العنوان هجائية الحب (۱۹) «حرف الغين»: غذ قلوبهم بحب الله
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1972
نشر في الصفحة 56
السبت 08-أكتوبر-2011
اشترى أبو عبد الله النباجي جارية سوداء للخدمة، فقال لها : قد اشتريتك. فضحكت، فحسبها مجنونة، فقال : أمجنونة أنت؟ فقالت: سبحان من يعلم خفيات القلوب، ما أنا بمجنونة .. ثم قالت: هل تقرأ القرآن ؟ قال : نعم. فقالت: اقرأ علي. فقرأ عليها : بسم الله الرحمن الرحيم فشهقت شهقة، وقالت: يا الله هذه لذة الخبر، فكيف بلذة النظر ؟ فلما جن عليه الليل وأوى إلى فراشه ونام قالت له: أما تستحيي من مولاك أنه لا ينام وأنت تنام؟ ثم أنشدت.
عجبًا للمحب كيف ينام ***جوف الليل وقلبه مستهام
إن قلبي وقلب من كان مثلي ***طائران إلى مليك الأنام
فأرض مولاك إن أردت نجاة ***وتجاف عن اتباع الحرام
يقول النباجي فقامت ليلتها تصلي فقمت من نومي أبحث عنها، فإذا هي تناجي ربها ساجدة، وهي تقول: بحبك إياي لا تعذبني .. فلما انتهت قلت لها: كيف عرفت أنه يحبك؟ فقالت: أما أقامني بين يديه وأنامك؟! ولولا سابق محبته لي لم أحبه، أما قال: يحبهم ويحبونه؟!!
يقول ابن القيم - رحمه الله -: «إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمل الله عنه سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى، والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نفسه.
ويشير ابن القيم - رحمه الله - إلى أن حب الله لا يجتمع أبدا مع حب الدنيا، حيث يقول: لا تدخل محبة الله في قلب محب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.
وقد أكد الله عز وجل هذه الحقيقة في كتابه العظيم، وذلك في قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة: 24).
كما دلت الآية على أن تقديم حب الدنيا على حب الله تعالى، يعني إهلاك الفرد لنفسه، وحكم الله سبحانه على هذا الإنسان في نهاية الآية بأنه فاسق خارج عن الطريق السوي.
ومعلوم أن القلب هو مستودع الحب ومستقره ووعاؤه.. كما أن القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحمية. ويصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤه الذكر ويعرى كما يعرى الجسم، وكساؤه وزينته التقوى.. وكذلك يجوع القلب ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة.
إذا نجحت في ملء قلوب أولادك بحب الله، فقد حققت لهم السعادة الحقيقية وسوف يرون الدنيا بعين الحب، وسوف يرون الدنيا جميلة وكأنك وإياهم تعيشون في جنة!!
لا تتعجب، فقلب ولدك هو سر حياتك فإذا ملأته بحب الله، فسوف يعيش ولدك حياة السعادة، وسيشعر بأنس الله تعالى، ولن يتجه إلى البحث عمن يؤانسه من أصحاب السوء، أو من البنات اللائي لا يراعين حدود الله تعالى، ولن يعقد أية علاقة يأباها الله ولن يبحث عن حب زائف ينسي الطرفين حب الله تعالى وتعظيمه وتوقيره.
إن حب الله تعالى عندما يملأ قلوب أولادنا ؛ فإنهم يتذوقون حلاوة الإيمان، فما أجمل أن يعيش أولادنا بحب الله، إنهم بحب الله لن يشعروا بوحدة، لأن قلوبهم وعقولهم ستكون دائما مشغولة بالحب العظيم الحقيقي، سوف ينشغلون بالتفكر والتفكير في حبيبهم وخالقهم الودود والحليم الرحمن الرحيم.
كيف تجعل أولادك يحبون الله؟
1.عرفهم بربهم:
فكلما زادت معرفة العبد بربه زاد حب العبد لربه سبحانه، فحب الله يحتاج إلى عقل يعرف قدره وعظمته وأسماءه وصفاته وقد ورد في الأثر: «أرجحكم عقلا أشدكم لله حبا».
