العنوان المجتمع التربوي (1421)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
مشاهدات 80
نشر في العدد 1421
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
أحمد بن حنبل.. إمام الأئمة.. كهف الأمة.. ناصر الإسلام والسنة
لولا ثباته في محنة «خلق القرآن» لضعف الإسلام واندثر العلم
د. ماجد أحمد المومني
إنه إمام الحديث أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني.
ولد في بغداد سنة ١٦٤هـ وبها طلب العلم، وتلقى الحديث كما طلبه في كثير من البلدان على الرغم من فقره وقلة إمكاناته، فرحل إلى مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة، والجزيرة، كما رحل إلى مصر وكان قد وعد الشافعي بزيارته فيها بعد أن غادر بغداد، ومنعه الفقر من الرحلة إلى الري ليسمع من جرير بن عبد الحميد، وكابد في رحلته إلى اليمن عناء كبيراً ومشقة شديدة، حتى إنه كدى نفسه عاملاً في إحدى القوافل التجارية حتى يحملوه معهم حرصاً على طلب العلم تبحر في معرفة الحديث وعلومه حتى شهد له العلماء بالأمانة، وأنه أمير المؤمنين في الحديث.
كتابه المسند: ألف الإمام أحمد كتبًا عدة أشهرها، وأعظمها المسند، وهو أجمع كتاب في السنة يشتمل على أربعين ألف حديث فيها من المكرر نحو عشرة آلاف وقد عني به العلماء من قديم، فمنهم من اختصره، ومنهم من شرحه، ومنهم من جمع غريبه، وفي عصرنا عني به عالمان كبيران هما الشيخ أحمد بن محمد بن شاكر الذي حقق المسند وعلق عليه، وخرج أحاديثه بين درجاتها وفهرسة، وأخرج منه خمسة عشر جزءًا.
والشيخ أحمد عبد الرحمن البنا (والد الشيخ حسن البنا – رحمه الله) الذي رتبه على الأبواب وخرج أحاديثه، وشرحها وأخرج منه ٢١ مجلداً كبيرًا، وهو جهد ضخم وكلاهما توفي إلى رحمة الله تعالى قبل أن يكمل عمله، وإن كان الشيخ البنا كان قد قارب أو أوشك وللإمام أحمد كتب أخرى في العلل والزهد والتفسير، والمسائل، والناسخ والمنسوخ، وله كتاب «التاريخ» وكتاب «فضائل الصحابة»، وغيرها.
ورعه: عاش الإمام أحمد عيشة الفقراء معرضًا عن الدنيا وبهجتها، ولم يقبل جائزة أو مالاً من أحد بل امتنع عن الصلاة خلف عمه، وخلف بنيه لأنهم قبلوا جائزة من السلطان ومن ورعه أنه نهى أصحابه عن تدوين مذهبه، وإنما دونه «الخلال»، بعد المائة الثالثة من أفواه من أدركهم من أصحابه بالرحلة إليهم.
ثباته في المحنة: امتحن الإمام أحمد في القول بخلق القرآن فصدق، وصبر وثبت ثبات الجبال الراسيات برغم الاضطهاد، والحبس، والتعذيب، فقد عذب وضرب بالسياط حتى أغمي عليه، ولكنه أبى أن يداهن في دينه أو يقول قولاً مبتدعًا في الإسلام، وبذلك ضرب في عصره مثلاً أعلى في البطولة، والتضحية والإخلاص.
قال ابن معده قام أحمد الله مقامًا، ولولاه لتجهم الناس ومشوا على أعقابهم القهقري، ولضعف الإسلام، واندثر العلم.
وقال بشير بن الحارث الحافي مثنيًا على ثباته في المحنة «دخل أحمد الكبد فخرج ذهبا إبريزا...».
فقهه: كان أحمد في صغره يميل إلى مجلس القاضي أبي يوسف – صاحب أبي حنيفة – ثم طلب الحديث، وأتقنه، ونبع فيه ولما قدم الشافعي إلى بغداد صحبه، وتفقه عليه، وكان من خواصه، ولم يزل ملازمه حتى ارتحل إلى مصر، ويعد من أكبر أصحابه البغداديين، ثم اجتهد واستقل عن الشافعي في اجتهاده، وساعده على ذلك سعة حفظه للأحاديث، والآثار مع ضبط لمتونها، ومعرفة برجالها، وخبرة بعللها، وقد كان آية في ذلك كله.
قال أحمد من لم يجمع علم الحديث، وكثرة طرقه، واختلافها، لا يحل له الحكم على الحديث ولا الإفتاء به وقال: «إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنين والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عنه في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكمًا ولا يرفع تساهلنا في الأسانيد».
