العنوان مسؤولية المسلمين اليوم
الكاتب رجاء جارودي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1986
مشاهدات 76
نشر في العدد 775
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 15-يوليو-1986
نحن مسئولون عن تاريخنا وعن هذه الأمانة الإلهية التي تسلمناها، والتي يقول فيها القرآن: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ۷۲)
وهناك نوعان من الحرية: حرية الحيوان في إشباع حاجاته من الطعام والسكن والكفاح وهي كلها حيوانية.
والحرية الإلهية التي تؤكد على الحاجات الإنسانية البحتة، وعلى معنى حياتنا ومماتنا، أي أن نفتش عن هدف المولى U من خلق هذه الحياة وأن نسعى لتحقيقه.
ونحن نملك من الآيات ما يمكننا من التوصل إلى الإيمان: ابتداء بما يجري في الطبيعة وانتهاء بتعاليم الأنبياء والرسل، مع إمكانية تعرضنا للوقوع في الخطأ. وهذا الخطأ هو الذي يجعلنا بشرًا، فالإيمان بالغيب يبدأ حيث ينتهي العقل.
هذه القوة العلوية الربانية هي الأساس في كل حقيقة إنسانية.
إن ما يميز حكومة المدينة التي أنشأها الرسول r هو هذه الأبعاد التي لا يمكن تجزئتها، من قوة علوية وجماعة إسلامية. فالرسول أنشأ في المدينة دولة مثلى، لا تعتمد على روابط الدم أو ترتكز على العلاقة بالأرض لدى المزارعين المقيمين، كما أنها ليست حكومة مدينة تقوم على أساس وجود أمة لها سوق واحدة وليست حكومة تنبثق عن ثقافة موحدة على أساس عرقي أو جغرافي أو ثقافي أو على الماضي. إنما هي مجتمع رسولي مبني على عقيدة مشتركة تحت رعاية الله. مجتمع مبارك مفتوح للإنسانية جمعاء. إن مجتمع المدينة يفسح المجال لإيجاد القاسم المشترك بين المجتمعات الإسلامية: قوة علوية إلهية، وذلك بالمقابلة مع مجتمعاتنا التي تتضخم وتنمو ولا يعتبر المستقبل فيها إلا امتدادًا للماضي والحاضر.
و «الجماعة» هنا تقابل الفردية التي تؤدي إلى كفاح الجميع ضد الجميع فالقوة العلوية الإلهية وعقلية الجماعة هما البعدان الوحيدان الإنسانيان الإلهيان اللذان يحتاجهما الغرب اليوم حاجة ماسة. ومع ذلك فهنالك اعتراض يثيره غالبًا المفكرون الغربيون، وهو ما حاولنا أن نبدأ بالإجابة عنه: إذا كان هذا القانون الإلهي قد أوحى به وبشكل نهائي في القرآن، وإذا كان محمد هو آخر الأنبياء، ألا يحكم الإسلام على المجتمع والدولة بالتحجر والجمود؟
لقد حاولنا أن نبدأ في الإجابة عن هذا السؤال، لأنه بمجرد القول إن هذا الشرع إلهي المصدر، وأن آيات القرآن قد أنزلها الله، ولها قيمة غير محدودة، إن هذا القول لا يبرر مطلقًا أن نخرج من التاريخ وأن نجمد خلال التاريخ كل أمر ورد عن الله بل على العكس من ذلك فإننا نجد في القرآن ذاته مبدأ للحركة والحياة- كما يذكره محمد إقبال- فقد ورد تكرارًا في القرآن أن الله لم يرسل رسولًا إلى أمة، كي يعلمهم رسالة الله إلا بلغة أمته فنحن نجد ثلاثة أنبياء هم إبراهيم وموسى وعيسى وهم من أنبياء المسلمين قد جاءوا برسالة الإسلام التي أتمها النبي محمد r.
كما يجب أن نذكر أن كل وحي ورد في القرآن ونقله النبي سواء في مكة أو في المدينة هو جواب إلهي لقضية محددة، ونحن لا نثير صبغة الوضع الإلهي لهذا الوحي إذا وضعناه في موقعه التاريخي والثقافي في حياة شعب، فالإسلام قد امتد إلى عصور أخرى من الحضارات، اختلفت فيها حاجات وتراكيب الدولة، حيث تجمعت مشاكل عديدة، فقام كبار الفقهاء بمحاولة تفسير الكلام الإلهي لمواجهة المواقف الجديدة، ولم يكن ممكنا أن نستنتج من هذه الآيات القرآنية ومن الشرائع السماوية ما نبني على أساسه دولة مختلفة عن حكومة المدينة- على الطريقة التي يسير عليها «بوسويه» في التقليد الكاثوليكي، في كتابه السياسي الذي استخلصه من الكتاب المقدس- لقد كانت استنتاجات «بوسويه» وهمية تهدف إلى إيجاد تبرير شرعي لملكية لويس الرابع عشر المطلقة، وهذه المحاولة التي قام بها «بوسویه» تشبه ما قام به في العالم الإسلامي «الماوردي» في كتابه «الأحكام السلطانية» الذي يرسم فيه أجهزة الحكم عندما كانت في طريقها إلى التفكك إبان الخلافة العباسية، بشكل نظري لا يستند فيه إلى القرآن وإنما إلى التقليد.
ومن الممكن استنادًا إلى الوحي القرآني، أن نجد في الطريق الصحيح للإسلام حلولاً للمشاكل التي تفرضها الحياة اليوم- دون أن نمزج ذلك بتقليد النماذج الأمريكية والسوفيتية، أو أن نخلط بين الاتجاه نحو العصرية مع الاتجاه نحو الغرب فليس القرآن ولا الإسلام هما المسئولان عن وضع المسلمين اليوم، وإنما الرجعية المحافظة، والجمود والتمسك بالحرف أي إنه في جميع العصور «رفض الاجتهاد».
وهذا الرفض- كما حدث في المسيحية- همه أن يظهر أي شريعة أو عقيدة بنفس الثوب الذي ظهرت فيه في عصر من العصور. إن هذا الرفض للاجتهاد سواء في الدين أو في السياسة يقود إلى تقليد وإعادة نماذج بالية، قد عفا عليها الزمان ربما تلاءمت في الماضي مع حاجات عصرها وشعوبه، ولكنها لا تسمح بحل المشاكل الحالية.
فالتقليد يجعل فقهاء الإسلام يجمعون على إباحة كل ما ليس هناك نص واضح صريح بتحريمه، والقياس مصدرًا من مصادر التشريع وعلى كل جيل أن يبذل الجهد في تفسير النصوص، كما يدعونا إلى ذلك القرآن في كل صفحة من صفحاته، وهذا يسمح بحل المشاكل التي تعترضنا وفق العقلية التي أوحت إلى الرسول طريقة الحكم في دولة المدينة، وفي الإسلام إمكانيات وتطلعات أكبر من ذلك حتى في ذلك الزمن الذي بلغ فيه ذروته.
ونظرًا لإفلاس النموذجين الأمريكي والسوفيتي يمكن للإسلام إفساح مجال الأمل لعالم اليوم، إذا قضينا على فكرة سد باب الاجتهاد الذي حکم به خلال أجيال، فقضى على الإسلام بالتراجع، وإذا أدخلنا المبادئ المنشطة التي تبرز عظمة الإسلام أولًا من ناحية «الإيجابية»، بحيث تخضع الناس والأعمال لقانون يهتم بالنتائج وبالمعنى.
حتمية الحل الإسلامي:
«أما بالنسبة للتكنوقراطيين فإننا نجدهم دائمًا يتساءلون كيف؟ ولا نجدهم يسألون مطلقًا لماذا؟».
ونود أن نذكر بأن الاختصاص لمجرد الاختصاص، والعلم لمجرد العلم، والفن لمجرد الفن هو نسيان مميت للهدف بإحلال الوسائل بدلاً من النتائج. ويبقى طلب المعنى لهذه الأعمال والهدف منها وهو الذي يقودنا إلى ذكر الله.
وبالنسبة «للفردية» التي تجعل من الفرد محور كل شيء فيمكن استبدالها بالشعور «بالجماعة» أي بعالم مركزه في غيره.
وإذا نظرنا إلى «الحتمية» التي تقود إلى عواقب مميتة وإلى عدم الكفاية التي تهدد الإنسان في مستقبله باعتباره امتدادًا لماضيه وحاضره، فيمكننا مواجهتها، وتحطيم الطوق من حول الإنسان، وفتح مستقبله بشكل غير محدود، بتأكيدنا على القوة العلوية الإلهية التي تنتشلنا من نمو كمي عددي أصبح وثنًا يعبد، وإلهًا مزورًا يسجد له من دون الله، وأعتقد أن هذا أصبح بالنسبة لمسلمي الغرب أمرًا ضروريًا، فالإسلام هو تتويج للسلالة الإبراهيمية التي من خلال اليهودية وبعدها المسيحية خاتمة أن الإسلام يدعو الإنسان إلى أن يفتش ويبحث عن نهايته العظمى، وماله، كما يمكن للإسلام أن يعيد إحياء الأمل في مجتمعاتنا الغربية المتأثرة بالفردية، بطريقة من النمو تقود العالم بأجمعه إلى الانتحار، ولكننا لن نحقق هذا الأمل بشكل كامل إلا إذا وعينا دائمًا ما كتبه «فوريس» بأننا لن نكون أوفياء للأجداد بالمحافظة على رفاتهم ولكن بنقل الشعلة التي أوقدوها.
شكرًا لانتباهكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل