; تعد الأولى من نوعها في العالم الإسلامي.. هل تنجح تجربة المرشدات الدينيات في المغرب؟ | مجلة المجتمع

العنوان تعد الأولى من نوعها في العالم الإسلامي.. هل تنجح تجربة المرشدات الدينيات في المغرب؟

الكاتب حسن الاشرف

تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009

مشاهدات 61

نشر في العدد 1879

نشر في الصفحة 30

السبت 28-نوفمبر-2009

  • د. رشيد مقتدر: برنامج خاص لتخريج 150 إمامًا و50 مرشدة سنويًا.. يتم اختيارهم من حفظة كتاب الله
  • د. مصطفى بن حمزة: كان للمرأة حضور في مجال الدعوة والوعظ خلال فترات زاهية من التاريخ الإسلامي
  • مواطن ضعف وقصور في التجربة يجعلها تعجز عن طرح نموذج للتعامل مع التأطير الديني للنساء المغربيات 

حظي برنامج تأهيل مرشدات وواعظات دينيات بالمغرب بكثير من المتابعة والاهتمام الإعلامي سواء داخل البلاد أو خارجها، وبغير قليل من الجدل والنقاش حول سياقاتها الذاتية والموضوعية التي جعلت مدبري الشأن الديني بالمغرب يفكرون في إطلاق مثل هذا البرنامج الذي لم يعرف المغرب له مثيلًا من قبل، وأيضًا حول أهداف التجربة وغاياتها الحقيقية، ثم مدى السلبيات وجوانب النقص التي تعتريها حاليًا ومستقبلًا.

وإذا كان بعض المختصين والعلماء المغاربة قد أشادوا بتجربة المرشدات الدينيات؛ باعتبار أن الساحة الدعوية النسائية في المجتمع عطشى لمساهمة واعظات شابات ورعات ومتفتحات وذوات شهادات جامعية عليا، فإن آخرين يتحفظون بخصوص هذه التجربة لكونها تهدف إلى الحد من إشعاع المساجد بالمغرب ومراقبتها والتحكم فيها عن طريق أفواج من المرشدات والواعظات والأئمة أيضًا، في حين أن البعض ينظر إلى تجربة المرشدات بعين الشك وعدم الرضا باعتبار أنها تستهدف إقصاء الوعاظ والأئمة والواعظات الذين «لا ترتاح لهم» السلطات المعنية أو المنتمين لجماعات إسلامية مغربية محددة بعينها.

عودة للوضع الصحيح

«د. مصطفى بن حمزة» رئيس المجلس العلمي لمدينة «وجدة» «هيئة رسمية تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب» قال لـ «المجتمع»: إن تمثيل المرأة في مجال الوعظ والإرشاد هو عودة للوضع الصحيح، باعتبار أن المرأة كانت حاضرة بقوة في ميادين الدعوة والوعظ الديني خلال فترات زاهية من التاريخ الإسلامي، ابتداء من زوجات الرسول ﷺ، فقد كن مرشدات للمؤمنين فيما يهم شؤون دينهم وحياتهم.

وضرب المثال بأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، التي أخذت العلم الكثير عن رسول الله ﷺ، فكانت من المكثرين في رواية الحديث، بل لا يوجد في نساء أمة محمد ﷺ امرأة أعلم منها بدين الإسلام، وقد روي أن الصحابي أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ  حدیث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا». وهذا يعني أنها كانت تعظ وتُرشد الرجال والنساء على السواء ممن استشكل عليهم موضوع أو رأي في أحكام الشرع والدين.

وأشار «بن حمزة» إلى كون المرأة بطبيعتها النفسية وتركيبتها الخاصة تعد «محدثة». فهي تحب الحديث وتميل إليه، وبالتالي فإنها إما تتحدث في شؤون دينها مما يعود عليها وعلى أسرتها ومجتمعها بالنفع والفائدة، أو تتحدث في أمور تافهة لا نفع فيها ولا جدوى، بل قد يكون ضرر الحديث فيها أكبر وأعظم من غيبة ونميمة وبهتان ولحن في القول.

ويضيف رئيس المجلس العلمي لمدينة «وجدة» قائلًا: «ومن ثم كان حرص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب على الأخذ بيد النساء المتعلمات ممن لديهن تكوين شرعي وورع وتقوى من أجل تكوينهن وتدريبهن حتى يعملن في مجال الإرشاد الديني لآلاف النساء المغربيات في المدن والقرى، اللائي يجهلن كثيرًا من أمور دينهن؛ من تعاليم شرع الله تعالى، ومن فقه وآداب إسلامية، وتربية للأبناء وحسن معاشرة الزوج، والعمل الصالح للجماعة والوطن والأمة، وبالتالي فإن هذه التجربة كانت ولا تزال -عملًا راشدًا يهدف إلى الرجوع إلى الأصل، وهو أن المرأة تساهم في الوعظ والإرشاد ما أمكنها ذلك مثل أخيها الرجل.

الباحث المغربي في شؤون الحركات -الإسلامية «د. رشيد مقتدر» يرصد- في تصريحات خص بها «المجتمع»- السياقات الذاتية والموضوعية التي جاءت فيها تجربة المرشدات الدينيات بالمغرب؛ حيث يرى أن تجربة المرشدات أتت في سياق إستراتيجية الحكومة المغربية لتدبير الحقل الديني وإعادة هيكلته التي برزت أولى معالمها في بداية عام ۲۰۰۳م؛ إذ تمت إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ بإحداث مديريتي التعليم العتيق والمساجد.. كما تم عام ٢٠٠٤م إعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية التي زاد عددها من 19 إلى 30 مجلسًا، وتحويل «رابطة علماء المغرب» إلى جمعية ذات مصلحة عامة سُميت «الرابطة المحمدية للعلماء»، وإصلاح مؤسسة «دار الحديث الحسنية»، وإنشاء إذاعة «محمد السادس» للقرآن الكريم، والقناة السادسة، وغيرها.. وكلها إصلاحات تهدف إلى إحداث بنية مؤسساتية جديدة تعمل على تفعيل إصلاح الحقل الديني.

وأوضح «مقتدر» أن وضع برنامج خاص لتخريج ١٥٠ إمامًا و٥٠ مرشدة كل سنة واختيارهم من حفظة كتاب الله أو نصفه، واشتراط حصولهم على الإجازة في مختلف التخصصات الشرعية منها والقانونية والعلمية والاجتماعية، وإخضاعهم لبرنامج تعليمي لمدة اثني عشر شهرًا، يأتي في سياق السعي لإنتاج فئة من الواعظات والمرشدات ذوات الثقافة الشرعية والملمات بعلوم العصر وتقنياته.

والهدف -وفق «مقتدر»- هو الحد من سلبيات التشدد الديني والغلو الأيديولوجي الذي نجم عن التأثيرات السلبية لبعض التيارات السلفية المتشددة، أو الداعية للعمل المسلح، وهو ما تجسد فعليًا في المغرب بعد تفجيرات ١٦ مايو ٢٠٠٣م بمدينة «الدار البيضاء»، إلى جانب العمل على التبرير الشرعي للاختيارات الدينية بالمغرب - المحددة في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوّف -كثوابت دينية تجسد الهوية الدينية للمغرب، والدفاع عنها، والسعي لبثها بين الجمهور، إلى جانب الدفاع عن الإسلام، والمؤسسة الملكية، ووحدة التراب كثوابت سياسية.

مهام وطموحات

ومن جانبها، تطرقت المرشدة الدينية «سناء فلوتي» -في حديثها مع «المجتمع» -إلى «رفع الحرج عن النساء» الذي يتحدث عنه «د . مقتدر»؛ حيث أكدت أن تجربة المرشدات انطلاقًا من عملها الميداني- غنية، وذات أهمية كبيرة بالنسبة للنساء المستفيدات من التوعية الدينية، من خلال إلقاء العديد من الدروس في فقه العبادات والمعاملات، مع شروح لكيفية الوضوء أو الغسل من الجنابة، وغير ذلك من المواضيع التي تتحرج كثيرات من النساء في سؤال مختصين أو وعاظ ذكور عنها.. ثم بفضل التوعية الاجتماعية؛ من خلال شرح كيفية المعاملات مع الزوج، وطرق تربية الأبناء تربية إسلامية سليمة وناضجة، والحث على الخصال الحميدة من صدق وإخلاص وأمانة.

وأضافت إن بعض الأئمة والوعاظ السابقين كانوا يشتغلون بعقلية أنهم «يتملكون» تلك المساجد، وأنه لا ينبغي لأحد أن يخطب في الناس أو يعظ أو يرشد مكانهم؛ فتولدت تجربة الأئمة والمرشدات لتبرز أن هناك شبانًا مغاربة ذوي طاقات علمية وعقليات متفتحة، يشهد لهم بالورع، وببعض العلم الشرعي اللازم، وبالتواصل الجيد مع عموم الناس، لا سيما مع النساء منهم.

نقاط القوة والضعف

ويعود الأخصائي في الشؤون الدينية بالمغرب «د. رشيد مقتدر» ليتحدث عن مواطن القوة والضعف في تجربة المرشدات الدينيات، فيقول: «إن من جملة إيجابياتها فتح مجال الوعظ والإرشاد للنساء، وإشراكهن في تدبيره، وهي مسألة جديدة في العالم العربي والإسلامي، وهو ما يفسر الاهتمام الإعلامي الغربي خاصة بموضوع المرشدات والواعظات الذي يسعى إلى تسويق نموذج جديد للتأطير الديني في التجربة المغربية، علمًا بأن المجالس العلمية المحلية تضم العشرات من الواعظات والعالمات اللائي لم يلقين الاهتمام الإعلامي نفسه».

أما مواطن الضعف والقصور في تجربة المرشدات الدينية، فيوجزها «رشيد مقتدر» في كون مردودها المباشر لم يظهر بعد بشكل ملموس، كما أنها لم تتمكن من إيجاد نموذج مغربي في التعامل مع التأطير الديني للنساء، بالإضافة إلى أن حجم التحديات المطروحة أمام المرشدات والواعظات يطرح تساؤلًا حول مدى تناسب البرنامج التعليمي -الذي يخضعن له خلال سنة واحدة على المستوى المنهجي- مع حجم المهارات والمعارف التي اكتسبنها خلال هذه الفترة.

وسجل الأخصائي المغربي -أيضًا- حدوث مجموعة من المشكلات المرتبطة بطريقة إدماج هذه الفئة من المرشدات والواعظات بعد التخرج، موضحًا أن محظوظات منهن يتم تكليفهن بمهمة التأطير في بعض المساجد، أو إرسال بعضهن للخارج خاصة في رمضان، بينما يظل بعضهن يمارسن مهام إدارية داخل الإدارات التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أو داخل بعض المجالس العلمية.

ويطرح «د. مقتدر» مشكلًا آخر يعترض طريق هؤلاء المرشدات، يتمثل في إعادة التكوين والتأهيل للمرشدات والواعظات بعد خروجهن للعمل الميداني حتى يواكبن التطورات الحاصلة على المستويات الشرعية الدينية والمنهجية التواصلية، مشيرًا إلى أن هذا الموضوع يعد من بين أبرز المشكلات التي ستعترض الآفاق المستقبلية لهذا البرنامج في السنوات المقبلة.

عراقيل وصعوبات

وسردت المرشدة الدينية «سناء فلوتي» مجموعة من العراقيل التي تعترض بعض المرشدات الدينيات، خاصة اللاتي تم تعيينهن في البوادي والقرى، أو في مناطق على هامش الحواضر والمدن.. منها صعوبة التنقل بين المساجد دفعة واحدة، مما يعني مشقة في تغطية جميع المساجد في المنطقة التي تعمل فيها المرشدة، وأيضًا الضعف الكبير في المستوى الثقافي للنساء المستفيدات، ومشكلة عدم مواظبة النساء القرويات على حضور دروس الوعظ والحصص التعليمية؛ بسبب تحملهن أعباءً كثيرة خارج المنزل، حيث إن المرأة القروية عادة تذهب إلى الحقل للزراعة أو السقي... إلخ، وهو ما يؤدي إلى انقطاع الاستفادة، رغم الجهود التي تبذلها المرشدة في إقناع المرأة القروية بأهمية تلك الدروس والحصص التعليمية..

الرابط المختصر :