; الكويت.. وهموم الزراعة | مجلة المجتمع

العنوان الكويت.. وهموم الزراعة

الكاتب حمد الجاسر

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1987

مشاهدات 73

نشر في العدد 816

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 05-مايو-1987

▪ الزراعة في الكويت ظهرت ونمت بجهود فردية صادقة لبعض المواطنين وبعيدًا عن الدعم الحكومي

الزيارة التي قام بها الشيخ سعد العبد الله قبل فترة للمزارع في منطقتي العبدلي والوفرة جاءت كخطوة حكومية بارزة فيما يتعلق بالمجال الزراعي في الكويت.

وكان حرص سمو ولي العهد خلال الزيارة على تفقد مختلف المزارع وجلوسه للمزارعين واستماعه لهمومهم وآرائهم مؤشر هام على نظرة جديدة للزراعة في الكويت، تختلف عما ساد في الأذهان في الماضي ولسنوات طويلة من كون الزراعة في الكويت عملًا اقتصاديًا هامشيًا أو هي شيء أقرب للهواية والترف منه للاحتراف والإنتاج الجاد.

فالكويت- بصورة عامة- لم تشتهر في يوم من الأيام كبلد زراعي، وكان الكويتيون في الماضي يعتمدون بصورة كبيرة على استيراد الغلات الزراعية وبخاصة التمور والقمح من المناطق المجاورة كالأحساء والعراق وغيرها، بالرغم من وجود نشاط زراعي طفيف في الجهراء والفحيحيل ومناطق قليلة أخرى.

وكان سبب ذلك الظروف المناخية الصعبة، ونوعية التربة السائدة في البلاد واعتماد أهل الكويت بصورة هامة على الغذاء البحري.

وعندما ظهر النفط وتدفقت الأموال بأيدي الناس، اختفت المزارع القليلة الموجودة، وترك معظم الصيادين أعمالهم، ولجأت الكويت منذ ذلك الحين إلى الاستيراد المكثف من الخارج لكافة حاجاتها الغذائية سواء الضرورية منها أو الترفية، وأصبحت الزراعة المحلية منذ ذلك الوقت أبعد ما يكون عن ذهن المواطن الكويتي.

▪ نشوء مزارع الحدود:

في عام 1962 قام أحد المواطنين بإنشاء مجموعة من المزارع في منطقة العبدلي بمجهوده الفردي، يدفعه إلى ذلك الحماس للزراعة والشغف بها، ورغم الصعوبات الشديدة التي لقيها، والتي تمثلت بصعوبة المواصلات وعدم توفر المياه بصورة رخيصة وقلة المعدات، فقد استمر هذا المواطن في مشروعه.

وتعرض لعدة مرات للإبعاد عن مزرعته من قبل دوريات الحدود، لكنه كان يعود إليها باستمرار ويبدأ نشاطه من جديد.

وقد تقدم هذا المواطن بطلب المساعدة والدعم من الحكومة، لكن الوزير المختص في تلك الحقبة قابل طلبه بالرفض والاستخفاف بفكرة الزراعة في الكويت.

رغم ذلك استمر هذا المواطن في عمله وتبعه أفراد قلائل آخرون.

ومن الطريف أن جهود هؤلاء المواطنين أتت بفائدة غير متوقعة للبلاد، حينما تم ترسيم الحدود الشمالية بصورة مبدئية أثناء الستينيات، إذ أثبت وجود مزارع كويتية في تلك النقطة الشمالية للبلاد عائدية تلك الأراضي لدولة الكويت.

ومع مرور السنوات ازداد عدد المزارع على الحدود نظرًا للرغبة المتزايدة لممارسة مهنة الزراعة، وصلاحية التربة في منطقتي العبدلي والوفرة لممارسة زراعة بعض الخضراوات.

وقامت مزارع كثيرة وبجهود فردية بحتة إذ لم يكن لدى الدولة أي توجه لدعم الزراعة أو الاهتمام بتوسيع رقعتها، ولاحظت البلدية في منتصف السبعينيات انتشار هذه المزارع دون نظام فقامت بتنظيمها، وأصبحت في فترة متأخرة تتولى عملية توزيع القسائم الزراعية.

وكانت بدايات الاهتمام الرسمي بالقطاع الزراعي عن طريق بعض الفعاليات السياسية الشعبية ممن عرفوا النشاط الزراعي عن كثب وتحمسوا لتطويره.

وقرابة عام 1978 ظهر الاتحاد الكويتي للمزارعين الذي تحرك بحماس أفراده لتقديم المساعدات والإرشادات للمزارعين، وحاول الاتصال بالجهات المختصة بالدولة للحصول على الدعم الرسمي للزراعة في الكويت، كما قام بالتنسيق لتوفير بعض المواد الأساسية للمزارع مثل البذور والأسمدة ومضخات الري وأدوات التعليب وغيرها.

ومن المحزن أن هذا الاتحاد عانى في سنواته الأولى من التجاهل الحكومي لنشاطه، وكانت الدولة غير متجاوبة بصورة كافية لمساعدته عن القيام بمهامه.

ويبلغ عدد المزارع المنتشرة حاليًا في منطقتي الحدود الشمالية والجنوبية حوالي 500 مزرعة.

▪ الدعم الذي توقف!!

في أوائل الثمانينيات تشكلت الهيئة العامة للزراعة، وكان أبرز أعمال هذه الهيئة يتمثل في تقديم الدعم للمزارعين، وكان هذا الدعم لثلاثة أوجه من العمل الزراعي:

• دعم المزارعين لدى حفرهم للآبار.

• الدعم لإنشاء البيوت المحمية.

• الدعم على الإنتاج بقدر محدد لكل كيلو من المنتجات الزراعية المختلفة.

وقد أعطى هذا الدعم زخمًا كبيرًا للزراعة، بحيث زاد الإقبال عليها وانتعشت المزارع، وعاد من هجروا مزارعهم في الماضي إليها، وظهرت أصناف متعددة من المنتجات الزراعية لم تألفها أرض الكويت بسبب حماس المزارعين وبسبب توفر البيوت المحمية التي أصبحت تقدم الفرصة للزراعة صيفًا وشتاء بعد أن كانت الزراعة محصورة بشهور قلائل في العام.

وقد استمر هذا الدعم مدة سنتين غير أنه توقف!

وقد جاء التوقف لسوء التخطيط لهذا الدعم، وبسبب تكوين صورة خاطئة للحكومة عن حجم الدعم المطلوب للزراعة، حيث عمد بعض الأشخاص إلى تشويه الصورة عن نشاط المزارعين وتضخيم بعض المشكلات في عين القيادة العليا للدولة.

كما أن تغير الوزير المختص ووصول وزير جديد الوزارة لا يحمل حماسًا للمشروع أو تفهمًا لهموم المزارع الكويتي ساهم كذلك في توقف هذا الدعم إلى اليوم.

وإضافة إلى ذلك فإن بنك التسليف والادخار توقف عن تقديم القروض الزراعية التي كان يقدمها بحدود (50) ألف دينار بشروط ميسرة.

وبالطبع كان لذلك أثره على المزارعين.. وبشكل خاص أولئك الذين ارتبطوا بعقود لدى أطراف أخرى، وبقروض بنكية وأصبحت قدرتهم على الاستمرار في نشاطهم مرهونة بوصول الدعم.

▪ التسويق ومصير الإنتاج المحلي:

وإذا تجاوز المزارع الكويتي همومه ومشاكله وتوصل في نهاية الموسم إلى إخراج المنتجات الزراعية من المزرعة وشحنها إلى السوق، فإن عليه أن يحل معضلة جديدة.. التسويق.

وهي مشكلة يعاني منها جميع المزارعين تقريبًا، فمن الناحية المبدئية لا يوجد جهاز متطور قادر على تسويق إنتاج المزارع الكويتي، فحتى شركة المنتجات الزراعية التي أنشئت في مطلع هذا العام لهذا الغرض اضطرت للتوقف عن عملها بعد 40 يومًا فقط نتيجة لمعوقات كثيرة أهمها عدم تعاون الجهات المحلية في التسويق، ومن أبرزها الجمعيات التعاونية والجهات الحكومية بصورة عامة كوزارة التربية ووزارة الصحة والداخلية والقوات المسلحة، حيث إن بعض هذه الجهات مرتبط مبدئيًا بعقود بملايين الدنانير لاستيراد منتجات زراعية من الخارج عن طريق شبكة من العملاء والمتنفذين من تجار المواد الغذائية في البلد.

ومن المناظر المحزنة في مواسم الإنتاج مشاهدة أكوام كبيرة من الطماطم أو الخيار المنتج محليًا يباع في السوق بأبخس الأثمان أو يتم التخلص منه بسبب عدم التنسيق في تسويق هذه المنتجات، ولسبب تدفق الناتج الخارجي بقوة لمنافسة المحلي، وبتحرك بعض الفعاليات الاقتصادية المحلية لتغليب المستورد على المحلي لمجرد تحقيق المكاسب المادية الرخيصة.

ومن اللافت للنظر أن سفير إحدى الدول الهامة في إنتاجها الزراعي في منطقة الشرق الأوسط يتردد على سوق «الفرضة» مع الملحق التجاري أيام نزول الإنتاج الزراعي الكويتي للسوق للاطمئنان على أنه لا ينافس المنتجات المستوردة من تلك الدولة.

ومعلومات بعض المزارعين تشير إلى أن الوكالات الزراعية للدول المصدرة للخضراوات إلى الكويت تقوم بإغراق السوق المحلية في فترة ظهور المنتج المحلي وبأسعار منخفضة جدًا، وذلك لضمان استمرار سيطرتها على هذا السوق مستفيدة في ذلك من عدم وجود أي نوع من الحماية الجمركية للإنتاج الزراعي الكويتي ومن تعاون بعض الفعاليات الاقتصادية المؤثرة في البلاد.

ومشكلة التسويق كانت هي المحور الأساسي للحديث المتبادل بين الاتحاد الكويتي للمزارعين وبين القيادات العليا في الحكومة، وقد شكل الاتحاد في شهر مارس الماضي لجنة تتولى دراسة موضوع التسويق واقتراح البدائل للجهات المختصة بهذا الصدد.

واقترحت اللجنة أسلوبين للتسويق، تجاري ويتم بتخصيص بسطة لكل مزارع أو مجموعة مزارعين بشبرات الخضار لتسويق منتجاتهم أو بتكوين شركة للتسويق يساهم بها المزارعون والدولة.

وتسويق تعاوني يتطلب قيام جمعية تعاونية تسويقية تتولى القيام بمهمة تسويق منتجات المزارعين.

وقد سعت هذه اللجنة للقاء ولي العهد، وطرحت هذه المقترحات عليه مما أثار اهتمام سموه، وسعى على إثر ذلك لزيارة مزارع العبدلي في 16 أبريل الماضي وزيارة مزارع الوفرة بعدها بأيام.

▪ استجابة حكومية:

وقد أتت زيارة ولي العهد ثمارها، فقد جاء في بيان مجلس الوزراء إثر اجتماعه يوم الأحد الماضي أن سموه مهتم بدعم وتطوير قطاع الزراعة في الكويت، وأنه انطلاقًا من هذا الهدف فقد قرر المجلس تكليف اللجنة الاقتصادية والمالية بدراسة سبل تمويل المزارعين، والطلب من الوزارات والمؤسسات الحكومية إعادة دراسة نماذج عقود مناقصات التغذية فيها بما يكفل إعطاء الأولية لمنتجات المزارع الكويتية، كما قرر تكليف وزير الشؤون بالتنسيق مع اتحاد الجمعيات التعاونية لتذليل كافة الصعوبات والمعوقات التي تعترض تسويق إنتاج المزارع الكويتية.

ولا شك أن هذه الخطوة الحكومية إن وجدت الفرصة الكافية للتطبيق فإنها ستحل جزءًا غير قليل من مشكلات المزارع الكويتي.

ولا تزال هناك خطوات طويلة مطلوب القيام بها لحل مشكلات الزراعة في الكويت كطريق لا بد من السير فيه للوصول إلى مفهوم الأمن الغذائي.

مطلوب مساهمة الدولة بنفسها بصورة شاملة في مشاريع توفير الحبوب والإنتاج الحيواني كما يحدث في دول شقيقة مجاورة.

ومطلوب استخدام التكنولوجيا في تذليل كثير من الصعوبات الفنية أمام الزراعة مثل ضعف التربة وقلة المياه العذبة لا سيما وأن هناك دراسات حالية تفيد بوجود كميات كبيرة من المياه الصالحة للزراعة، وبخاصة تلك الخارجة من المصانع في الكويت والتي تذهب هدرًا.

والزراعة بعيدًا عن كل المكاسب المادية والغذائية المتأتية من ورائها، فإنها تكسب المواطن حاسة الارتباط بالأرض والوطن، وتخلق لدى الشعب حرفة إنتاجية هامة، وتكرس روح العمل الإنتاجي المثمر في نفوس المواطنين والأجيال القادمة منهم.

الرابط المختصر :