أمثلة من فقهه: ماتت امرأة لبعض أهل العلم، فلم يجدوا امرأة تغسلها إلا امرأة حائضًا، وقد حضر يحيى بن معين والدروقي، فحاروا ماذا يفعلون؟ فجاء أحمد وهم جلوس فقال: ما شأنكم؟ فقال أهل المرأة: لم نجد غاسلة إلا امرأة حائضًا، فقال أحمد موجهًا الكلام إلى يحيى بن معين ومن معه: «أليس تروون عن النبي صلى الله عليه وسلم يا عائشة ناوليني الخمرة، فقالت إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك..» يجوز أن تغسلها، فخجل يحيي ومن معه.
وذكر له رجل من أهل العلم كانت له زلة علمية، وأنه تاب من زلته فقال: «لا يقبل ذلك حتى يظهر التوبة والرجوع عن مقالته، ويعلن أنه قال مقالته كيت... وكيت، وأنه قد تاب إلى الله تعالى منها ورجع عنها، فإذا أظهر منه فحينئذ يقبل منه، ثم تلا الآية الكريمة:﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٦٠).
أصول مذهبه وخواصه: هي على الترتيب:
1 – القرآن الكريم
٢ – السنة النبوية.
٣ – إجماع الصحابة بأن يقول واحد منهم أو أكثر قولاً فينتشر، ولا يخالفه غيره.
٤ – إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم أقربها إلى الكتاب والسنة.
٥ – القياس، ويستعمل عنده للضرورة.
وطريقته في الاجتهاد تشبه طريقة الشافعي، إلا أنه كان يتوقف عن إصدار الحكم إذا تعارضت لديه الأدلة، ويكره الفتوى فيما ليس فيه أثر عن السلف فهو إلى الاشتغال بالحديث أميل منه إلى الفقه ولهذا عده بعض المؤرخين من المحدثين، وليس من الفقهاء، ولكن الصواب أنه فقيه جليل، وإمام كبير ومذهبه من أغنى المذاهب المتبوعة، وأيسرها.
أين ينتشر مذهبه؟! مذهب الإمام أحمد هو المذهب المعمول به رسميًا في المملكة العربية السعودية وفي دولة قطر، كما يعمل به عدد من أهل السنة في بلاد الشام، ويقل في العراق ويندر في مصر.
ثناء العلماء عليه: أجمع أهل العلم على فضل الإمام أحمد وأمانته وعلو منزلته في الدين والعلم والخلق، قال فيه الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت فيه أتقى ولا أفقه من ابن حنبل، هذا مع أن أحمد كان شابًا.. وأفردت مناقبه في مجلدات وصنف فيها العلماء قديمًا وحديثًا، وأشهر من ترجم له في عصرنا هو الشيخ محمد أبو زهرة.
وفاته: توفي الإمام أحمد في ضحوة نهار الجمعة ١٢ ربيع الأول سنة ٢٤١هـ ببغداد، ودفن بها وقبره بها مشهور، وقد حضر جنازته جموع هائلة من المسلمين والمسلمات حتى قدر عدد الرجال ثمانمائة ألف والنساء ستين ألفًا، كانت هذه الأعداد الضخمة تعبيرًا عن مكانة الإمام الجليل في النفوس، وتأييدًا لموقفه الرائع في مقاومة الابتداء والانحراف.
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاء عن الإسلام والسنة خير ما يجزي العلماء الصادقين.
المراجع
(١) أصول الفقه الإسلامي: د. محمد مصطفى شلبي.
(۲) معالم الشريعة: أحمد حسن الباقوري.
(٣) الثقافة الإسلامية: د. صالح الهندي.
فضل رجب بين الصحيح والموضوع
الدكتور يوسف القرضاوي
لم يصح في شهر رجب شيء، إلا أنه من الأشهر الحرم، التي ذكرها الله في كتابه ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (التوبة: ٣٦)، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهي أشهر مفضلة.
ولم يرد حديث صحيح يخص رجب بالفضل إلا حديث حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثر ما يصوم في شعبان، فلما سئل عن ذلك قال: «إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان» فهذا الحديث يفهم منه أن رجب له فضل أما حديث «رجب شهر الله، وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي» فهو حديث منكر وضعيف جدًا، بل قال كثير من العلماء إنه موضوع يعني أنه مكذوب، فليس له قيمة من الناحية العلمية ولا من الناحية الدينية.
وكذلك الأحاديث الأخرى التي رويت في فضيلة شهر رجب بأن من صلى كذا فله كذا ومن استغفر كذا مرة فله من الأجر كذا ... هذه كلها مبالغات، وكلها مكذوبة.
ومن علامات كذب هذه الأحاديث ما تشتمل عليه من المبالغات والتهويلات... وقد قال العلماء: أن الوعد بالثواب العظيم على أمر تافه، أو الوعيد بالعذاب الشديد على ذنب صغير، يدل على أن الحديث مكذوب.
