; المجتمع الثقافي(1517) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي(1517)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002

مشاهدات 51

نشر في العدد 1517

نشر في الصفحة 50

السبت 07-سبتمبر-2002

الضوابط الإسلامية للأدب.. دفعة نحو الإبداع الحقيقي

سلوى عبد المعبود قدرة

هل حقًّا يقوم بين الإبداع الأدبي والضوابط والمحاذير الإسلامية صراع دائم، بحيث لا يكون العمل الأدبي إبداعًا إلا إذ تجرد من كل الضوابط وانفلت هاربًا من كل المحاذيرة وما تأثير هذا الانفلات الأدبي على كل من الكاتب أو الكاتبة، وما أثره على القراء والمجتمع الذي سيتناول هذا العمل بالقراءة والاطلاع والتأثير والتشبع؟ وهل من حق المجتمع والفرد معًا الإصرار على وجود موازين تحفظ للكاتب والكاتبة حقهما في التعبير عن الذات ومخاطبة الآخرين، وفي الوقت نفسه تحفظ للمجتمع والفرد حقه في الحفاظ على عقيدته وقيمه وأخلاقه وصيانة كل ذلك من العبث والهجوم والتطاول؟

 وهل لا بد من أن يصدم الأديب أو الأديبة المجتمع بإنتاجه الأدبي صدمة قيمية أو عقائدية أو أخلاقية ليحوز وصف «المبدع»؟ ولماذا لا بد من وجود هذا التصادم المزعوم؟ وهل تختلف الكتابات النسائية عن تلك الكتابات التي يكتبها ويصوغها الرجل اختلافًا يجعلنا نطالب بضوابط «خاصة» بالكتابات النسائية وأخرى خاصة بكتابات الرجل...؟!

الكلمة في الإسلام... طاقة بناء لا هدم:

يسمو الإسلام بالكلمة بكل صورها سموًا يليق بالإنسان المكرم الذي امتن عليه ربه بالبيان في قوله تعالى: ﴿ٱلرَّحمَٰنُ عَلَّمَ ٱلقُرءَانَ خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ﴾ (الرحمن: 1-4). واقتضى هذا التكريم التمييز بين نوعين من الكلمات... كلمة بناء... وكلمة هدم ﴿أَلَم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصلُهَا ثَابِت وَفَرعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذنِ رَبِّهَا وَيَضرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجتُثَّت مِن فَوۡقِ ٱلأَرضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ﴾ (إبراهيم: 24-26). وبهذا التوجيه القرآني البليغ يكون للكلمة الطيبة شروط لكي تصبح بناءة في حياة المجتمع والأفراد لها أثر خير في النفوس، ملموس في الواقع... يتأثر بها سامعها، وقارئها وقائلها وكاتبها على حد سواء، إنها إذن كلمة عاملة في البناء الحضاري للأمة تغير الواقع نحو الأفضل أو تمهد لهذا التغير.

وحين يقرر الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36) فإنه سبحانه وتعالى يؤكد بذلك مسؤولية الحواس البشرية ويضع الإنسان أمام مسألة مفزعة لن تغادر صغيرة ولا كبيرة، ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (الكهف: 49)، ويؤكد الرسول الكريم ﷺ تلك المسؤولية بقوله: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب»(1).

ثم يزيدها تأكيدًا على ضرورة وضع الإيمان رقيبًا على القول في حديثه ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، فهو بذلك يحدد للمسلمين نوعين من التعامل مع الكلمة وهما: إما البناء الفعال «فليقل خيرًا»، أو البناء الصامت «أو ليصمت»؛ إذ يتحول الصمت عن قول الشر والتحريض على النفور من الخير إلى خير محض وعمل بناء لأنه لم يستثر للشر جنودًا خفية في النفوس والطاقات، ويتحول الفعل المفضي إلى الحرام حرامًا بقاعدة فقهية معروفة تجعل من محاذير الكلمة ألا تؤدي إلى حرام ولا تزينه ولا تشجعه ولا تمهد له القبول في النفوس الغافلة الضعيفة ولا تفتح له نوافذ يتسلل منها، وفي المقابل لا تنفر من الحلال ولا تبغضه، ولا تفتح منافذ للتمرد عليه أو كرهه أو إبعاده عن الواقع الحياتي المعيش.

ولا شك أن الكتابات الأدبية -عكس الكتابات العلمية- تصبح أكثر التصاقًا بوجدان الأديب لأنها تنبعث منه وتقوم عليه، كما تستمد منه وقودًا دائمًا لكل كتاباته، ولذا قيل: إن الأدب الإسلامي هو تجل للمعاني القرآنية والتصورات الإسلامية للكون والحياة والناس، فهو وليد لحظات يسمو فيها المبدع على ذاته وقد أشرقت فيها روح الإيمان(2)، وعلى هذا لا يخالف ذلك الأدب أهداف الإسلام من حيث استهداف الطهر والعفاف والفضيلة، ولا تصبح هذه الأهداف في نظر الكاتب المسلم قيدًا أو عائقًا يمنعه من الإبداع والارتقاء بقدر ما تصبح توجيهًا لطاقاته نحو الخير والبناء؛ فالغرائز والطاقات والمواهب والقدرات ما هي إلا أدوات النفس في فجورها وتقواها، فهل يترك الإسلام هذه الغرائز تعمل بدوافع الضرورات والحاجات والرغبات دون ضابط أو رابط(3)، وعلى هذا تصبح المطالبة بالانفلات من تلك الضوابط مطالبة بالهدم لا البناء وتصبح بالتالي أكثر إلحاحًا حتى لا يشتط الأديب أو الأديبة في التعبير عن أهوائه ورغباته وهواجسه ونزعاته فينجرف بالذوق المجتمعي نحو ما يخالف الطهر والعفاف.

الإيمان .. رقيب يقظ

إن المؤمن الذي ملأ الإيمان وجدانه ومشاعره وأصبح وعيه وعقله وإدراكه يتنفس هذا الإيمان لا يحتاج إلى ضوابط خارجية تحكم عمله سواء كان أدبيًا أم علميًّا أم عمليًا، إن ضوابطه معه يستشعرها في كل حين كما عبر عنها الرسول ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»(4)، وتلك درجة الإحسان في العبادة... وهي الدرجة التي ما زال الإيمان يرتفع بصاحبه حتى يصل إليها فتصبح بذلك مانعًا من الشطط أو الجموح أو النفور أو التمرد على قيم المجتمع وثوابته.

 وتصبح الضوابط الإسلامية للأدب ضوابط ضرورية، ولا بد منها حتى لا يتحول الإيمان المتغير في النفوس إلى ذريعة يتسلل بها الفساد عبر النفوس الهشة الإيمان الضعيفة العقيدة؛ لأن المجتمع لا بد له أن يحمي نفسه إذا ما انحرفت الأهواء وأخذت الأقلام تسقط وتعب من مستنقع الرذيلة والفحشاء عارضة إياها على القارئ والقارئة... تاركًا هذه الصور القذرة تكبر وتفرخ في خيالاتهم الجامحة تنتظر فرصة سانحة لتتمثل واقعًا في مجتمعهم الغافل المستباح، فالنهج الإسلامي يقوم على إيضاح الضوابط والمحاذير في أي مجال ونشاط في الحياة، حتى تنتظم الخطوات السائرة في هذا الكون الفسيح، ولا تصبح كدوائر متصادمة يعرقل بعضها بعضًا، وكثرة الضوابط الإسلامية لا تعني كثرة القيود وخنق الإبداعات، بل تعني أولًا وأخيرًا توحيد طاقات الفرد والجماعة وتوجيهها نحو هدف بناء خير يغني الحياة والأحياء.

 ويمتد تأثير الإيمان إلى كل نشاط وكل إحساس «فيجعل المسلم المؤمن من أعمق الناس إحساسًا بقيمة الوقت، وأن الله سائله يوم القيامة عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه، فهو لهذا يضن بوقته أن يضيع في عبث أو يبعثر في مهب الريح، لأنه رأس ماله الوحيد فكيف إذن يضيعه ويبقى صفر اليدين؟» (5)

 وعلى هذا فحين يمسك الكاتب والكاتبة بالقلم وينطلقان للكتابة بعيدًا عن الأطر الإسلامية، فهما يتحولان حينها إلى عابثين يمارسان نوعًا من الإجرام الفكري يسرقان به الأعمار الثمينة التي تقرأ لهما عبثًا لا ينفع بل يضر، هذا إذا لم يكن فحشًا واضحًا صريحًا... يهدم ويغتال العفاف وبذا يُطرح سؤال خطير على أي إنتاج أدبي: هل أفاد القارئ والقارئة وما درجة هذه الإفادة...؟ هذا إذا بحثنا عن تقييم حقيقي لما يهدر فيه الوقت والحياة معًا.

كتابات المرأة.. وكتابات الرجل

 تحمل صيغة المخاطبة الإسلامية للرجل والمرأة التكاليف الشرعية نفسها والأوامر والنواهي العقائدية والقيمية، ولا تختلف إلا عندما تكون أرضية التخاطب مواضيع أنثوية تنطلق من كونها جنسًا مختلفًا عن جنس الرجل، وعلى هذا تصبح كتابات المرأة ككتابات الرجل لا تختلف إلا باختلاف مجالات التناول والحدث والعمل الفطري.

 فالرجل أقدر على التعبير عن ألم السياسي والحاكم والأب ونبض الأمة الحربي والجهادي بينما المرأة أمهر في التعبير عن أحاسيس الأم وانفعالات الزوجة ومشاعر العمة والخالة... والمعلمة والطبيبة... إن اختلاف مجالات الحركة والتعامل الواقعي واختلاف التجاوب الوجداني بينهما يفرض اختلافات في الكتابة بالنسبة للمواضيع المطروحة وطريقة العرض... وهدفه. 

ولكل منهما الحق في خوض ما شاء من الموضوعات بالشروط الإسلامية القائمة وعلى رأسها عدم العبث بالمشاعر الفطرية وعدم التسلل بالفاحشة والرذيلة، ذلك أن الداعين والداعيات إلى نبذ الضوابط الإسلامية إنما يطالبون بذلك حين يتصدون لمناقشة موضوع الجنس في الكتابات الأدبية من الجنسين، إذ يصرون على أن ذلك ضمان للإبداع.. وهنا تصبح كلمة «إبداع» كلمة غامضة هلامية تدفع إلى الرهبة والاستسلام، في حين أنها في الواقع لا تعني إلا القدرة والمهارة في وصف الفحشاء عارية محضة تستثير الاشمئزاز عند المؤمن والنشوة عن المنحل الفاجر، وتدفع إلى الرذيلة بأفواج من الشباب المتدفق الحيوية، المفتتن بالأجساد العارية، والكلمات المعسولة الفاسقة، وبهذا يقع هؤلاء وأولئك معا في دائرة الوعيد الإلهي المروع:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: 19). 

فالله تعالى لم يترك للعين البشرية الحق في رؤية الحرام ومداهمة الأعراض المستورة، وجاء قوله ﷺ لسائله عن نظرة الفجاءة: «اصرف بصرك» لكي يقرر للمسلمين ضرورة التحكم في خائنة الأعين التي لا يرقبها إلا الله، وبذا تحدد مجالات عمل الحواس البشرية الدائبة الحركة، فكيف يستقيم هذا النهج العفيف الطاهر مع «موهبة!!» تتجاوز كل ذلك لتعري الأجساد وتصف الحرام من الأفعال والأقوال وسط حالات من الاستحسان والتحبب والتشجيع؟! 

وحين تنجرف المرأة بقلمها وكتاباتها وراء أهوائها وغرائزها الأنثوية المحضة فإنها تصبح أكثر إجرامًا من الرجل وأكثر قدرة منه على التدمير والإفساد، ذلك أنها تتحول إلى امرأة لعوب غانية تجيد التعري ومخاطبة حواس الرجل وغرائزه الشهوانية، بما يضمن سقوطه السريع في مستنقع الوحل والقذارة، كما أنها وبكل بساطة تصبح أقدر على مخاطبة وجدان الأنثى في قارئاتها.. فتجذبهن وتصطاد منهن الكثيرات فتدفع بهن إلى ذات المستنقع القذر.

الهوامش:

(1) رواه الشيخان عن أبي هريرة.

(2) الأدب الإسلامي قضية وبناء، د. سعد أبو الرضا.

(3) الأدب الإسلامي ضرورة، د. أحمد محمد علي.

(4) حديث جبريل المشهور.

(5) الإيمان والحياة - القرضاوي - ص 260.

قصة قصيرة

في البرلمان

يحيى بشير حاج

مستوحاة من مقالتي الأستاذ علي الطنطاوي يرحمه الله «أعرابي في السينما»، و«أعرابي في الحمام»

قال لي صاحبي أو عزمت على الرحيل قلت: إي والله، فإنه لم يبق في حاضرتكم شيء لم أطلع على عجائبه. 

فابتسم وقال: ولكنك لم تزر البرلمان!

 قلت وما «البرملان»؟ فنحن أهل البر نعيش فيه، ونفعل ما يحلو لنا، فضحك صاحبي، وقال: هداك الله إنه البرلمان. 

قلت: ما سمعت بهذا لا في مدر ولا في وبر!

قال: إنها كلمة ليست من العربية في شيء، ومع ذلك فإن في زيارة البرلمان متعة ليست في غيره. 

قلت: أيكون أحسن حالًا من الحمام والسينما؟ فماذا عندكم يا أهل المدن إلا التعري والروايات.

 قال صاحبي، وقد ذكر ما لقيت في الحمام والسينما من مفاجآت:

 علمك بالشيء خير من الجهل به؛ ففي البرلمان ستجد الحكومة، وتجد ممثلين عن الشعب وجهًا لوجه، وستسمع من يهاجم الوزير والمحافظ ولا أحد يقول له شيئًا!!.. 

قلت الممثل يفعل هذا يتهم الحكومة، ويهاجم الوزير.

وضربت كفًا بكف وهتفت ثكلتني أمي فما كان أغناني عن حياة البادية، وما كان أغناني عن عملي دليلًا فيها؟ كيف الطريق إلى التمثيل؟

 فضحك –والله- صاحبي ضحكًا خلت أنه خلع قلبه، ثم ضرب بيده على كتفي، وهو يقول: ليس التمثيل كالذي رأيته في السينما، وإنما هؤلاء يمثلون الشعب، أي ينوبون عنه لأنه اختارهم، فهم نواب ونائبات يطالبون ويقترحون.

فهممت أن أقول شيئًا، فقال صاحبي وقد يشتمون ويشتمون.. ولن أطيل عليك، ففي غد نذهب معًا، ونحضر إحدى الجلسات، وتشاهد من خلال شرفة الضيوف كيف يفعلون. 

والله ما كان إلا الغد حتى ذهبت مع صاحبي، وأنا لا أدري كيف ساقني، ولم أنس بعدما حل بي في السينما والحمام، ووقفت معه أمام دار كبيرة ما رأيت مثلها من قبل، فأوقفنا بعض الشرط فقدم لهم صاحبي قطعتين من ورق وأشار إلى نفسه وإليّ فأدخلونا، ثم استوقفنا آخرون عراض المناكب كلح الوجوه، كأنهم لم يبتسموا مرة في حياتهم وبدؤوا يفتشوننا، حتى وقعت يد أحدهم على خنجري، فصاح غاضبًا: سلاح قلت إنه خنجري شبر من جديد، فقال: ممنوع ممنوع اتركه في الأمانات، وخذ إيصالًا به.

فوقفت وأنا لا أصدق ما أرى، وصاحبي لا يرى في ذلك بأسًا؟!! وأعطاني ورقة أصغر من راحة اليد فهممت أن أعود، ولكن صاحب سحبني من يدي فقلت ما أبخسها من صفقة، أأستبدل هذه الورقة بخنجري وما هي بالتي يشترى بها شيء؟!!

فقال: هوّن عليك، فنحن ما بعنا ولا اشترينا فإن خنجرك سيكون في الأمانات إلى وقت الخروج، فمضيت وأنا منكسر القلب أردد قول الشاعر:

أخاك أخاك إن من لا أخا له   كساع إلى الهيجا بغير سلاح

فكيف وأنا غريب في هذه البلدة بلا أخ ولا سلاح فتبعته وأنا أجر قدمي، فأجلسني على مرتفع، وقال: هذه شرفة الضيوف، فرفعت رأسي وإذا هي دار، قوراء، وإذا القوم جلوس على كراسيهم، بعضهم يقابل بعضًا، وآخرون يديرون أقفيتهم؟! 

فقلت ما أشبه هذه الدار بالحمام لولا أن القوم لم يخلعوا ثيابهم فابتسم صاحبي، وقال: هذه قبة البرلمان، أما سمعت في الأخبار عن القوانين التي تناقش تحت قبة البرلمان؟! 

قلت: ولولا أن القوم يقابل بعضهم بعضًا، وليسوا صفوفًا لظننت أني في السينما، وقد كذبت ظني حين رأيت القوم لا يطفئون الأنوار.

 قال صاحبي بعد قليل ستبدأ الجلسة. ولم يطل بنا المقام حتى قام أحدهم، وبدأ يتكلم وأنا لا أعي أكثر ما يقول ثم تناوب القوم الحديث، وبعضهم يقول، وبعضهم يسمع وبعضهم لا يقول ولا يسمع، وهو إلى النوم أقرب كأن الأمر لا يعنيه، فقلت: لعلهم ضيوف مثلنا، ولكنهم أقرب إلى القوم، فأجلسوهم معهم!!

وتفحصت الوجوه فإذا «معيضان»، بينهم لا حول له ولا طول، فقمت لأطل عليه، وهتفت معيضان... معيضان لقد بحثت عنك طويلًا فلم أجدك! في أي مكان تنزل؟! وإذا أحد أولئك الشرط يمسكني ويردني ويهم بإخراجي قلت:

ويحك! ماذا فعلت؟ أنادي على واحد من قومي وهو يعرفني والله لقد أقرضته خمسين تيسًا لمادبة أقامها، ووعدني بردها ... فأشار صاحبي وهو يعض على شفتيه أن أنهي: ثم اعتذر للشرط واعدًا ألا يتكرر ذلك مني، فجلست وأنا أكاد أنفجر من الغيظ، أي هوان هذا أنا فيه أنادي على بعض قومي، وأمنع من ذلك؟ ومعيضان يتجاهلني، ولا يرد، ووالله ما مثلي ومثله إلا كما قال الشاعر:

سريع إلى ابن العم يلطم خده     وليس إلى داعي الندى بسريع

ثم التفت إلى صاحبي وقلت: هل يستطيع معيضان أن يرد علي؟ 

قال: نعم، لأن له حصانة، قلت: والشرطي لا يخرجه ولا يمنعه؟ 

قال: إنه نائب ويتمتع بالحصانة، فقلت في نفسي: والله لقد بزغ نجمك يابن «شنيطة» وعرفت الآن لماذا أقمت الولائم، وجمعت الناس ثم قلت لصاحبي، وقد ذكرت الخمسين تيسًا وهل سيكون معيضان بعد هذه الحصانة قادرًا على وفاء الدين؟

قال صاحبي لا أشك في ذلك، فلسوف يتقاضى راتبه، ويعطى مخصصات عن هذه الجلسات.

ولم أطل التفكير حتى انبرى واحد من الجالسين يهدر ويزمجر وأنا لا أدرك كثيرًا مما يقول، فهمس صاحبي في أذني إنه من المعارضة!

قلت ما سمعت بهولاء القوم فأين تكون منازلهم؟ قال صاحبي ينزلون وراء الحدود فأكثر منازلهم خلفها، وهذا إنما وصل لأنهم سمحوا له بالدخول، قلت يسمحون له بالدخول والنزول، ويزمجر عليهم، ابتسم صاحبي وقال: لكنه لا يقول ما يؤذيهم، صحيح أنه يهاجم الحكومة، ولكنه لا يجرحها... ولم يطل به كلام حتى دمعت عينا امرأة كانت تقابله في المجلس. فقلت: سبحان الله يهاجم الحكومة والمرأة تبكي لعل الحكومة تكون من عشيرتها... قال صاحبي إنها رئيسة الحكومة هل ترى الرجال المحيطين بها إنها رئيسة لهم، ثم قام رجل من خلفها يشتد في كلامه، فقلت: لعل الحكومة من عشيرته، فهو لم يقبل هوانًا يصيبها، فقال صاحبي إنه نائب رئيسة الحكومة، قلت: والله لقد أصابت حكومة، فلربما منعت هذه المرأة من الحضور، وربما أقسم عليها زوجها ألا تخرج من البيت فتبر قسمه، فهم لا يعطلون أعمالهم وأيقنت أنها حكومة موفقة، فمن يدري، فقد يطول بالرئيسة نفاس، أو يعسر عليها المخاض فينوب عنها رجل ريثما تعود بالسلامة.

ثم وقفت فتاة كعاب تصرخ وتولول وتهتف: ارفعوا أيديكم عن المرأة فقال صاحبي إنها إحدى النائبات.

والله ما استطعت أن أصم أذني، فقلت: ويح أهل الحضر، قبل أيام هتفت امرأة في السينما، وقد أحاط بها غادر خبيث، يحاول أن ينال منها على مرأى منا ومسمع، فاستللت خنجري وأقبلت أريده فأشعلت الأنوار، وما ارتضيت أن أقيم على هوان واليوم تستغيث امرأة، ولا من مغيث، فمن هؤلاء الذين وضعوا أيديهم على المرأة؟! فإن الطبيب ليعاين نساءنا من وراء حجاب، ولا يرضى أحدنا أن يعطيه اسمها ليكتبه في أوراقه، فثارت الدماء في عروقي ونهضت هاتفًا: لبيك ألفًا... لبيك ألفًا.

فجاء رئيس الشرط ومعه ثلاثة من أعوانه وأصر على إخراجي - فقلت: تستغيث امرأة، فإن لبّيتها تخرجوني؟! والله ما رأيت ألأم منكم ولا أقل مروءة، وعند ذاك عرفت لماذا أصروا أن يأخذوا خنجري قبل الدخول.

فتدخل صاحبي، وقال إنه غريب، ولم يدخل قبل يومه إلى برلمان، ولعلها آخر أخطائه وهو قريب أحد النواب، فتركوني وهم يهمهمون.

 وطال بنا، جلوس والقوم يتهاوشون، وأنا لا أعيرهم انتباهًا، حتى وقف غلام أمرد يحمل صندوقًا على كتفه قريبًا منا، فقال صاحبي: أتحب أن يصورك لتظهر في التلفاز؟ قلت: وماذا ينفعني هذا أو يضرني؟ قال: لا شيء، قلت: لا أريد. 

وحان وقت الظهر، ولم أر أحدًا من القوم يتحرك من مكانه فقلت لصاحبي الا أؤذن وأذكر القوم؟ فضغط على يدي وهمس يعرفون ذلك ولديهم ساعات يضبطون بها الوقت، قلت: إذن أصلي وأعود، قال: انتظر قليلًا، ألست مسافرًا؟ قلت: بلى، قال: إذن تجمع وتقصر، قلت: والقوم: قال هم كذلك مسافرون وقد قدموا من بلاد بعيدة فأسكتني والله، ولكنه لم يستطع أن يسكت جوعة بطني فقلت ولكن القوم ألا يأكلون فقد يستمرون إلى العصر، فلم أرهم صنعوا طعامًا ولا دعوا إلى وليمة، وليس من البر الصيام في السفر، فلم يرد على بشيء، فأخرجت تمرات أشغل بها أمعائي، وذكرت قول الشاعر:

لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله     لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

فقلت وأنا أتبلغ بتميراتي: وإن الجوع لبئس الضجيع.

 ثم نهض القوم واقفين، فقال صاحبي انتهت الجلسة، فقلت: لا بد من أن أصل إلى معيضان فخرجت أتبعه، وهتفت عند الباب الكبير، ولكن اللئيم ركب سيارة فارهة، ولم ينظر إليّ ومضى وعاد لي صاحبي بالخنجر، واعتذر لبعض شأنه، ووقفت وحيدًا، وقلت لو أنني أقسمت ألا أدخل هذه الحاضرة بعد اليوم لكان حريًا بمثلي أن يفعل ذلك، فهذه ثالثة الأثافي، فأي داهية نزلت بي في الحمام والسينما والبرلمان.

قضايا قديمة متجددة

نجيب محفوظ ونظراؤه

إيمان البهنساوي

ربما يعرف الكثيرون رواية أولاد حارتنا، للكاتب المعروف نجيب محفوظ ولكن البعض بالتأكيد لم يعرفوا ملابسات نشر هذه الرواية في عهد عبد الناصر.. ولذا أحب أن أذكر القارئ بقصة نشرها. 

طلب الصحفي علي حمدي الجمال -بتكليف من محمد حسنين هيكل- من نجيب محفوظ نشر رواية مسلسلة بالأهرام، فوعده أن تكون أولى رواياته القادمة، وشاء القدر أن تكون تلك الرواية هي أولاد حارتنا ونشرت جريدة الأهرام الرواية بشكل مسلسل في نهاية عام 1959م، وثار علماء الإسلام واعتبروا الرواية قادحة في كرامة الأنبياء وطالبوا بمحاكمة كاتبها ووقف نشرها.

يقول د. محمد يحيى ومعتز شكري في صفحة (21) من كتابهما «الطريق إلى نوبل عبر حارة نجيب محفوظ»:

لا يحدث كثيرًا أن يقود الدعاة أتباعهم إلى الشوارع لكي يعلنوها صيحة تطالب بحظر رواية من الروايات... كما لا يحدث كثيرًا أن يضطر رئيس تحرير لصحيفة كبرى أن يعتمد على صداقته لرئيس الدولة لكي يضمن استمرار نشر رواية مسلسلة كاملة دون حذف حتى نهايتها، ولكن هذا ما حدث في مصر في عهد عبد الناصر سنة 1959م، عندما نشرت جريدة الأهرام شبه الرسمية «أبناء الجبلاوي» بقلم نجيب محفوظ، وقد بلغت الضجة والهياج إلى الدرجة التي لم يجرؤ ناشر مصري واحد على أن يصدر الرواية في كتاب، وظلت لسنوات تنتقل من يد إلى يد في طبعتها الصحفية وحتى عام 67 -وفي لبنان- أصبحت أخيرًا متاحة في شكل كتاب، وإن كان به حذف طفيف، وصدر من دار الآداب. وجاء في صفحة (21) من الكتاب نفسه:

«وكان السبب وراء ردود الأفعال هذه أن نجيب محفوظ تناول بجرأة القضايا التي ينقسم الناس حولها على نحو عميق لا في مصر وحدها، بل ربما في العالم كله، ذلك أن الأبطال الذين يعقب بعضهم بعضًا في الحارة القاهرة الخيالية لنجيب محفوظ يحيون من جديد دون أن يدروا شيئًا عن حياة كل من آدم وموسى وعيسى ومحمد بينما سلفهم المعمر -وهو الجبلاوي- يمثل الله (تعالى وجل في علاه)، أو بمعنى أصح فكرة معينة عن الله صنعها الناس (كما عبر بذلك نجيب محفوظ في سياق مناقشة تمت معه)....».

ويعلق وائل عزيز في صفحة 124 و126 من كتابه «محفوظ الحقيقة الغائبة / نوبل» فيقول: 

وإذا كانت الشعوب الأوروبية هي النموذج الذي يحلو للبعض أن يوجهنا إلى احتذائه فلا بأس هنا من إيراد بعض ردود الفعل التي صاحبت عرض فيلم «غواية المسيح الأخيرة». 

تظاهر آلاف الأمريكيين عند عرض الفيلم في أغسطس 88، وطالبوا الشركة المنتجة بإتلاف الفيلم، وهددوا بالتعرض لجميع مصالحها.

وقام المتظاهرون الأرثوذكس في اليونان بعمليات تخريب في صالات عرض الفيلم.

وقررت السلطات الهندية منع عرض الفيلم لإساءته للطوائف المسيحية.

يقول: د. لويس عوض في تعليقه على فيلم «غواية المسيح الأخيرة». وهو الفيلم الذي أثار ضجة هائلة، وقامت من أجله المظاهرات في لندن ونيويورك مطالبة بوقف عرضه: بالفعل كان هناك شغب في أمريكا أثناء عرض الفيلم.. ووجدت الفيلم فعلًا مؤذيًا للشعور -بل وللتفكير السليم- ويبعث على الاشمئزاز والامتعاض.... وكان أكثر ما استفزني في هذا الفيلم أنه يؤلف سيرة مختلفة تماما - لحياة المسيح... صفحة (113- 114) من الكتاب السابق.

 ويكمل وائل عزيز تعليقه قائلًا:

«فللسبب الذي لام من أجله د لويس عوض مؤلف ومخرج فيلم غواية المسيح الأخيرة... يحق لنا أن نلوم نجيب محفوظ الذي فعل برفاعة ما لم يفعله سيزي بالمسيح، فرفاعة نجيب محفوظ تزوج وترك زوجته تزني لعجزه عن القيام بواجباته الزوجية.... » صفحة (155).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

183

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

129

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم