العنوان ملف العدد (3): المجتمع (2186)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-ديسمبر-2023
مشاهدات 80
نشر في العدد 2186
نشر في الصفحة 26
الجمعة 01-ديسمبر-2023
«طوفان الأقصى».. والفريضة الغائبة!
«طوفان الأقصى» كشفت حقيقة أدعياء النضال وطلاب التطبيع وأنصار السلام!
.. وأعادت الشعوب إلى منهجها وهو القرآن بعد إبعاده عن حياة الناس وتشريعاتهم
المقاومة تنطلق من تصور إسلامي يؤمن بالنصر أو الشهادة وأعادت الأمة إلى هويتها الإسلامية
سقوط النخب التي روّجت لنفاق الصهيونية المسيحية عن حقوق الإنسان والأطفال وتحرير المرأة!
أ.د. حلمي القاعود
في 7 أكتوبر 2023م، بدأ عهد جديد للقضية الفلسطينية يقوم على المقاومة والمواجهة والمبادرة، وانقضى عهد قديم كانت سماته الأساسية القصور في المعالجة، والمتاجرة بالنضال، والخيانة الصريحة أو المستترة.
في 7 أكتوبر 2023م، استيقظ العالم على واقع جديد، يقول: أنا القضية الفلسطينية.. أنا هنا.. أنا مرحلة جديدة في العمل والفكر يتم فيها إيلام العدو؛ لأنه ليس بالصورة المخيفة، التي تثير الذعر والرعب، وتزعج عشاق الراحة، والمخلفين والقاعدين عن القتال!
80 عاماً والعرب والمسلمون يقفون على أبواب عصبة الأمم والأمم المتحدة وما يسمى المجتمع الدولي دون جدوى، ولكن عودة المقاومة أو الجهاد بالمصطلح الإسلامي أو الفريضة الغائبة أو المغيبة بفعل الفكر المهزوم، جعل العدو -ربما لأول مرة بعد حرب رمضان 1393هـ/ أكتوبر 1973م- يخوض قتالاً على «أرض 1948» التي يعد الاقتراب منها من المحرمات، ويواجه المقاتلين من أجل العقيدة والحرية بإمكاناتهم البسيطة، في ظل حصار شامل وشرس منذ عام 2006م، فيخسر كثيراً، وتتمرغ كرامته في التراب، ولأول مرة يفرض على المحتلين الغزاة أن ينزحوا من محيط غزة (600 ألف نازح يهودي)، وأن يخوض بكل إمكاناته المدعومة بالبوارج وحاملات الطائرات وخطوط الإمداد الجوي بالذخيرة والسلاح القادمة من واشنطن ولندن وباريس حرباً طويلة الأمد لم تتوقف، حتى كتابة هذه السطور، وكان قد تعود فيما مضى على الحروب الخاطفة خارج «أرض 1948»، دون أن يحظى بمواجهات حقيقية إلا في حرب رمضان.
لقد خسر في 7 أكتوبر 2023م خسائر غير قليلة؛ الرجال والسلاح والأسرى والدعاية الكاذبة التي فرضها على العالم، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية التي تقدر بأكثر من 250 مليوناً من الدولارات يومياً بسبب تجنيد الاحتياطي (350 ألفاً)، وتوقُّف مؤسساته ومصانعه كلياً أو جزئياً، وانهيار السياحة، وإغلاق عديد من مطارات العالم في وجه طائراته، ثم كانت الضربة الموجعة بمقاطعة الشركات التي تسانده في الغرب، أو تتخذ وكلاء في العالم العربي والإسلامي.
ثم إن «طوفان الأقصى» كشفت للعرب والمسلمين حقيقة أدعياء النضال، وطلاب التطبيع، وأنصار ما يسمى بالسلام (الاستسلام بمعنى أدق)، ودعاة الديانة الإبراهيمية.
فقد كشفت وحشية العدو وطبيعته الهمجية الدموية التي بدأت منذ قرن ونصف قرن، إذ بدأت عناصره العمل لتفكيك الخلافة العثمانية وتمزيق الدول الإسلامية، وفرض الثقافة الغربية في أحط صورها وأبشعها عبر إنشاء نخب معادية للإسلام والمسلمين، وتقود الأمة نحو التخلف والانحطاط، وتشغلها بالفتن والصراعات الدموية، وتحولها إلى قصعة الأمم حيث ينال منها كل مغامر، ولا يبقى لها إلا أن تمد يدها إلى كل ظالم تستنجد به، وتستجدي قروضاً ومعونات وهبات، مع أنها تملك ثروات وإمكانات لا تتوفر لغيرها.
المنهج الغائب
«طوفان الأقصى» أعاد الشعوب إلى منهجها الغائب، وهو القرآن الكريم الذي خجلت منه النخب المصطنعة، وعملت على إبعاده عن حياة الناس وتشريعاتهم وسلوكهم، وحاربته في التعليم والإعلام والثقافة، وبقوة السلاح صار المسلم في بلاد الإسلام غريباً منبوذاً مكروهاً، تصوره الأفلام والدراما ومقالات الكتَّاب وخطب الزعماء بالظلامي الإرهابي المعادي للحياة، بينما تتغزل في الغزاة اليهود القتلة وسادتهم الغربيين دعاة القتل الإلهي! اليوم صار منهج القرآن هو الطريق لتحرير «الأقصى» والقدس وفلسطين، ولو كرهت هذه النخب وصنّاعها.
المقاومة التي تنطلق من تصور إسلامي يؤمن بالنصر أو الشهادة، جعلت شعوب الأمة تستعيد هويتها الإسلامية التي غابت طويلاً وطمسها الغرب واليهود، فحقق العدوّ بسبب الغياب مكاسب عديدة، وأنزل بالأمة خسائر لا تحصى في ظل النخب المتغربة المتهوّدة، والمفارقة أن بعض هذه النخب من لابسي العمائم، الذين يصفون المقاومة بخوارج العصر، أو صنّاع الفتنة! وبدلاً من شدّ عزيمتها وتشجيعها والوقوف إلى جانبها، يقدمون خدمة رخيصة للعدو بشيطنتها وتجريمها، وما بالنا ونحن نتابع بطولات المقاومة الرائعة في القتال على أرض غزة ونشاهد تدمير دبابة «الميركافاه»، والإيقاع بأقوى العناصر المقاتلة في صفوف العدو!
بينما نقرأ لأحد البائسين من خدام المخلفين والقاعدين عن نصرة المقاومة، يهجو في صحيفة أسياده قادة المقاومة ومنهجها، ويقلل من جهدها وجهادها ويتحدث عنهم كاذباً: «يختبئون في أنفاقهم ويبيعون شعوبهم برخص التراب! هؤلاء بكل أسف هم من تمجدهم الأمة، مجموعة جبناء، تجار دم، وهم أصل بلاء هذه المنطقة، فالقائد الحقيقي المخلص الشجاع يقف مع أتباعه ويكون في مقدمتهم، همهم الدنيا ومع ذلك تجد أناساً مغرّراً بهم غُيّبت عقولهم يقاتلون من أجل لا شيء، ويفقدون حياتهم من أجل قادة باعوهم برخص التراب..»!
ولو أن هذا التعيس قرأ بعض تاريخ الأمم في تحرير بلادها من الغزاة، لعرف أن المقاومة من أشرف الظواهر التي نبتت في عصور الهزيمة والهوان والانبطاح، هل لهذا الكائن الاستعمالي أن ينظر مثلاً إلى أمريكا اللاتينية، وما بذله الناس هناك ليحرّروا بلادهم وأراضيهم من الغزاة والمستبدين والخونة؟!
المخلَّفون والقاعدون
(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (التوبة 81)، وارتمى المخلَّفون بتوجيهات دعاة القتل الإلهي الذين يسمونهم في الغرب بالصهاينة المسيحيين في أحضان العدو، وتوقيع اتفاقيات لم يحلم بها العدو؛ سياسياً واقتصادياً ولوجستياً وإعلامياً، لدرجة أن بعضهم أنشأ معابد لليهود في بلاده، وأقام مجسماً لما يسمى «حائط المبكى» كي يزوره اليهود الغزاة القتلة عند سياحتهم!
لقد أفسد «طوفان الأقصى» طبخة التطبيع المصنوعة كرهاً أو طوعاً، وقدم للناس الدليل على أن الغزاة اليهود القتلة لن يجنحوا للسلم ولن يقبلوا التعايش مع غيرهم، وأن الاتفاقيات التي يوقعونها مجرد هدنة مؤقتة، يستريحون فيها ويزدادون قوة، ويستعدون للانقضاض من أجل غايتهم البعيدة؛ من النيل إلى الفرات!
لقد سقطت النخب المصطنعة التي روّجت لنفاق الصهيونية المسيحية عن حقوق الإنسان والأطفال وتحرير المرأة والتعاون الدولي واستقلال الشعوب وحقها في الدفاع عن نفسها، وفي الوقت نفسه تعمل على الاستغلال ونهب الثروات ومحاربة العقائد وسلب الحريات واسترقاق النساء والأطفال بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ودعم الغزاة اليهود وتأييد مذابحهم وذرف الدموع من أجلهم وتشجيعهم على القتل والتدمير والتخريب، ومنع الوقود والطعام والدواء والعلاج وقصف المستشفيات، وإبادة شعب بريء مظلوم.
إن هذه النخب ترفع أعداد الشهداء والمصابين الذين قاربوا 40 ألفاً لتدين المقاومة، وتناسوا أن أمريكا قتلت في فيتنام أكثر من نصف مليون، وأكثر من مليوني مسلم في العراق وأفغانستان، ولكنها بالمقاومة الباسلة للشعوب خرجت تجر أذيال الهزيمة والعار، وهو ما سيحدث في فلسطين إن شاء الله تعالى.
إبادة غزة أعادت الشعوب الإسلامية إلى قراءة التاريخ من جديد، وخاصة تاريخ الحروب الصليبية حيث يعيد التاريخ نفسه، وإن كان رجال النخب في بلاد الإسلام سادرين في الغيّ يعمهون!
###################################(28- 29)########################################################################################
«طوفان الأقصى» وحدت العرب والمسلمين في عالم جديد..
هكذا أعادت المقاومة الفلسطينية الأمل لنهوض الأمة
المقاومة اخترقت الحالة الاستسلامية أمام «إسرائيل» وأظهرتها كنمر من ورق!
الحشود العربية والإسلامية ملأت الشوارع نصرة للشعب الفلسطيني وتضامناً معه
المقاومة فضحت النظام الدولي العفن الذي سعى لترسيخ الظلم للشعوب العربية والإسلامية
محمد جمال عرفه
كاتب ومحلل سياسي
قبل عملية «طوفان الأقصى»، في 7 أكتوبر 2023م، سرت في الجسد العربي والإسلامي ما يمكن تسميته «روح انهزامية»، وحالة من التسليم بالركون إلى الأمر الواقع، الذي هو أشبه بالانبطاح والاستسلام بأن الأمة العربية والإسلامية ماتت، وعلا شأن أعدائهما علواً كبيراً.
حتى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) سعت لإيصال هذا الشعور (الانهزامي) للاحتلال، كنوع من الخداع قبل الهجوم، حتى إن استخبارات العدو الصهيونية أبلغت حكومة «تل أبيب» أن الحركة لن تحارب واستسلمت للواقع، ولا يهمها سوى حكم غزة.
واعترفت استخبارات العدو، بحسب صحف «إسرائيل»، أن «حماس» خدعتهم بهذا التصور، حتى أخذتهم بـ«طوفان الأقصى» على حين غرّة، وفرضت واقعاً جديداً قد يسرع «لعنة العقد الثامن»؛ أي زوال مملكة اليهود، التي انهارت مرتين تاريخياً قبل أن تبلغا عمر 80 عاماً.
استطاعت المقاومة الفلسطينية اختراق الصورة النمطية المغروزة في وعي الشعوب العربية والإسلامية بشأن الاستسلام أمام قوة «إسرائيل»، وأظهرت دولة الاحتلال كنمر من ورق، يهرب جنوده خوفاً ويعلو وجوههم معالم الخوف والرعب، بينما كان يجري انتزاع بعضهم من دباباتهم وسحبهم كالخرق البالية أمام مرأى العالم.
أظهرت أن بضع كتائب من الشباب الفلسطيني المخلصين لقضية الأمة وغالبيتهم من حفظة القرآن الكريم، يصنعون سلاحهم بأنفسهم، نجحوا في اختراق دولة الاحتلال بوسائل بسيطة مثل الطائرات الشراعية والدراجات النارية، وقليل من العربات المتهالكة!
أدى هذا الانتصار الرائع، الذي حاول المحتل التغطية عليه بمجازر إبادة جماعية ودمار، لتدفق الدماء مجدداً في عروق الشعوب والدول العربية المتيبسة بفعل سنوات الخنوع لمقولة: إن «إسرائيل» باتت أمراً واقعاً ويجب التطبيع معها، وأعادت آمال نهوض الأمة مجدداً كلها.
أمل النهوض
جاء انتصار المقاومة الفلسطينية أشبه ما يكون بالبشرى التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة حين قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، بعدما أصابها الوهن.
ولأنه انتصار نادر وغير عادي، على قوة محتلة تمثل عصارة وخلاصة ما جمعه الغرب من قوة لقمع الشعوب العربية والإسلامية في فلسطين، لتصبح خنجراً يمنع الأمة من النهوض، كان رد فعل الشعوب أيضاً غير عادي.
تدفقت الحشود العربية والإسلامية لتملأ الشوارع والطرقات، في غالبية العواصم الإسلامية والعربية، نصرة للشعب الفلسطيني وتضامناً معه، ولم تبق دولة إسلامية إلا وخرج أبناؤها لنصرة الفلسطينيين، وتوحدت شعاراتها.
كانت الرسائل التي أوصلتها الحشود العربية والإسلامية تدور حول دعم «حماس» والمقاومة ورفض التطبيع، وأن لا حل لتحرير أراضي الأمة المغتصبة على أيدي العصابات الصهيونية، إلا بالقوة والاعتماد على النفس وموارد الأمة.
كانت الهتافات والشعارات في المظاهرات التي خرجت في الدول العربية والإسلامية شبه موحدة، في دعمها للمقاومة الفلسطينية ورفض مخطط العدو وأمريكا لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، ومقاطعة داعمي الاحتلال.
لم يقتصر تحرك الشعوب على الدول العربية والإسلامية، بل كانت الحشود والاحتجاجات في دول الغرب من مؤيدي القضية الفلسطينية والحقوق العربية والإسلامية أكثر دهشة، وأقوى من نظيرتها بالعالمين العربي والإسلامي!
ما ميز الحشود في العالمين العربي والإسلامي أن من خرجوا هم أجيال شابة لم تعرف تاريخ القضية الفلسطينية بفعل التغييب الإعلامي ونشر ثقافة التطبيع، فكانوا أكثر حماساً وأكثر إبداعاً في أفكار التضامن ضد إبادة غزة، مستخدمين وسائل التكنولوجيا الحديثة.
أما الحشود في أمريكا -التي دعمت «إسرائيل» بصورة عدوانية- ودول الغرب كلها، فكانت مفاجئة، ليس في عدد من خرجوا، ولكن من أصبحوا أكثر وعياً ورفضاً للروايات الصهيونية والأكاذيب التي جرى ترويجها منذ سنوات عن «الإرهاب» العربي والإسلامي.
هؤلاء الذين تظاهروا في الغرب لم يكتفوا بالمطالبة بوقف العدوان والإبادة في غزة ولا معاقبة «إسرائيل»، ولكنهم رفعوا شعارات تعتبرها «إسرائيل» وحكومات الغرب «لا سامية»، مثل شعار «من النهر للبحر» الذي يعني إنشاء دولة فلسطينية خالصة وزوال «إسرائيل»!
وكانت مظاهرات يهود أمريكيين ضد «إسرائيل» والدعم الأمريكي غير المشروط لها، غالبيتهم من منظمة «الصوت اليهودي من أجل السلام»، ومنظمة «إف نوت ناو»، مفاجأة لأنها كانت الأكثر تأثيراً حين رفعوا شعارات «ليس باسمنا»؛ أي لا تقتلوا الفلسطينيين باسمنا كيهود منتقدين عنصرية الدولة الصهيونية.
بل صنعت حرب غزة آلافاً من المؤمنين في الغرب بفكر المقاومة، وأن المقاومة ليست إرهابية كما يحاولون تصويرها، وإنما هي حركة تحرر وطني لأراضي شعبها.
بل وصل الأمر في أمريكا لتداول خطبة قديمة لمؤسس تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن حول عدم عدالة النظام العالمي، وأن أمريكا سبب المشكلات والإرهاب في العالم لدعمها «إسرائيل».
توحدت ربما لأول مرة الشعوب العربية والإسلامية وشعوب آسيا وأفريقيا والغرب في التضامن مع «حماس» ونفي صفة الإرهاب عن حركات المقاومة الفلسطينية، والتأكيد على حقها في مقاومة الاحتلال، وتحرير أرضها، والدفاع عن شعبها.
توحدوا جميعاً في مواجهة حكومات الغرب خاصة أمريكا وأوروبا التي قدمت دعماً غير مسبوق للدولة الصهيونية؛ تمثل في أسلحة فتاكة ضد شعب أعزل ومقاومة وطنية لا تملك سوى ما صنعته بيدها من سلاح محلي.
مهزلة الشرعية الدولية!
توحدوا في المطالبة بمحاسبة ومحاكمة القتلة وفقاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وفي الوقت ذاته، إظهار كفرهم بالعدالة الدولية ونظام الأمم المتحدة الحالي العاجز عن نجدة مستشفيات تتعرض للقصف والاقتحام وقتل المرضى.
توحدوا في محاربة الانهيار الأخلاقي والإنساني الذي أظهره الغرب والمنظمات العالمية وهم يقفون متفرجين أمام إبادة جماعية تحدث لشعب أعزل تم منع الماء والطعام والدواء والوقود عنه.
وفي رفضها لمهزلة الشرعية الدولية التي تراوغ في حل قضية الشعب الفلسطيني، وفي رفضها لاتفاقيات التطبيع الفلسطيني الهزلية مع الكيان الصهيوني، التي لم تجلب للشعب الفلسطيني سوى التشظّي والانقسامات والمآسي.
بينما يبحث الاحتلال عن صورة للنصر لحفظ ماء وجهه بهدم مساجد ومدارس ومنازل ورفع العلم الصهيوني فوق مستشفى الشفاء!
توحدوا في رفض إذلال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية بواسطة نظام دولي فاسد بُني على أنقاض الحرب العالمية الثانية، ينتصر للمعتدي والقاتل ولا ينصر المظلوم والمقتول، ويتفنن بـ«الفيتو» في منع إدانة الصهاينة وتعطيل ما يسمى «قرارات الشرعية الدولية».
وفي رفض الازدواجية الدولية التي تتعامل بها الولايات المتحدة والدول الغربية مع القضية الفلسطينية، وقضايا العرب والمسلمين عموماً، لحد قيام أنظمة أوروبية بسن قوانين لعقاب من يتضامن مع غزة، وفصل شركات أمريكية لمن يتعاطفون مع ضحايا الإبادة الصهيونية في غزة!
لقد فضحت المقاومة الفلسطينية كل هؤلاء، الذين يديرون نظاماً دولياً عفناً مضى عليه الزمان، سعى لترسيخ الظلم والقهر للشعوب العربية والإسلامية، حين أسقطت دولة الاحتلال في وحل الإذلال يوم 7 أكتوبر، وفتحت الباب للأمل ونهوض الأمة.
الدبلوماسي المصري د. عبد الله الأشعل لـ«المجتمع»:
المقاومة الفلسطينية حق مشروع ودعمها هو الحل
3 طرق لمحاكمة قادة الكيان الصهيوني على جرائمهم دولياً
هذه طريقة فتح ملف نووي الاحتلال بعد اعتراف وزيره
حل الدولتين مسرحية وضرورة دعم المقاومين لإنهاء الاحتلال
أتوقع انتصار المقاومة أو يخرج ألف حركة كـ«حماس»
حوار- حسن القباني:
السفير د. عبدالله الأشعل، أحد خبراء الإستراتيجية والدبلوماسية المصرية، المتعمقين في القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، وكان سفيراً لمصر في عدة دول، ومساعد سابقاً لوزير الخارجية المصري، وأحد أبرز أساتذة القانون الدولي، عمل في وقت سابق أستاذاً للقانون الدولي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
في هذا الحوار الذي تجريه «المجتمع» مع السفير الأشعل حول القضية الفلسطينية ومشروعية المقاومة، يضع الكثير من النقاط على حروف المشهد الذي يحاول فيه صهاينة العرب والغرب التشويش وشيطنة المقاومة وتقويض منجزاتها الكبيرة منذ 7 أكتوبر 2023م، متوقعاً أن تنتصر المقاومة الفلسطينية في معركة «طوفان الأقصى»، أو أن تخرج ألف حركة كحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، تواصل طريق الجهاد حتى التحرير الكامل لفلسطين من البحر إلى النهر.
- يحاول صهاينة العرب والغرب التشويش على حق المقاومة الفلسطينية في الكفاح المسلح، ما مشروعية المقاومة الفلسطينية طبقاً للمعايير الدولية والقوانين الأممية؟
- المقاومة دائماً مشروعة، ومشروعيتها تنبع بالأساس من عدم مشروعية الاحتلال والاستعمار، وطالما هناك احتلال فلا بد أن يكون هناك مقاومة، وكي ينضج المركز القانوني للمقاومة، مرت بحوالي 200 سنة حتى الاحتلال الألماني لفرنسا في يونيو 1940م، حيث بدأ العالم يعترف بالمقاومة، مقاومة الرجل الأبيض للرجل الأبيض، وليس الرجل الملون للرجل الأبيض، والآن المقارنة بين ما يحدث من دعم لمقاومة أوكرانيا يفضح العالم الغربي المتواطئ مع دولة الاحتلال الصهيوني.
والقانون الدولي أقر بوضوح حق كل شعب محتل في إنهاء الاحتلال بكل السبل المتاحة بما فيها الكفاح المسلح، وقرارات الأمم المتحدة رقم (2649) لسنة 1970م، ورقم (2787) لسنة 1971م، ورقم (3236) لسنة 1974م، تتضمن تأكيد شرعية نضال الشعوب في سبيل تقرير المصير والتحرر من الاحتلال بما في ذلك الشعب الفلسطيني، بجانب القرار الأممي رقم (1514) لسنة 1960م، الذي نص على حق الاستقلال التام للبلدان والشعوب المستعمرة، وإنهاء الاستعمار.
- ما رأيكم في مواصلة المقاومة الفلسطينية الصمود في الميدان رغم شعورهم بالخذلان العربي والإسلامي الرسمي، وفق بعض تصريحاتهم؟
- هناك تواطؤ رسمي عربي وإسلامي ضد المقاومة، للأسف، لصالح أمريكا والكيان الصهيوني، وبعض الحكومات العربية تعاقب المقاومة كونها تنتمي للتيار الإسلامي، الذين كانوا يحاربونه في بلدانهم، رغم أن التجارب السابقة أنضجت عقلية التيار الإسلامي، وقدمت المقاومة الفلسطينية نموذجاً ملهماً، ورغم ذلك فإني أعتقد أن صمود المقاومين في غزة في ظل واقع الخذلان العربي الحالي باتت «مسألة إلهية»، ينطبق عليهم قوله تعالى: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى {13} وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) (الكهف).
- هناك اتفاق على ارتكاب قادة الكيان الصهيوني جرائم إبادة، كيف نحرك تلك القضايا دولياً؟ وهل يمكن رؤية محاكمة دولية لهم؟
- الجهة المختصة هي المحكمة الجنائية الدولية، ويمكن عقد اختصاصها بـ3 طرق، أولها: اقتناع المدعي العام للمحكمة بأن يبدأ التحقيق الأولي في الجرائم التي يمكن أن تشكل جرائم حرب، أو عن طريق مجلس الأمن الدولي، وبالتشكيل الحالي بات هذا الطريق مستحيلاً؛ لأن أمريكا وفرنسا وبريطانيا سيلجؤون إلى حق «الفيتو» لتعطيل القرار، والطريق الثالث أن دولة عضوة في المحكمة تقدم طلباً للتحقيق مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني «بنيامين نتنياهو» وكبار قادة الحرب العسكريين المسؤولين عن تلك المجازر.
وهناك عدد كبير من المحامين، يتقدمهم صديقي المحامي الفرنسي «جيل ديفيز»، اتجهوا هذه الأيام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وقدموا طلباً للمدعي العام؛ للنظر في جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب، بالإضافة إلى جريمة العدوان التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكنها جريمة سياسية.
- اعترف الوزير الصهيوني «عميحاي إلياهو» بامتلاك الكيان المحتل سلاحاً نووياً، ما تبعات ذلك الاعتراف دولياً وقانونياً في ظل مطالبة الجامعة العربية ودول كتركيا ببدء الملاحقة والتحقيق؟
- المفترض أن تقدم الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا طلباً كي تقوم الوكالة بتوجيه تنبيه إلى الكيان الصهيوني؛ لأن دولة الاحتلال لم تنضم إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وليست طرفاً فيها، وبالتالي لا تستطيع الوكالة الدولية القيام بالتفتيش.
- يتحدث البعض الآن عن حل الدولتين كخيار سياسي دولي، ما رأيكم في هذا المسار؟
- الدول الغربية التي تؤيد شكلياً في العلن مشروع حل الدولتين الذي تطرحه الدول العربية، لا تستطيع الموافقة عليه، أبداً؛ لأنها مؤيدة للمشروع الصهيوني الذي يعمل على تهجير قسري للفلسطينيين، وإحلال يهود العالم مكانهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ وبالتالي أعتبر هذا الحل مسرحية الغرض منها صرف الأنظار عما تقوم به دولة الاحتلال الصهيوني، وصولاً إلى تفريغ فلسطين من أهلها، والأَوْلى إنهاء الاحتلال، فهذا هو الطريق الصحيح، ولكن يجب أن نعلم أن انتهاء الاحتلال لا يتم بقرار من الأمم المتحدة، وإنما بإرغام الكيان الصهيوني على ذلك عن طريق دعم المقاومة الفلسطينية.
- ما نصيحتك للمقاومة لاستكمال مكتسبات انتصارها التاريخي في 7 أكتوبر؟ وما توقعاتكم للوضع الراهن؟
- المقاومة تعرف طريقها جيداً، وأنا أقل من أنصح المقاومة، ولقد اكتسب أبطالها مكتسبات كبيرة لا رجعة فيها، منذ 7 أكتوبر الماضي، والمشهد، في رأيي، يتجه إلى مسارين؛ هما: تحقيق خطة الاحتلال بالقضاء على المقاومة، وخاصة حركة «حماس»، ورغم صعوبة ذلك فإنه في هذه الحالة ستنشأ آلاف من حركات المقاومة كـ«حماس»؛ لأن الشعب الفلسطيني من حقه أن يدافع عن أرضه ويستعيدها من اليهود.
والاحتمال الثاني أن تنجح المقاومة في إجبار الكيان الصهيوني على الاعتراف بالهزيمة؛ وبالتالي سيؤدي ذلك إلى الهجرة العكسية ووقف التطبيع وإجهاض «صفقة القرن» تماماً، وبداية مرحلة جديدة في عمر القضية الفلسطينية.
هكذا أوقفت عصا المقاومة عجلة التطبيع!
الدول العربية لم تستطع التأثير في الموقف الغربي للتدخل الجدي ووقف إطلاق النار
التجاهل الصهيوني الغربي للشراكة العربية سيجعل استئناف التطبيع أمراً عسيراً
«طوفان الأقصى» أوقفت عجلة التطبيع بعد الهزائم التي ألحقتها بالجيش «الإسرائيلي»
حرب غزة أعادت للجماهير العربية القناعة بضرورة المقاومة كخيار أمثل مع الاحتلال
إحسان الفقيه
«نحن نغير خارطة الشرق الأوسط»، قالها رئيس حكومة الاحتلال «بنيامين نتنياهو» قبل 3 سنوات وهو منتفشٌ زهواً، بعد دخول بعض الدول العربية إلى قائمة المطبعين مع الكيان «الإسرائيلي»، وما زالت القائمة تستقبل مطبعين جدداً، حتى ظن «نتنياهو» أن عجلة التطبيع التي سيحاصر بها القضية الفلسطينية تدور دون أن يوقفها شيء.
لكن حدث في السابع من أكتوبر الماضي، أن وضعت عصا المقاومة في تلك العجلة، ليتوقف التطبيع ويتجمد، في ظل دهشة وحسرة من العدو الصهيوني على جهود بُذلت وأموال أُنفقت من أجل التطبيع الكامل مع العرب.
ارتكزت اتجاهات التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني على القول بأن الوجود «الإسرائيلي» وجود نهائي –وفقاً لمفهوم فرض الأمر الواقع- يستمد حياته كشكل دولة من وجود قوى عظمى راعية وداعمة، ومن ثم اتجهت للتعاطي مع الملف الفلسطيني في إطار دبلوماسي كخيار أوحد، وعدم اللجوء إلى وسيلة مغايرة للدبلوماسية، نظراً لأن الاحتلال يتعامل مع القضية على أنها صراع وجودي.
لقد أوجد هذا الاتجاه العربي منطلقات للتقارب العربي الصهيوني تقوم على استبعاد المقاومة الفلسطينية من المعادلة، واتجهت بعض الدول لتصنيف حركة «حماس» كحركة إرهابية، كما حمّلت هذه الكتلة العربية المتقاربة مع العدو الصهيوني حركة «حماس» مسؤولية التصعيد، والتعامل معها باعتبارها سبب الكوارث التي تحل بقطاع غزة.
جاءت عملية «طوفان الأقصى» بما تضمنته من هدم أسطورة الجيش «الإسرائيلي» الذي لا يُقهر، والقوة القاهرة في منطقة الشرق الأوسط، فكان لسان حال المقاومة للدول العربية: هذه هي القوة التي كنتم تخشونها، وقمتم بالتطبيع معها على خلفية هذا الرعب من الكيان المدعوم من الغرب.
بناء على ذلك، لم يعد هناك ما يبرر للأنظمة العربية تخليها عن خيار المقاومة لاستعادة الحقوق، أو القول بعدم جدوى الخيار العسكري، أو إنكار أن القوة من شأنها أن تدفع الكيان لتقديم تنازلات؛ لذلك حتى لو انتهت المعركة، ومهما حاولت الدول المطبعة استئناف مسيرة التطبيع، فلن تجد الصيغة المناسبة التي تطرح بها فكرة التطبيع أمام الجماهير العربية والإسلامية.
استبعاد العرب
لقد أدت المقاومة الشرسة التي أبدتها الفصائل الفلسطينية ضد الصهاينة إلى سقوط أسطورة القوة «الإسرائيلية»، التي حاولت تعويض خسائرها واستعادة هيبتها أمام الداخل والخارج، عن طريق قصف المدنيين بوحشية، ودك المنازل والمساجد والكنائس والمدارس، وخاضت حرباً ضد المستشفيات الفلسطينية في القطاع، وقامت بتدمير البنى التحتية.
لم تستجب حكومة الاحتلال لمطالب الدول العربية، لا في وقف آلة الدمار، ولا في السماح بإدخال المساعدات والإغاثات للقطاع الذي اختفت فيه مقومات الحياة، كما لم تستطع الدول العربية التأثير في الموقف الغربي للتدخل الجدي ووقف إطلاق النار –خلافاً لموقفها من الحرب الروسية على أوكرانيا- بل كان «الفيتو» الذي استخدمته أمريكا وحلفاؤها في مجلس الأمن لإبطال مشروع يقضي بوقف إطلاق النار، بمثابة عدم اعتراف بالشراكة العربية حيال القضية الفلسطينية، وهو ما يعني إخراج الدول العربية من المعادلة، التي فشلت في دفع الدول الغربية لتبني مواقف متوازنة حيال العدوان على غزة.
هذا التجاهل الصهيوني الغربي للشراكة العربية، سوف يجعل استئناف مسيرة التطبيع أمراً عسيراً، حيث إنه لم يحفظ للأنظمة العربية ماء الوجه أمام شعوبها؛ لأن التطبيع بالأساس صيغة تشاركية، وهو ما تبين بطلانه خلال الأحداث الأخيرة.
المقاومة لم تصمد أمام الزحف «الإسرائيلي» الذي تقف وراءه أمريكا وحلفاؤها فحسب، بل امتلكت زمام المبادرة، وقامت بتهديد العمق «الإسرائيلي» حتى وهي في حالة الدفاع عن القطاع، ومثلت أنفاقها الممتدة على مسافة 500 كلم تحت الأرض شبحاً يثير الرعب في العدو «الإسرائيلي» الذي ذهب إلى حتفه في غزة.
هذه الأحداث أعادت للجماهير العربية القناعة بضرورة المقاومة كخيار أمثل في التعامل مع قضية الاحتلال «الإسرائيلي» لفلسطين، واكتسبت المقاومة شعبية واسعة النطاق في الدول العربية والإسلامية.
هذه الأوضاع الجديدة جعلت المقاومة الفلسطينية الطرف الأقوى الذي لا يمكن تجاوزه في أي مباحثات عربية «إسرائيلية»، وخيار المقاومة الإستراتيجي قد أثبت فاعليته، ومن ثم سيكون أي اتفاق عربي «إسرائيلي» يستبعد الفلسطينيين سوف يعزز مشروعية المقاومة، ويضع الأنظمة العربية في مأزق الظهور بمظهر العمالة؛ لذلك سوف تعيد هذه الأنظمة النظر في آليات وصيغة التطبيع وجدواه من جديد.
فوضى في «إسرائيل»
أوقفت معركة «طوفان الأقصى» عجلة التطبيع بعد الهزائم المتتالية التي ألحقتها بالجيش «الإسرائيلي»، وكسرت هيبته وأفقدته معادلة الردع، وأظهرت خوره وضعفه العسكري والأمني والاستخباراتي.
ترتب على ذلك خلق حالة من الفوضى في الداخل «الإسرائيلي»، وانقسامات ومعارضة لقرارات حكومة «نتنياهو»، وتزايد أعداد الهجرة العكسية، وفقدان الشعب «الإسرائيلي» الثقة في حكومته حيال المحافظة على أمن مواطنيها، خاصة في ملف الأسرى «الإسرائيليين» في قطاع غزة.
كل هذا قد جعل الكيان «الإسرائيلي» يستبعد التطبيع مع الدول العربية من قائمة الأولويات خلافاً للسابق قبل انطلاق «طوفان الأقصى»، خاصة أن فكرة التطبيع مع العرب لدى «الإسرائيليين» قد صارت ضرباً من العبث، بعد أن رأوا الشعوب العربية والإسلامية لم تفلح معها محاولات التطبيع، وأدركوا مدى مركزية القضية الفلسطينية في وجدان الشعوب.
لذلك، نؤكد أن أداء المقاومة في هذه المعركة قد ضرب التطبيع في مقتل، وأنه مهما حاول بعض المطبعين استئناف التطبيع مع الصهاينة، فإنه حتماً لن يكون بنفس الشكل والصيغة والآليات والأداء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل