العنوان بعد أربع سنوات من الاحتلال الأمريكي.. العراق إلى أين؟
الكاتب د. عوض بن محمد القرني
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2007
مشاهدات 79
نشر في العدد 1758
نشر في الصفحة 66
السبت 30-يونيو-2007
الخطر القائم في العراق يستدعي من كل حريص على مستقبل الأمة الإسلامية أن يفكر في واقعنا، وأن يبذل جهده في بيان الحقائق والنصح، ومحاولة دفع الأحداث نحو الخيارات الأفضل أو الأقل سوءًا على الأقل، في ضوء دور القوى الفاعلة في الساحة العراقية، وجذور ودوافع الأحداث المتتالية وآثارها المتوقعة على مستوى العراق حاضرًا ومستقبلًا، أو على المستوى الإقليمي عربيًا وإسلاميًا، أو على المستوى الدولي، «إسرائيليًا» وأمريكيًا وأوروبيًا.
المنطلقات والأهداف: جاءت الحرب الأمريكية على العراق استمرارًا لسابقتها وتطويرًا لأهدافها ومحاولة لاستدراك ما لم يمكن تحقيقه من الأهداف السابقة، فهي حلقة من مشروع استعماري صهيوني صليبي جعل وجهته وميدان معركته الساحة الإسلامية العربية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وجعل عدوه البديل هو الصحوة الإسلامية وما تمثله من آمال مستقبلية لشعوب المنطقة في الوحدة والحرية والأصالة ودفع الهيمنة الاستعمارية الغربية التي تناقض الأمة الإسلامية عقديًا وقيميًا وتاريخيًا ومصلحيًا.
ثوابت قرآنية: وقبل الحديث عن دوافع أمريكا من هذه الحرب أحب أن أذكر ببعض الحقائق الكبرى حتى لا تنسى في صخب الأحداث وتفاصيلها اليومية، وهي:
1- أن عداوة اليهود والنصارى للمسلمين من الحقائق الثابتة واللازمة لهم، نطق بها الكتاب المستبين، وأثبتها الواقع التاريخي عبر أكثر من ألف وأربعمائة سنة، وهذا الحكم هو الغالب والأعم وتبقى الاستثناءات منه التي تأتي لإثباته لا لنفيه ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ ﴾ (البقرة: ١٢٠).
2- أن هذه العداوة لا تبيح لنا أن نظلمهم أو نغمطهم حقهم، ولا تمنعنا من الحوار معهم إما لدعوتهم أو لحل المشكلات الناشئة بيننا وبينهم، أو بالاستفادة مما لديهم من صناعة وتقنية ومدنية، لكن أيضًا يجب ألا يغيب عن بالنا أن الجهاد هو درع الأمة وعدتها التي واجهت بها عدوها في جميع مراحل تاريخها.
3- أن الأمة ابتليت نتيجة لهيمنة النموذج الغربي عالميًا بفئة من أبنائها يتكلمون بلسانها ويعيشون في داخلها، لكن وجهتهم غير وجهتها وعقائدهم غير عقائدها وقيمهم غير قيمها، وهم شتى طوائف العلمانية من يسار ويمين، وقوميين وأمميين، وحداثيين وليبراليين، وغيرهم من الأصناف والفرق.
هم بين طابور خامس يخدم الآخر عن قناعة واختيار أو تائه ممزق بين فكره التغريبي وعواطفه الوطنية القومية، ونحن في أشد الحاجة للحوار مع هؤلاء ومعالجة مشكلتهم والتعامل مع كل فئة منهم بما يصلح لها.
4- أن الهجمة من الخطورة والشراسة والضخامة بحيث لا تستثني أحدًا حكومات وحركات وشعوبًا، ومن ثم فهناك أولويات يجب أن نتعامل معها على هذا الأساس، وأن نرجى الثانويات في سبيل مواجهة المشكلات الكبرى.
ابن العلقمي وهولاكو: أثارت التداعيات الذهنية لسقوط بغداد في أيدي البرابرة الأمريكيين الذاكرة لتستدعي حدث سقوط بغداد سنة ٦٥٦هـ في قبضة البرابرة التتار الذين أبادوا أهلها ودمروا حضارتها وأحرقوا مكتباتها، وكان ذلك الاجتياح بعد أن تسلط على حكومة بغداد مجرم يسمى: «ابن العلقمي» كان وزيرًا للخليفة المستعصم، فسرح الجيش وظلم الناس وعزل الخليفة عن الرعية ونشر اللهو والإباحية والبدع.
ثم كاتب التتار وأطمعهم في بغداد وحسن لهم أخذها، فلما قدموا وحاصروها خرج للتفاوض معهم واتفق معهم على مؤامرة تسليم بغداد واستباحتها، وأخرج لهم الخليفة والعلماء بخدعة منه لهم، فقبضوا عليهم وقتلوهم وفتح لهم أبواب بغداد ففعلوا فيها الأعاجيب.
أما هولاكو فهو قائد جيوش التتار سنة ٦٥٦ هـ، ثم بعد ذلك سجن التتار، ابن العلقمي، وأهانوه وأذلوه وقتلوا كثيرًا من أتباعه وما أشبه الليلة بالبارحة.
فها هو صدام حسين أو نظامه «ابن العلقمي المعاصر» وها هو جورج بوش الرئيس الأمريكي أو إدارته «هولاكو المعاصر» وها هي بغداد الجريحة المستباحة هي هي.
وها هم تتر العصر الجيش الأمريكي، يستباح تحت ظلال حرابهم كل شيء في بغداد، فهل يمكن في ظل هذا التداعي لمخزون الذاكرة ألا يربط بين الحدثين، وهما شبه متطابقين.
إن هذا الحدث الجلل الذي أصيبت به الأمة سيكون له أبلغ الأثر في مستقبلها، والحديث عنه متعدد الجوانب متشعب النواحي عميق الدلالات، نستكمله في حلقات أخرى إن شاء الله.