; أضخم جمعية عمومية للصحفيين للاعتراض على القانون المحد للحريات الصحفية | مجلة المجتمع

العنوان أضخم جمعية عمومية للصحفيين للاعتراض على القانون المحد للحريات الصحفية

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995

مشاهدات 55

نشر في العدد 1154

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 20-يونيو-1995

كلمات هيكل أججت الحماس في الجمعية العمومية والصحفيون يستعدون للإضراب العام واحتجاب الصحف

كانت الجمعية العمومية الطارئة التي شهدتها نقابة الصحفيين يوم السبت ٦/١٠ للاعتراض على التعديلات الأخيرة التي تمس حصانة الصحفي وتشدد العقوبات على النشر، كانت واحدة من المشاهد التاريخية الرائعة التي ستظل عالقة بالأذهان، ودليلا على أن وحدة الصف هي البداية الحقيقية لأي عمل ناجح، فمنذ الصباح توافدت جموع الصحفيين على مقر نقابتهم في شارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة، ليصل العدد إلى ما يزيد عن الألفين وخمسمائة صحفي (۸۰) % من أعضاء النقابة، ولا تكاد تجد موضعا لقدم؛ حيث امتلأت جميع القاعات والردهات والحديقة وأمام البوابة الرئيسية، في حشد هائل لم تشهده النقابة منذ أكثر من عشرين عاما، وكان الإحساس العام بالخطر، ليس على المهنة فقط ولكن على الهامش الديمقراطي المتاح الذي يحاول البعض اغتياله، كان هذا الإحساس هو الذي دفع بهذا الحشد الكبير للتواجد الفعال والمؤثر في الجمعية العمومية.

في الثانية عشرة ظهرًا افتتح الأستاذ إبراهيم نافع - نقيب الصحفيين - أعمال الجمعية العمومية وتلا بيان مجلس النقابة الذي أكد أن التعديلات المباغتة للقانون "الذي حفل بالمطاعن الدستورية والعيوب القانونية الفادحة، لتشكل في مضمونها وأثارها عدوانًا صريحًا على آفاق مرتكزات التجربة الديمقراطية في بلادنا، وفي القلب منها حرية الصحافة والتعبير عن الرأي التي كفلها الدستور والتقت عليها كلمة الوطن، ففي الوقت الذي يتطلع فيه المجتمع بكل فئاته وطلائعه الواعية إلى إرساء قواعد المشاركة والممارسة والديمقراطية وتأكيد قيم الحوار والتعددية والرأي والرأي الآخر، وفي الوقت الذي تهيأ فيه الصحفيون للدعوة إلى مراجعة وتنقية كل القوانين التي تحد من حرية الصحافة وحقوق التعبير والنشر وتحول دون انطلاقها المنشود جاء التشريع الأخير الذي صار يعرف باسم: القانون ١٣ لسنة ١٩٩٥م، ليضيف قيودًا جديدة على هذه الحرية، وليسحب من الصحفيين وأصحاب الرأي الضمانات المستقرة المكفولة لهم. على مدى عهود وحكومات متعاقبة.

 وشدد بيان مجلس النقابة، الذي تمت مقاطعته أكثر من مرة بالتصفيق الحاد وترديد بعض عباراته على التزام المجلس بالسعي لإلغاء هذا القانون، وأنه على استعداد تام لإجراء حوار متكافئ مع كل من يعنيه أمر تمكين الصحافة المصرية من أداء دورها على الوجه الأكمل وإزالة العقبات من طريقها.

وفور انتهاء النقيب من إلقاء بيان مجلس النقابة؛ الذي لقي ارتياحًا عامًا، تلا علي هاشم السكرتير العام برقيات التأييد والمساندة التي وصلت إلى النقابة والجمعية العمومية من لبنان والأردن، ومنظمة الصحفيين العالمية، والعديد من المنظمات العربية والدولية، كما تلا برقيات التأييد والمساندة التي وصلت من النقابات المهنية المصرية والنقابات العمالية ونوادي هيئات التدريس، لكن البرقية التي أشعلت حماس أعضاء الجمعية العمومية بكلماتها ونالت تصفيقًا حادًا لأكثر من مرة كانت برقية الكاتب د. للحريات الصحفية الصحفي محمد حسنين هيكل؛ حيث نشرتها الصحف القومية والحزبية في اليوم التالي، والتي قال فيها:

 برقية هيكل الساخنة

 إن هذا القانون استفزني كما استفزكم واستفز الرأي العام وحملة الأقلام وكل القوى السياسية والنقابية والثقافية في هذا البلد، وإن الأسلوب الذي اتبع في تصميم هذا القانون وإعداده وإقراره هو - في رأيي - أسوأ من كل ما احتوته مواده من نصوص؛ ذلك أن روح القانون لا تقبل منطق الخلسة والانقضاض، وأشهد آسفًا بأن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلي أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع العقاب، إن هذا القانون في ظني يعكس أزمة سلطة شاخت في مواقعها، وهي تشعر أن الحوادث تتجاوزها، وإن هذا القانون الذي استفزنا جميعًا ليس حدثًا وحده، وإنما حلقة في سلسلة التصرفات والسياسات لا تساعد على تماسك البناء الاجتماعي وانتظام الحركة السياسية وملاقاة عصور متغيرة، إن النصوص المترهلة، والصياغات المطاطة لا تعكس تربصًا للإيذاء بقدر ما تعكس لهفة لتطويق وحصار مخاطر لا يعرف الخائفون منها أن أمرها هين، إن النصوص المترهلة سيئة السمعة والسيرة في القانون الجديد تبدو كأنها باللونة منفوخة تشارف على الانفجار، تعكس بالدرجة الأولي حالة انفصام يصعب معها التقاء الأمل مع الإرادة فيما هو أكبر من حرية الصحافة وأخطر، ففي أجواء هذا الترهل المطاط، أصبحنا حكومة وأعالي بلا عقد اجتماعي، وناطحات سحاب وعشوائيات بلا صلة أو تواصل، ومن عجب أننا لا ندرك أن حرية الاختيار وهي صيحة العصر الجديد حزمة كاملة غير قابلة للتقسيم، فليس معقولًا أن يكون للفرد حق اختيار السلعة بمنطق حرية السوق، ثم لا يكون له حق اختيار الفكرة بأحكام حرية العقل، ففي القاهرة أسواق مفتوحة لكل شيء بلا قيود، لكنه ما زال فيها مكتب للمدعي الاشتراكي.

 برقية هيكل التي أثارت الشجون وهيجت المواجع وأججت الحماسة في الجمعية العمومية دفعت الكثيرين إلى المطالبة باتخاذ قرار بنشرها في جميع الصحف القومية والحزبية، وبدأ الصحفيون يتحدثون أمام الجمعية العمومية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ومن العاملين في الصحف الرسمية قبل الحزبية، ومن الشيوخ والشباب حتى إن المرضى شاركوا أيضًا بعضهم محمولًا على كرسيه المتحرك بدت فتحي سرور ثروت أباظة، الكلمات حماسية ملتهبة تطالب بالإضراب العام للصحف المصرية وتطالب بتعديل الدستور، وقصر مدة رئاسة الدولة على فترتين فقط وتطالب بإلغاء كل القوانين الاستثنائية مثل: قانون الطوارئ، وقانون سلطة الصحافة، وقانون الأحزاب، وقانون العيب، وغيرها من القوانين المقيدة للحريات وطالب البعض بمنع نشر أسماء وصور المسؤولين وأعضاء البرلمان الذين شاركوا في إصدار وإقرار هذا القانون وعلى رأسهم رئيس مجلس الشعب، وطالب آخرون بإحالة من أيد القانون أمام الرئيس إلى لجنة التأديب تمهيدًا لفصلهم من عضوية النقابة، وهما: ثروت أباظة رئيس اتحاد الكتاب، ومصطفى نجيب رئيس وكالة أنباء الشرق الأوسط، وطالب البعض باعتبار يوم ١٠ يونيو - وهو يوم انعقاد الجمعية العمومية- يومًا للصحافة المصرية، يذكرها دائمًا بالدفاع عن حريتها.

قرارات الجمعية العمومية

وبعد ما يزيد على الساعات الأربع أعلنت الجمعية العمومية القرارات التالية:

·       "ترفض الجمعية العمومية غير العادية لنقابة الصحفيين المنعقدة يوم١٠/٦/ ١٩٩٥م بإجماع كافة أعضائها، القانون رقم 13 لسنة ١٩٩٥م والخاص بتشديد العقوبات على حرية النشر والرأي في مصر، وكتشريع يهدد الضمانات المستقرة والمكفولة للصحفيين، وعدوان على حرية الصحفيين جميعًا، كما يتراجع عن الحد الأدنى للشروط اللازمة لأداء الصحفيين لعملهم على الوجه الأكمل الذي يرضي ضمائرهم ويحقق مصلحة الوطن، وتستنكر الجمعية العمومية في هذا السياق السرعة المذهلة التي صدر بها هذا القانون وتجاهل حق الصحفيين في إبداء رأيهم في أمور تمس شؤونهم ونقابتهم من خلال تنظيمهم النقابي الشرعي.

·        تؤيد الجمعية العمومية القرار الصادر عن مجلس النقابة وتؤيد جميع الخطوات التي اتخذها المجلس حتى الآن وتماسكهم خلف نقابتهم".

·       تلتزم الجمعية العمومية بالعمل بكل الوسائل المشروعة لإلغاء القانون ١٣ لسنة ١٩٩٥م وتحقيقًا لهذا المطلب الملح تكلف الجمعية العمومية مجلس النقابة بما يلي:

1- إعداد مذكرة نقابية وقانونية وافية عن موقف الصحفيين من القانون وتقديمها إلى السيد رئيس الجمهورية، وقد تم ذلك بالفعل.

 ٢- إجراء الاتصالات المكثفة مع الجهات المعنية لمواجهة التعديلات الأخيرة ضد حرية الصحافة لعرضها على المجلس في الجمعية العمومية القادمة.

٣- الطعن في دستورية القانون رقم 93 لسنة ١٩٩٥م.

٤- الدعوة للإضراب العام واحتجاب الصحف عن الصدور يوم ٢٤ يونيو الحالي.

٥- تحريك الإجراءات التأديبية المنصوص عليها في قانون النقابة تجاه كل من يخرج على قرارات الجمعية العمومية ومجلس النقابة تجاه القانون ١٣ لسنة ٩٥.

٦- بحث آيَّةَ شكوى جديدة تتلقاها النقابة عن خروج صحفيين عن أداء واجباتهم المهنية واتخاذ ما يلزم بشأنها.

٧- توسيع دائرة التضامن مع موقف النقابة من القانون محليًا وعربيًا ودوليًا.

٨- تكلف الجمعية العمومية مجلس النقابة بإعداد قائمة سوداء تضم أسماء الذين أسهموا في إصدار القانون، وتطالب كافة الزملاء بعدم نشر أسمائهم وصورهم.

٩- كما تطالب الجمعية العمومية الصحف القومية والحزبية بنشر وقائع الجمعية العمومية غير العادية وبيان مجلس النقابة.

١٠ - تقرر الجمعية العمومية أنها في حالة انعقاد مستمر اعتبارًا من اليوم ١٠/ 6 ويتولى مجلس النقابة دعوتها للانعقاد يوم السبت «القادم» ٢٤/٦/ ١٩٩٥م.

 المشهد الحضاري للجمعية العمومية وتماسكها صفًا واحدًا ضد القانون، اعتبره الكثيرون رسالة مباشرة إلى السلطة بضرورة مراجعة موقفها من هذا القانون، في الوقت الذي أشارت فيه مصادر وزارة الخارجية المصرية إلى ورود تقارير من السفارات المصرية بالخارج تشير إلى الأثر السيئ الذي تركه هذا القانون ضد مصر وسمعتها في المحافل الدولية، وطالبت تقارير السفارات بإنهاء هذه الأزمة بشكل سريع حتى لا يتعرض مناخ الاستثمار في مصر لمزيد من المتاعب.

 وفي أثناء كتابة هذا التقرير كان وزير الداخلية اللواء حسن الألفي يعقد اجتماعًا مهمًّا مع مجلس نقابة الصحفيين حول مطالب النقابة من الحكومة بشأن هذا القانون، وقد نالت خطوات الصحفيين ضد القانون استحسان جميع التيارات السياسية والقوى الحزبية وقادة الرأي، فهل تنجح كل هذه الضغوط في إسقاط القانون.

الرابط المختصر :