العنوان نحو رؤية جديدة الإسراء والمعراج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1972
مشاهدات 72
نشر في العدد 117
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 12-سبتمبر-1972
الموقف من المعراج انعكاس للموقف العقائدي نفسيًا أو إثباتًا .
الإسراء والمعراج توضيح لطبيعة الدعوة الدينية عن غيرها من الدعوات .
الإسراء والمعراج توضيح أسلوب الدعوة وإعلان لمرحلة تاريخية جديدة .
الملائكة الذين أمد الله بهم المسلمين في غزوة بدر و المعجزات المتعددة التي برزت في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ومعجزة الإسراء والمعراج - بوجه خاص - وسفينة نوح - عليه السلام - والطوفان، وبدء الخلق مرة ثانية ومعجزات داود وسليمان - عليهما السلام - من تسخير الجماد والطير والرياح وغيرها وتكليم موسى عليه السلام لله .. ومعجزاته في مواجهة فرعون، وإحياء عيسى - عليه السلام - الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وقصة ميلاده على النحـو المعروف .
• • •
ما الموقف العقلاني السليم من هذه المعجزات وغيرها ؟ .. وما الدلالة المستخرجة من مضامينها؟ وما موقع هذه المعجزات من الإسلام الذي لا يتصادم مع الفكر السليم؟ وكيف يمكن للمسلمين - في ظل إيحاءات هذه المواقف الإعجازية - أن يبدعوا مسيرتهم كلما تنكبوا الطريق وتعثرت خطواتهم على درب الحياة؟
وحول هذه التساؤلات ندير حديثًا يعتمد على الذات، وعلى العقل، ويبتعد قدر استطاعته عن نقل المكرر من الكلمات التي ماتت لكثرة ما أنهكها الاستعمال الآلي السقيم .
• • •
« الوحي » بطبيعته ظاهرة فوق العقل، ظاهرة تنطلق ابتداء من مقدمة الإيمان بعجز العقل عن أن يسير الوجود وحده « الوحى » مسيرة كبرى بمصباح أقوى من العقل ولا يملك العقل إزاءه إلا أن يكون تابعًا أو تلميذًا يحاول الفهم، أو مجتهدًا في غير المجالات التي حدد الوحي له طريقة السير فيها، وهذا الوحي استلهام من « الكمال المطلق » الخارج عن نطاق الإدراك البشري بطبيعته، سواء في مرحلته العلمية الخرافية، أو العلمية المادية وهو « كمال مطلق » بالنسبة لكل مراحل التطور، لأن التطور لا يمكن أن يصل إلى نقطة الانغلاق .. وإلا فقد ذاته، وبالتالي فهذا التطور نسبي دائمًا، متحرك إلى الأمام أو الخلف أبدًا، وهو في حاجة - لكي يبقى - إلى معلم ثابت يتحرك في إطاره.
و« معجزة » الوحي والمعجزات النبوية، أي المعجزات المتعلقة بالوحي، هي معجزات خارج حركة العقل البشري، ويوم تدخل في إطار حركة العقل تفقد محتواها كمعجزة، وتنتهي إلى عمل عادي من أعمال « حركة العقل » . وهذه المعجزة المرتبطة بالوحي ، تحتل مكانها دائما فوق كل أدوار الكفاح العلمي، وهي تظل كأشعة النجم الذي يرشد الناس « على الأرض » ويهديهم إلى غاياتهم « على الأرض » لكنها تبقى في ذاتها بعيدة عن المجالات التي يمكن للعقل أن يسبح في مياهها .. وإلا فقدت هويتها كمعجزة !! .. وسواء كان العلم « علم ابن سينا » أو « علـم اینشتاین » أو علم « المركبات الفضائية » ، فإن « المعجزة » تظل في مكانها كمعجزة وهذه هي قيمتها الحقيقية .
• • •
والمعجزات التي ارتبطت بالوحي، تأخذ مكانها جنبًا إلى جنب مع الوحي ذاته، ومع « الغيبيات » التي يأمر بها الدين ذاتها، ومع الإيمان بموكب الرسل عليهم السلام أيضًا.
إن القضية إما أن تبدأ بوعي عقلى بدور « الوحي » ... ثم دور « الرسل » و « الغيبيات » او بتعبير آخر، إما أن تبدأ بثقة في « الكمال المطلق » وبثقة في « محدودية المثل » .. وإما أن تبدأ من رفض « الوحي » والغيبيات والرسل والله ... وكل ما لا يستطيع العقل إخضاعه لإدراكه، ومنه « التاريخ » الذي لم يره و « الأرض » التي لم يقدر له أن يشاهدها .
وهكذا تبدأ القضية في وضوح، وهكذا يجب مناقشتها في هذا الإطار كذلك - بنفس الوضوح -
• • •
ولا أدري ، كم احسست بذكاء غير عادي، يتمتع بـه « أبو بكر الصديق » رضي الله عنه في موقفه من الإسراء والمعراج فعندما سئل عن رأيه فيما يزعمه صاحبه من صعوده إلى السماء وزيارته للمسجد الأقصى في ليلة واحدة، أجاب على الفور : « إن كان قال فقد صدق، أني لأصدقه في الخبر يأتيه من السماء في لحظة، إلى آخر ما ورد على لسان أبي بكر في هذا الموقف »
لقد ربط أبو بكر - فورًا- قضية الإسراء بمصدرها، بالثقة في الوحي، بالثقة في الرسالة، بالثقة في الكمال المطلق القادر « الله »
أما الذين تهتز « حادثة الإسراء والمعراج » في ضمائرهم وعقولهم .. فإننا لا يجب أن نحاول البحث معهم حولها، وإنما يجب البحث معهم حول « الله » و « الوحي » و « الرسالة » .. أو إهمالهم إلى أن تشهدهم حقائق الوجود الكبرى « الإيمان » و « الثقة » في « الوحي » والرسالة وتشدهم كذلك إلى الاعتراف « بقصور » العقل .
• • •
إننا لكي نتشكك « مضمون » حادثة الإسراء و شكلها ، فلا بد لنا من أن نتشكك في « معجزات » عيسى عليه السلام، وإلا فكيف يسمح بعض المستشرقين لأنفسهم بقبول أحياء الموتى وتحويل التراب ذهبًا وإبراء الأكمه والأبرص، بينما يتشككون في « صعود » محمد عليه الصلاة والسلام إلى السماء؟ .. هذه معجزة وتلك معجزة فإما أن يظهروا كفرهم بقضية « الله » و « الوحي » و « الرسل » وإما أن يؤمنوا بالجميع كما يؤمن المسلمون، وكما أوضح القرآن الكريم وألزمت الشريعة الإسلامية، فالقضية - في مقياس العقل - لا تتجزأ ... ونفس الشيء ينسحب على اليهود، وينسحب على كل الرسل وعلى معجزاتهم . فيما رفض الجميع، وإما قبولهم .
﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ ( البقرة:285)
• • •
وحادثة الإسراء والمعراج تعكس في مضمونها طبيعة « الدعوات » التي ترتكز على « محتوى » ديني وهي تفرق بينها وبين الدعوات الأخرىالتي تنطلق من االأرض لإصلاح خلل طارئ أو محدود .
فالدعوة الدينية - بعامة - لابد أن تعتمد في طريقها على المساعدة الإلهية .
ومع كل ما يطلب من رجالها من بذل وكفاح واستعمال لكل الأساليب البشرية الممكنة، فإنها لا يمكن أن تسير في طريقها - بنجاح - دون اعتماد على هذا الجانب .
والقضية هنا قضية « عقلية » بحتة، فالدعوة الدينية مقيدة بقيود كثيرة من الأوامر الجارفة، وهي في ظل هذه القيود لا يمكن أن تستطيع - وحدها - الصمود في وجه القوى الشريرة الكاسحة العاتية.
فالإلزام باستعمال « وسائل شريفة » للوصول الى الغايات الشريفة، قيد على حركة الدعوة يستلزم التعويض الإلهي ﴿ وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ﴾ (الأنفال:62)
والالتزام بالوفاء بالعهد، وحتى مع الشعور الصادق بخيانة العدو يلزم الوضوح معه وعدم استعمال الغدر.
﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ . (الأنفال:58)
وهذا، فضلًا عن آداب الحرب التي يلزم المسلمون باستعمالها، من حماية الطفل والشيخ والمرأة وغير المقاتلين، وغير ذلك .
فمن أجل كل هذه القيود، ومن أجل غيرها من القيود المفروضة على أساليب الدعوة، تصبح « العناية الإلهية » ضرورة من ضرورات الدعوات التي ترتكز على « محتوى » ديني ، وعلى رأسها « الإسلام » وكانت حادثة الإسراء والمعراج مصدرًا أو أسلوبًا من أساليب « العناية الالهية » تخطت حدود العناية العقلانية، واتصلت « بالمعجزة » التي تسمو فوق العقل .
• • •
وفي مضمون الحادثة معان تنتمي إلى منهج الداعية الإسلامي في العمل، وأخرى تنتمي إلى طبيعة الدعوة الاسلامية الداعية المسلم يجب ألا ييأس إطلاقًا من نتيجة دعوته لأن دعوته ليست له، أو هكذا يجب أن تكون - إنها دعوة الله .. والله قادر على إعطائها النجاح في أية لحظة يشاء، وعندما يصاب الداعية المسلم بموجة « يأس من الناس » فالحذر كل الحذر من أن « ييأس من روح الله » لأنه ﴿ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ . (يوسف:87)
ومن حق هذا الداعية، بل من واجبه في لحظة تكالب عوامل التمزق الخارجي عليه ان يلجأ الى الله، مرددًا أنشودة الأمل ودعاء الرجاء :
« اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس .. يا ارحم الراحمين » ..
وقد فرضت « الصلاة » مفتاحًاوقرة عين وراحة لكل مسلم يبلغ به الإجهاد مبلغه من كثرة ما لاقى من الناس والنفس، وهي بمشروعيتها في رحلة الإسراء .. نعمة سماوية شرعت في عام الحزن الذي مات فيه أعز اثنين لدى الرسول عليه السلام : خديجة وأبو طالب ..
بمشروعيتها هذه تعتبـر « الإسراء » الذي يمكن أن يسري في قبسه يعرج إليه كل مسلم تتوق روحه إلى نافذة من الأمل و طاقة من النور .
لقد كان الرسول عليه السلام القدوة العليا لكل داعية بموقفه من الإسراء والمعراج ، فعلى الرغم من ما كان يعلمه من غرابة حديثه، ومن علويته عن أذهان الجاهليين وغيرهم، ومن كونه سوف يكون امتحانًا كذلك لبعض المسلمين الذين يمكن أن يسقطوا ، ومن أنه سوف يمنح أعداءه فرصة للنيل منه أمام المسلمين.
على الرغم من كل هذا، فقد أعلن ما وقع، وجاهر به للمشركين بحرارة، ولم يتوان لحظة عن تبليغ حادث الإسراء والمعراج ، وقبل كل تحدياتهم، وهو مثل فيما يجب أن يسير عليه الداعية المسلم من تمسك بمبادئه حتى ولو وقف في وجهه العالم كله، وحتى ولو خالفته كل مواضعات الجاهلية الكاسحة المتفوقة ماديًا وعسكريًا وسياسيًا وفي الإسراء معان تنتمي إلى طبيعة الدعوة، فهذه الدعوة التي بدأت بمرحلة ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق : 1 )
قد انتهى عام الحزن فيها بالصعود إلى السماء الـذي حلمت به البشرية طويلًا ، وحاولت التعبير عنه في غير صورة من الصور ، في الطائرة، في الصاروخ عابر القارات ،في المركبة الفضائية ،وفيما سيجد من صور أخرى كثيرة .
لقد فتحت الإسراء أبواب هذا الحلم على مصراعيها ،وإذا كنا نؤمن بأن « الإسراء والمعراج » التي اخترق فيها الرسول عليه السلام ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ﴾ ( سورة النجم : 7-8-9 ) ... ثم ﴿ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ . ( سورة النجم : 18 )
إذا كنا نؤمن بأن هذه المرحلة فوق طاقة العقل البشري، فإنها مع ذلك كانت دافعا للإنسان كي يحاول السير في الطريق الذي ليس مستحيلًا الوصول إلى بعض آفاقه ... بعيدًا بالطبع عن ذلك الأفق الأعلى الذي وصل إليه الرسول عليه الصلاة والسلام وعن مجالاته بالمرة، ولقد وصل الإنسان - كما ذكرنا ــ إلى استخدام الفضاء في غير هدف من أهدافه، وإلى غير ذلك من الطبقات .
• • •
وفي المضمون المعراجي نواح أخرى جديرة بالنظر ، لكننا نقتصر - في نهاية مطافنا - على واحد منها نراه أهلًا لأن یختم به مقالنا.
فلقد خير الرسول عليه السلام بين شرب اللبن والماء والخمر ، ولقد اختار عليه السلام « اللبن » ...
فهذا الإسلام ـ كما هو آخر الأديان .. هو كذلك خلاصتها وصفوتها وزبدتها وفطرتها الطاهرة، هو « اللبن » الذي ينشأ عليها الإنسان، وبه يعبر ابرز مراحل حياته، وبدون هذا الإسلام لا يمكن أن تجد الإنسانية غذائها الصحيح.
وبدون هذا الإسلام ..لا يمكن أن تجد الإنسانية فطرتها الحقيقة ...
وبدونه لا يمكن أن تعيش أو ترشد أو تتقدم .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل