العنوان الأول من نوعه في مصر.. نظمته اللجنة الوطنية للتربية والعلوم والثقافة
الكاتب مجاهد الصوابي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
مشاهدات 85
نشر في العدد 1273
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 28-أكتوبر-1997
• مناقشات مهمة في مؤتمر أخلاقيات الممارسات البيولوجية وحقوق الإنسان
• الضوابط الأخلاقية والتمسك بالدين أساس أي تقدم علمي والخروج عنهما مرفوض
• استخدام المسجونين كحيوانات تجارب لبعض الأدوية جريمة يرفضها الشرع والعقل
نظمت اللجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة والتي تضم ممثلين لليونسكو والإيسيسكو مؤتمرًا موسعًا حول أخلاقيات الممارسة البيولوجية وإسهامها في حماية حقوق الإنسان ودعمها للتنمية المتواصلة، وذلك بالتنسيق مع اليونيسكو، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وقد عقد المؤتمر الذي يعد الأول من نوعه تحت رئاسة وزير التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره رئيسًا للجنة الوطنية.
وتمت مناقشة 30 بحثًا على مدى عشر جلسات، توزعت على أربعة أيام بمقر المعهد القومي لعلوم الليزر بجامعة القاهرة، كما شهد المؤتمر 4 حلقات عمل؛ تناولت الحلقة الأولى قضية الأخلاقيات الحيوية والمداخلات البيئية، بينما الحلقة الثانية ناقشت في اليوم الثاني أخلاقيات المداخلات الطبية وضوابطها، حيث تناولت جميع القضايا المتعلقة بالجانب اطبي محل الجدل، في حين أن الحلقة الثالثة ركزت على أخلاقيات المداخلات البيولوجية والزراعية والدوائية، وفي اليوم الأخير بحثت الحلقة المعايير الثقافية والاجتماعية والدينية للمداخلات البيولوجية، وفي الجلسة الختامية شارك جميع الأعضاء في صياغة عدد من التوصيات الهامة سوف نفردها بالتفصيل فيما بعد.
أخطار البحث العلمي
وقد حذر الدكتور حامد رشدي مقرر المؤتمر، وأستاذ تكنولوجيا الإشعاع، ورئيس هيئة الطاقة النووية المصري السابق، من بعض الممارسات التي تتجاوز حدود الضوابط الأخلاقية في البحث العلمي، وتطأ أهم حقوق الإنسان في الحياة الكريمة وتأمين سلامة مقدراته التراثية، مشيرًا إلى أن التوسع في تحضير كميات هائلة من المركبات الكيميائية واستخدامها على نطاق واسع كمخصبات زراعية أو مبيدات حشرية، أو أدوية ومضادات حيوية للكائنات الميكروبية، أو مواد مضافة للأغذية، أو منشطات النمو في النبات والحيوان، أو كمحفزات في العمليات الصناعية -وإن كانت قد أسهمت إسهامًا كبيرًا في التنمية المتواصلة للمجتمعات البشرية- إلا أنها تشكل تهديدًا خطيرًا للإنسان ومحيطه الحيوي في حاضره ومستقبله، وتهدد سلامة الجنس البشري ومعدلات الحفاظ على التنوع البيولوجي للكائنات الحية والتي قد لا تظهر آثارها قبل عدة أجيال متعاقبة.
كما ألمح في بداية المؤتمر إلى الأخطار المحتملة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في مختلف الميادين وما يمكن أن تسببه من إضرار بالمادة الخلوية الوراثية في الكائنات الحية والإنسان، مشيرًا إلى الأخطار التي قد تحدث بعد عدة أجيال على الكائنات الحية نتيجة استخدام المنتجات الزراعية والحيوانية المعاملة بالهندسة الوراثية.
وأكد أنه يجب إخضاع التقدم العلمي في مجال علاج العقم لضوابط وقيم دينية وأخلاقية لحماية الجنس البشري من العبث به وطمس معالم تأصيل الأسباب وجذورها الأسرية، الأمر الذي تترتب عليه مشاكل أخلاقية خطيرة، وتمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان في معرفة أصوله البيولوجية واحترام كرامة جسده في حياته ومماته.
كما أكد على رفض المجتمعات الإسلامية لبعض الممارسات البيولوجية التي تتجاوز دائرة القيم والأخلاقيات، مثل: الإجهاض الاختياري، والإنهاء العمدي لحياة المرضى اليائسين من الشفاء، وتداعي الضوابط التي تجزم بحدوث قبل الإقدام على استئصال الأعضاء البشرية، واستخدام المخلوقات البشرية -كالمساجين وغيرهم من التجمعات- عن قصد أو دون وعي لإجراء التجارب البيولوجية والطبية والدوائية كانتهاز جائز لظروف الفقر أو المرض أو الأمية التي تسود العديد من المجتمعات النامية، وكلها تصرفات لا أخلاقية وغير مسئولة بحاجة للتصدي لها والتوعية بشأنها.
وأشار إلى تزايد الاهتمام على المستوى العالمي بالضوابط الأخلاقية التي ترشد مسارات التطور السريع الذي تنشده العلوم البيولوجية وتطبيقاتها التي أشرنا إليها، حيث تشكلت خلال عام 1990م تحت مظلة اليونيسكو الدولية مجموعة عمل للمنظمات غير الحكومية عن «العلم والأخلاقيات»، وأصدرت وثيقة تناولت قضايا نقل الأعضاء الحية ومشكلاتها الأخلاقية والبحث عن الأصل البيولوجي للأطفال المولودين بطرق المساعدة الطبية وحماية الجنس البشري.
كما أصدرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مارس 1993م قرارًا يؤكد حاجة البشرية للتعاون في الاستفادة من العلوم المتطورة ومنع استخدامها في الأغراض التي تخالف مصالح البشرية وتنتهك حقوق الإنسان والقيم الأخلاقية.
كما أصدر المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بفيينا في يونيو 1993م إعلانًا يوصي بضرورة احترام حقوق الإنسان والقيم الأخلاقية، فيما يتعلق بالتقدم العلمي في مجالات العلوم البيوطبية على وجه الخصوص.
وأكد الدكتور فوزي عبدالظاهر أمين عام اللجنة الوطنية لليونيسكو، وأمين عام المؤتمر أنه من أجل العمل على تصور يحدد معالم الضوابط الأخلاقية للممارسات البيولوجية كانت هذه الندوة، ومن خلال عدد من المحاور الرئيسية أهمها الأخلاقيات البيولوجية والمداخلات البيئية، وأخلاقيات المداخلات الطبية وضوابطها وأخلاقيات المداخلات البيولوجية والزراعية والدوائية، والمعايير التربوية والثقافية والدينية للمداخلات البيولوجية.
وأضاف الدكتور فوزي عبد الظاهر أمين عام المؤتمر أن المؤتمر يحرص على تفاعل المتخصصين من خلال أوراقه المختلفة حول قضايا التلوث البيئي ومخاطره البيولوجية والأجنة، والتنوع البيولوجي والاستنساخ، والوراثة الخلوية، والبيولوجيا الجزئية، والتكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية، وبنوك الجينات، والكود الجيني، علاوة على التطبيقات الطبية في قضايا الإخصاب الطبي والإجهاض والختان والعلاج الجيني وموت المخ، وبنوك الأعضاء، والأنسجة البيولوجية، ونقل واستزراع الأعضاء البشرية والتطبيقات الدوائية والزراعية، ووضع المعايير والضوابط الأخلاقية لكل هذه الأنشطة.
اللاأخلاقية في البحث العلمي
أشار الدكتور محمد علي مدور أستاذ الكبد بكلية الطب بجامعة عين شمس، ومنسق المؤتمر: أن المؤتمر يهدف إلى إلقاء الضوء على نشاط لجنة الأخلاقيات الحيوية التي توجد في معظم دول العالم المتقدم لمراقبة إجراءات البحوث ومنع أي طفرات غير أخلاقية في مجال البحوث الحيوية؛ حيث إن هناك جرائم عديدة ارتكبت في مختلف دول العالم، وأنه تم الكشف مؤخرًا عن قتل 300 مواطن أمريكي أسود عام 1932م بحقنهم بميكروب السيلان وإجراء تجارب لدواء جديد لعلاج المرض، وذلك دون أدنى احتياطات طبية واستخدام الإنسان كحيوان تجارب، مما أثار خطورة هذا الأمر في أحد المؤتمرات العلمية عام 1972م.
وأضاف أن هذا المؤتمر هو الأول من نوعه في مصر، وتخطط اللجنة الوطنية لليونيسكو لأن تجعل هذا المؤتمر إقليميًّا وعالميًّا في السنوات القادمة.
وقد شهد المؤتمر عدة مناقشات ساخنة حول العديد من القضايا المطروحة، إذ كانت أول هذه القضايا هي قيام بعض الباحثين بإجراء تجارب الأدوية الجديدة على السجناء باعتبارهم متطوعين إجباريين، الأمر الذي أجمع الحاضرون على عدم أخلاقيته، وعلى ضرورة التصدي له بكل حسم، وكان نائب رئيس هيئة الرقابة الدوائية من أشد المعارضين لاستخدام المسجونين وتبني ضرورة وضع توصية تحرم ذلك نهائيًّا.
كما طرحت قضية الأغذية المهندسة وراثيًّا على بساط المناقشة بعد ما أثير حولها من جدل، إذ انقسم العلماء نحوها قسمين: يرى الأول أنه لا شيء فيها، وليس لها أعراض جانبية حتى الآن، ولم يتم التوصل إلى إنتاج غذاء بهذه الطريقة في أي دولة عربية، إلا أنها تستورد الكثير من الأغذية المهندسة وراثيًّا، مؤكدين على أهميتها وحاجتنا الملحة للاستيراد من الدول الأوربية لسد الفجوة الغذائية الرهيبة في مجتمعاتنا العربية ، مع ضرورة وضع ما يدل على أن هذه الأغذية مهندسة وراثيًّا لإتاحة الحرية الكاملة أمام المواطنين في شرائها أو تركها.
كما أكد الدكتور محمود نصر عميد معهد الهندسة الوراثية بجامعة المنوفية: أن الذين يطالبون بحظر دخول المنتجات الغذائية المهندسة وراثيًّا يجب أن يراجعوا أنفسهم، حيث إنه من الصعب حظر ذلك، ولكن يمكن المطالبة بضرورة تشديد الرقابة على جميع الأغذية التي تصل لأي بلد عربي في الموانئ والمداخل المختلفة، وتحليل العينات، والتأكد من سلامتها الصحية سواء مهندسة أو غير مهندسة وراثيًّا، وذلك حسب طبيعة نظام كل دولة على حدة، ففي أمريكا مثلًا نجد أن هناك لجنة GMO لتحليل هذه المنتجات.
كما أكدت الدكتورة حكمت أبو صافي الخبيرة بالمركز القومي لأبحاث الإشعاع والطاقة الذرية ضرورة التوعية عبر وسائل الإعلام بطبيعة المواد الغذائية المهندسة وراثيًّا، وكيفية الحصول عليها وأعراضها الجانبية، وما يثار حولها، ووضع نشرات داخل هذه المنتجات لتوضيح ذلك.
كما أوضحت أن هناك محاذير كثيرة، وأوضاع أمان لجميع العاملين في مجال العلاج الإشعاعي حفاظًا على صحة المرضى الذين يتعرضون للأشعة، وأيضًا الأطباء والفنيين الذين يمارسون هذه الأعمال في العلاج والتشخيص، مشيرة إلى أن جميع أجهزة الأشعة يتم الكشف الدوري عليها من قبل جهاز الإشراف في الأمان النووي، حيث إن هناك أساليب خاصة للتخلص من النفايات المشعة أو الإشعاعية وحرق بعضها.
كما أجمع المشاركون على رفض جميع وسائل الإخصاب الطبي المساعد غير الأخلاقية والتي يرفضها ديننا الحنيف، الأمر الذي ألقى على أثره الدكتور منير محمد فوزي بطب عين شمس ورقة تفصيلية حول الأخلاقيات المطلوبة في علاج العقم، وقد شرح الدكتور جمال أبو السرور مدير المركز الإسلامي الدولي لدراسات السكان بجامعة الأزهر أخلاقيات الممارسة الطبية من زاوية دينية، ورأي الإسلام فيها، مؤكدًا على رفض كل ما يتعارض مع الإسلام والأخلاقيات العامة.
التوصيات
وفي نهاية المؤتمر وصل المجتمعون إلى توصيات هامة أكدت على قدسية جسم الإنسان وتقديس حقوقه في حياته وأعضائه قبل وبعد مماته، وضرورة تحكيم الشرائع السماوية في جميع الممارسات الطبيعية من إخصاب مساعد، ونقل الأعضاء، والعلاج الجيني... إلخ.
وركزت التوصيات على خطر إجراء أي تجارب دوائية على الإنسان قبل إجازتها في الدول المصنعة لها حتى لا تتحول الشعوب العربية إلى حقول تجارب مع الاهتمام بالظروف البيئية التي تحكم تفاعل الأدوية مع بعضها البعض.
وحول الأصناف النباتية والحيوانية المهندسة وراثيًّا أكدت التوصيات على اهمية بيان أنها مهندسة وراثيًّا، وشرح ذلك للجمهور حتى يشتري بكامل رضاه دون إجبار أو استغلال عدم الوعي.
ورفضت التوصيات إجراء أي أبحاث في مجال الاستنساخ سواء للإنسان أو للأعضاء؛ حيث إن الفكرة الثانية غير مقبولة علميًّا.
وأوصى المؤتمر بضرورة تكثيف الدور الإعلامي وتسليطه الضوء على هذه القضايا لنشر الوعي بالأخلاقيات البيولوجية.
كما أوصى بضرورة دعم الضوابط التشريعية والقانونية والدينية التي يجب أن تحكم عمليات البحث في هذا المجال.
وأعلن الدكتور حامد رشدي مقرر المؤتمر إجماع المتخصصين والخبراء الذين شاركوا في المؤتمر وصياغة التوصيات على ضرورة وجود مجلس علمي متخصص مستقل لا يتبع السلطات التنفيذية ولا يتبع رئيس الوزراء، ويكون تابعًا للهيئة القضائية والتشريعية ومجلس الشعب لإحكام الرقابة على الممارسات البيولوجية، ويعاونه في هذه المهمة منظمات شعبية غير حكومية.