2. صغر الدنيا في نظرهم:
لا أقصد بتصغير الدنيا في أعين أولادنا أن نبغضهم فيها ليعزفوا عنها، بل أقصد أن نجعلها في أيديهم لا في قلوبهم، لأن حب الله لا يجتمع في قلب سكنت فيه الدنيا ولعل أفضل توجيه لنا ولأولادنا في موقفنا من الدنيا هو ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور، وكان عبد الله بن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
إن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء فلا تجعل أولادك يركنون إليها، واحرص على أن يجعلوها في أيديهم لا في قلوبهم ويستبعدوها لا يستعبدوها، ينبذوها وراء ظهورهم، ولا يجعلونها نصب أعينهم، ومن ثم يزدادون حبا لله.
3. صور لهم نعيم الآخرة:
يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (17)) (الأعلى: 16-17).. اجعل هذه الآية شعاراً لهم وعمق في أنفسهم معانيها، وبين لهم ما أعده الله للمؤمنين من نعيم في الجنة، وادعهم للمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. ويمكن في هذا السياق أن تكلفهم بالبحث في آية قرآنية تؤكد هذا المعنى، أو آية كونية من نعيم الله وجمال صنعه، وما أكثر الآيات القرآنية التي تبين نعم الله تعالى في الآخرة ومنها - على سبيل التمثيل لا الحصر - (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾ (الإسراء: 21)، ومنها قوله سبحانه في تأكيد ديمومة نعيم الآخرة وعدم زواله وزوال نعيم الدنيا وكل ما في أيدينا منه وذلك في قوله تعالى: (مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ) (النحل: ٩٦).
وبين لهم أن السبب في أنك تدعوهم للمقارنة بين نعيمي الدنيا والآخرة هو حبك لهم، فإن المحب ينصح من أحبه بذلك، ودليل ذلك نصح الله تعالى لأحب خلقه رسول الله وهو يوجهه إلى الزهد في نعيم الآخرة والإقبال بنهم والمسارعة والمسابقة في تحصيل نعيم الآخرة، وذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (131)) (طه: 131).
فمع أن متاع الدنيا هو من رزق الله تعالى لكنه سماه ما متعنا به أزواجا منهم ، ونسب رزق الآخرة إليه، نسب تشريف ولعظمته ولفضله على رزق الدنيا، فقال سبحانه: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) (١٣1: طه).
ادعهم - مثلًا - إلى المقارنة بين حب الله تعالى لنا على تحصيل الدنيا وبين حثه لنا على تحصيل نعيم الآخرة، فيمكنك مثلاً أن تناقشهم في الفرق بين كلمة وسارعوا في قوله تعالى: (۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)) (آل عمران: 133)، وبين قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)) (الملك: 15)، ففي الآية الأولى، حث على تحصيل الجنة، لذا استخدم القرآن الكريم لفظة تدل على المسارعة والمبادرة والهمة العالية، أما عندما حثنا على تحصيل رزق الدنيا فاستخدم كلمة: «فامشوا»، ولا شك في أن بينهما فارقًا كبيرًا.
وكذلك بين كلمة وسابقوا في قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)﴾ (الحديد: 21)، وبين قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)) (الجمعة: 10).
4. شاركهم التفكير:
فالتفكير يقود إلى المحبة.. ومن ثم يستطيع المربي أن يستثمر المواقف العارضة ليحولها إلى تفكر، ويشارك أولاده في ذلك وذلك حسب سن الولد ومستواه العقلي، فقد تجلس وسط أسرتك تتناول الطعام، فتسأل ولدك عن الشيء.. لحما كان أم سمكا أم خضارا أم أي شيء يحبه، ويمكن أن يكون الحوار كما يلي:
هل تحب السمك؟ فيجيبك: نعم. من الذي أحضر السمك؟ فيجيبك أنت يا أبي، ومن طهاه لنا ؟ فيجيب أمي، من الذي خلق لك والدك ووالدتك ؟ فيجيب الله ؟ فتقول له: أليس الله تعالى هو الذي خلق السمك أيضًا؟ فيقول : بلى. فتسأله: ومن الذي اصطاد السمك؟ فيقول: الصياد، ومن الذي حبب الصيد إلى نفس الصياد، وهداه إلى هذا العمل الذي يحتاج إلى صبر طويل ومشقة؟ فيجيبك الله.
...وهكذا تظل في حوارك مع ولدك حتى تجعله بشكل منطقي وطبيعي يحب الله تعالى.. ويمكنك أن تدعم حب الله لديه بقولك: هب أن الله لم يخلق لنا الأسنان.. هل كنا نستطيع مضغ الطعام؟ ولو لم يخلق لنا اللسان.. هل كنا سنستطيع أن نتذوق الطعام أو نتكلم؟.. وهكذا يستمر المربي في التفكر مع ولده حتى ينطق الولد لفظ الجلالة «الله» مرارا، وحتى يوقفه المربي على نعم الله تعالى والتفكير فيها، ويشعر بفضل الله عليه فيحبه ويجعله في صدارة المحبين، ولا يساوي بين حب الله تعالى وحب مخلوق آخر، فيكون من المؤمنين، ويتجنب تحذير الله عز وجل من الشك في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ) (البقرة: ١٦٥).
إنك عندما تلفت أنظار أولادك إلى جميل صنع الله، فإنك تحرك قلوبهم إلى حبه فينطق لسانهم بحب ربهم، يرددون اللفظة كما يردد الحبيب اسم محبوبه.. فإن كنت في ليل سماؤه صافية، فادعهم إلى التأمل في السماء المحكمة التي لا ثقوب فيها، وكيف زينها الله تعالى بالقمر والنجوم والكواكب، يقول الله تبارك وتعالى في هذا المعنى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6)) (ق: 6).
ثم ألفت نظرهم إن كنت في الصحراء أو البر أو في سفر بري إلى امتداد الأرض وجمال الزرع، والنخل، وقد تجد في القرآن الكريم وصفا لهذه الآية الكونية الرائعة. قال تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ (11)) (ق:7-11).
5- علمهم صفات من يحبهم الله:
فتعليم الأب أولاده صفات من يحبهم ربهم يجعلهم يتحلون بهذه الصفات، فيحبهم خالقهم، ومعروف أن الله يحب من أحبه سبحانه.
وقد ورد في القرآن الكريم أن الله تعالى يحب صفات في عبده، فهو يحب المحسنين والتوابين والمتطهرين والمتقين والصابرين والمتوكلين، والمقسطين العادلين والذين يقاتلون في سبيله صفا .. إلى آخر ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم.
6. ذكرهم بالصفات التي لا يحبها الله في عباده:
فقد بين القرآن الكريم صفات لا يحبها الله في الناس، فهو لا يحب المعتدين، ولا يحب المفسدين، ولا الظالمين، ولا يحب من كان مختالا فخورا ، ولا يحب من كان خوانا أثيما.
7. حدثهم عن أقوال السلف والصحابة عن حب الله:
كيف لا تحب الله تعالى، وهو المنعم المتفضل علينا بنعمه، فمن المنطقي أن تحب من يعطيك وينعم عليك.
ولما خير نبينا ﷺ بين الحياة الدنيا ولقاء الله عز وجل قال: بل الرفيق الأعلى.
ومرض أعرابي فقيل له: إنك تموت. قال: وأين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله عز وجل. قال: فما أجمل الموت !! وما أجمل لقاء الله !! إنه حسن الظن بالله، ومن أحب أحدا أحسن الظن به.
ويروى أن امرأة عابدة كانت تقول : والله لقد سئمت الحياة، ولو وجد الموت يباع لاشتريته شوقًا إلى الله تعالى وحبا للقائه. فقيل لها : أتفعلين ذلك ثقة بعملك؟ فقالت: لا، ولكن لحبي إياه، وحسن ظني به، اشتقت إلى لقياه.. أفتراه يعذبني وأنا أحبه ؟! قلت: لا والله، فإنه يحبهم ويحبونه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل