفطرة، الذي استطاع أن يواجه الحقيقة الإنسانية على نحو شامل مستقيم.
من حق الإسلام أن يتخذ من الجريمة موقفًا حازمًا، لأن الإسلام لم يأت ليهادن الباطل، وإنما أتى لينشئ مجتمعًا سليمًا نظيفًا يأمن الناس فيه على دمائهم وأموالهم وأعراضهم
الحلقة الخامسة
ولأن الإنسان يتحرك في إطار التعامل مع الله، فإن كل أعماله وأقواله وخوالجه تخضع لإشراف إلهي ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)
﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد﴾ ( فصلت: 46)
«إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل أمرئ ما نوى».
فالمادي والمعنوي من الفعل خاضع لرقابة الإله ومحاسبته، وليس هناك شيء خارج دائرة الله، ومن هنا تبدو مثالية المنهج الإسلامي الذي لا يكتفي فيه بالظاهر المادي من الأفعال، وإنما يتعدى ذلك إلى البواعث والغايات، ولكم تاهت البشرية بين الدجالين الذين يتظاهرون بالكرامة والشرف، بينما تكون كل أعمالهم وأقوالهم مجرد حق يراد به باطل، أو مجرد باطل يلبس ثوب الحق، إن سمو المنهج الإنساني ليجعل هذا الإنسان، الذي يريد الخير ولا يقدر على فعله، أكرم وأنبل من ذلك الإنسان الذي يفعل الخير متوسلًا به إلى الشر.
وفي الجانب الآخر، لا يحاسب الإسلام على النية السيئة ما لم تتجسد هذه النية في شكل من أشكال الشر، كما أن الإسلام لا يعرف الوسطية أو الاعتدال أمام الجريمة، إنه يقف منها موقفًا حازمًا، فهو يبدأ بالقضاء على العوامل المساعدة عليها، وهو يهيئ كل الظروف لتوفير مناخ صالح للاندماج في الخير، وهو بالتالي يقطع جذور الجريمة من أساسها إذا وجدت، القتل بالقتل، وقطع يد السارق دون عذر، ورجم الزاني المحصن وجلد غير المحصن، إلخ.
وكل النهضات والحركات التاريخية الحديثة والقديمة قد اتخذت حلولًا بشعة قوية ضد من تعتقدهم عناصر خطرة عليها، لكن الإسلام لم يحدد عناصر خطرة عليه، إذ الإسلام ليس حركة تاريخية لتصحيح وضع ناجم عن ظروف طارئة، وإنما حدد الإسلام قضيته على أساس الحق والباطل، وبالتالي فهو لا يقبل ترك الباطل، ينمو ويزدهر في قوانين تافهة يسهل التحايل عليها، والإفلات منها- مع تحقق كل أركان الجريمة، لقد اتخذت الصين أقسى الإجراءات وتوعدت مدمني الأفيون بعقوبات؛ منها الإعدام رميًا بالرصاص في الميادين العامة، حتى تمكنت من القضاء على الأفيون وعلى البلهارسيا، لكن الإسلام وضع قوانين محددة، وإحدى الدول العربية «الجزائر» الآن تجعل عقوبة الإعدام هي الردع الواجب الذي يستحقه الذين يسرقون أموال الشعب، وفي بعض الظروف جعلت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عقوبة الإعدام الجزاء العادل لمن يشرب الخمر، فمن حق الإسلام إذن أن يتخذ من الجريمة موقفًا حازمًا، لإن الإسلام لم يأت ليهادن الباطل، وإنما أتى لينشئ مجتمعًا سليمًا نظيفًا يأمن الناس فيه على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
شمول في المنهج:
وحين يعلن الإسلام، في كل تعاليمه، أن الإنسان ليس وحده وأنه يخضع لعملية رقابة شديدة، وسيحاسب على كل أعماله صغيرها وكبيرها، وحين يقول الإسلام للإنسان إن نيتك خير من عملك، وأنت مراقب من الداخل، كما أنك مراقب من الخارج، حين يقوم الإسلام بكل هذا، فإنه إنما يريد إشعار الإنسان بأن تعامله معه تعامل كلي، وأن كل شيء لله.
والإسلام لم يتحدث إلى الناس يومًا عن العبادات مستقلة أو المعاملات وحدها، أو عن العقيدة المجردة، كما أن القرآن يدمج دائمًا بين قضايا كثيرة يعرضها في سياق واحد، ذلك لأن الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مجموع مركب من نزعات وأهواء كثيرة وعلى أنه وحدة متكاملة لا يمكن علاج جانب منها وترك جوانب أخرى.
ومن هنا كانت العبادة في الإسلام ـ كما ذكرنا - ذات معنى واسع شامل، ومن هنا وضع الإسلام للإنسان قوانين شاملة كلية لا يتفلت منها جانب من جوانب الحياة؛ سواء في داخل الإنسان أو خارجه، وسواء في علاقاته مع الناس أو الكون أو الله.
إنك لا تستطيع أن تقول: إن في الإسلام تنظيمًا اقتصاديًا ثم تسكت عند هذا الحد، ولا تستطيع أن تقول: إن في الإسلام جوانب روحية أو تنظيمًا اجتماعيًا ثم تسكت كذلك، لكنك تستطيع أن تقول بإيجاز صادق: «إن الإسلام وضع الإنسان في مكانه الصحيح بين الأحياء، ووضع الحياة الإنسانية في مكانها الصحيح داخل حركة الكون، وإنه دين الفطرة الذي استطاع أن يواجه الحقيقة الإنسانية على نحو شامل مستقيم.
حقيقة الحقائق:
إن الإنسان لن يفلت من يد الله، إن كل فلسفات الشك والتمرد لن تغير في نهاية المطاف ولن تغير من حقيقة الحقائق، لا بد أن يلتقي الله والإنسان يومًا على نحو ما، وعندما تنتهي الرحلة الطويلة في حساب الناس؛ سيحس الإنسان أن موعده مع الله كان قريبًا جدًا، وإنه كان يعيش رحلة خداع وشرود، وسيؤكد لنفسه أنه كان في حلم غريب: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُون﴾ (الروم: 55) سيلتقي الخالق والمخلوق على نحو ما، وسيدور بينهما حوار على نحو ما، وستظهر أبعاد الفجوة بين الخالق الكريم الرحيم القوي القادر الرازق وبين الإنسان الذي تجاهل كل شيء، ونسى كل شيء، وعق كل أيادي الله الكريمة العالية، وسيقف هذا الكائن المتمرد الذي عقد لله- على امتداد تاريخه- آلاف المؤتمرات، ووجه إليه ملايين التساؤلات، واخترع، من أجله ومن أجل رسالاته، مئات من نظريات الشك والتطاول والعبث، سيقف هذا الكائن المتمرد ذليلًا نادمًا منكس الرأس وسيعرف في هذا اليوم على نحو قوي وعميق أن الله سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 23)
وستنهال على هذا الكائن مئات الأسئلة، عن كل نعمة وصلت إليه، وعن كل هداية سيقت إليه، وعن كل انحراف أداه إليه تجاهله لكلمات الله.
وفي هذا اليوم الطويل العجيب سيكتشف الإنسان كل الحقيقة، لن يضيع من الحقيقة أي شيء، فإن الصفحة الثانية المكملة لقصة الوجود ستكون قد فتحت، ووقعت كل العيون على سطورها، وتغيرت وجوههم تبعًا لما وجدوه في هذه الصفحة: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ( آل عمران: 106-107) وفي هذا اليوم سيدرك الإنسان أن هذه القصة الطويلة العريضة قد لخصها القرآن على نحو معجز في آية واحدة من آياته:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
(النساء: 1) هذه هي الحقيقة الأخيرة والكبرى التي سيقنع بها الإنسان على نحو ما وبطريقة ما، في يوم ما، يوم قريب وطويل.
المنهج الإسلامي وقصة الوجود:
لقد نظرنا فجأة فوجدنا أنفسنا نسير في الطريق، ولقد وجدنا الطريق معبدًا للتقدم، فسرنا، وبدا لنا كأن هذه طبيعة الأمور.
وعندما يكون الصانع ماهرًا تنسجم صنعته، حتى ليبدو من شدة انسجامها كأن الصانع لم يصنع شيئًا، ثم فجأة في بعض الطريق، ألح السؤال الخالد:
- من أين جئنا؟ ثم ألحت الأسئلة الحتمية:
-ولماذا جئنا؟
- وما هذا الذي حولنا؟
- وما مصيرنا؟
وأسئلة كثيرة ملحة لا تخرج كلها عن كلمة «لماذا»
والإنسان تائه في البيداء، بين شعاع ضئيل يعقل في داخله، وبين جهد ضخم تلح أعماقه في القيام به، وهو كثير ما يسقط، فالطريق كثير العثرات والزاد في أعماقه قليل...
وجاء الإسلام..
وفي موكب الإسلام انتظم رسل كثيرون، منهم من نعرف ومنهم من لا نعرف، وكلهم حاول أن يقيل الإنسان من عثرات الطريق، وكلهم أعطى إجابة كافية تتوازى مع كمية إلحاح وتهافت الإنسان الفطري على السؤال الخالد:
«لماذا؟»
ثم جاء القرآن فأعطى «الإجابة الأخيرة» على هذا السؤال، ووضع للإنسان قضيته الكلية الكبرى في إطارها الصحيح، وفي تصور الإسلام ما دام يضع الإجابة الأخيرة - إن «من أين جئنا» لا تقف في الطريق وحدها، وليست وحدها كل ما في الطريق من عثرات، فلئن عرف الإنسان من أين جاء- أي مرحلة ما قبل وجوده- فإن عليه كذلك أن يعرف مرحلة وجوده، بأن يتعرف على الكون المحيط به ويسخره جيدًا لخدمة الحقيقة وليس هذا وحسب، بل إن عليه كذلك أن يعرف مرحلة ما بعد وجوده، فإن الوجود في تصور الإسلام ليس «كوميديا إلهية» عابثة، وهذه المراحل الثلاث متشابكة في نظر الإسلام، ولا يجوز الفصل بينهما، ولا يجوز لك الإيمان بالتصور الإسلامي في إحدى المراحل وترك هذا التصور في مرحلة أخرى.
فإن الأديان السابقة قد أجابت عن مرحلتين من هذه المراحل، لقد أجابت عن مرحلة ما قبل الوجود ومرحلة ما بعد الوجود، والمرحلتان يطلق عليهما معا «الميتافيزيقا» والعلم الحديث مثلا «وهو دين حضارة العصر» في طريقه للإجابة عن مرحلة الوجود، فهو يستكشف الواقع المحيط به، ويسخره لخدمة أغراضه، في أقوى عملية تسخير شهدها التاريخ.
لكن الإسلام - من واقع مبادئه - أشمل من الأديان السابقة ومن هذا العلم الحديث!!
إن الإسلام تصور كامل لقصة الوجود بأبعادها الثلاثة، وهو إجابة شافية وأخيرة لكل التساؤلات الفطرية التي بني عليها كيان الإنسان.
«يتبع» أبو سمية