كما يقولون مثلا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: «لقمة في بطن جائع خير من بناء ألف جامع» هذا حديث يحمل كذبه في نفسه لأنه من غير المعقول أن اللقمة في بطن الجائع ثوابها أعظم من الثواب المترتب على بناء ألف جامع.
والأحاديث التي وردت في فضل رجب من هذا النوع.. وعلى العلماء أن ينبهوا على مثل هذه الأحاديث الموضوعة والمكذوبة ويحذروا الناس منها ... فقد جاء أنه من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين، (رواه مسلم في مقدمة الصحيح) ولكن قد لا يعلم أن ما يرويه من الأحاديث الموضوعة، فهذا يجب أن يعلم، ويعرف الأحاديث من مصادرها.. فهناك كتب الحديث المعتمدة، وهناك كتب خاصة في الإعلام بالأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل «المقاصد الحسنة» للسخاوي «تمييز الطيب من الخبيث لما يدور على ألسنة الناس من الحديث» لابن الديبع و«كشف الخفا والالتباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس» للعجلوني... وهناك كتب كثيرة وينبغي أن يعرفها الخطباء ويكونوا على إلمام بها، حتى لا يرووا حديثًا إلا إذا كان موثوقًا به، فإن من الآفات التي دخلت إلى ثقافتنا الإسلامية هذه الأحاديث الموضوعة والمدسوسة التي روجت في الخطب وفي الكتب وعلى ألسنة الناس، وهي في الحقيقة مكذوبة ودخيلة في الدين.
ولذا ينبغي أن ننقي ونصفي ثقافتنا الإسلامية من هذا النوع من الأحاديث وقد وفق الله من العلماء من عرف الناس الأصيل من الدخيل والمردود من المقبول وعلينا أن نستفيد من ذلك وتتبعهم فيما يبينون لنا من علم.
حكم الصيام في رجب
الشيخ عطية صقر
شهر رجب من الأشهر الحرم، والصيام فيها مندوب كما ورد في حديث الباهلي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صم من الحرم واترك» كما رواه أبو داود والنبي عليه الصلاة والسلام كان يرغب في صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كما في الصحيحين، بل كان يرغب في الصيام مطلقًا فصيام أيام من رجب مندوب بدليل هذه الأحاديث العامة، ولكن لم يرد نص صحيح خاص بفضل صيام في أول يوم منه أو غيره من أيامه، فمن غير الصحيح الوارد في ذلك حديث أنس: «إن في الجنة نهرًا يقال له رجب، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب سقاه الله من ذلك النهر» (وهو حديث ضعيف)
وحديث ابن عباس: «من صام من رجب يومًا كان كصيام شهر، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب الجحيم السبعة، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منه عشرة أيام بدلت سيئاته حسنات»، وهو ضعيف أيضاً كما ذكره السيوطي في «الحاوي للفتوى».
وصيام رجب كله مع شعبان ليكمل بهما مع رمضان ثلاثة أشهر لم يرد ما يمنعه وإن قال بعض العلماء إن التزام ذلك لم يكن على عهد السلف فهو مبتدع، فالأولى الصيام بقدر المستطاع مع عدم الالتزام بنذر ونحوه حتى لا يقع الصائم في محظور.
صاحبي حتى الممات
تلك الزهرة المنبثقة من صخر الجبل كيف استطاعت أن تشق طريقها وسط هذا السطح الجامد العنيف؟!
كيف يمكنني أن أحقق ذاتي كما حققت هذه الزهرة الفاتنة ذاتها عندما شقت جدار الصخر العنيف؟
إن تحقيق الذات إنما يكون عن طريق أسرتي الفاضلة التي احتضنتني طويلاً، وآمل أن تحتضنني حتى الرمق الأخير من حياتي.
هكذا يفكر صاحبنا، وهكذا تفكر فئة ليست بقليلة من بذور المستقبل المنشود.. بالفعل إن الأسرة يجدر بها أن تكون هي المنبع الوحيد لتحقيق ذات الأبناء لأن الآخرين ما هم إلا وسائل للتعديل والتطوير.
فالمصاحبة الأسرية للأبناء هي الثغر الجميل الذي ينير طلائع الفجر المريحة للنفس، وبدون المصاحبة يبقى الابن يتلفت هنا وهناك مذعورًا، ويجف حلقه من الظمأ بحثًا عن الينبوع الصافي الذي يرتشف منه حتى يبل ريقه الظامئ.
إننا نعيش اليوم في زمان أضحت فيه المصاحبة الأسرية من المستلزمات الوطيدة التي لا ينبغي التغاضي عنها، فالابن عندما يجد الصدر الحنون، والأذن الصاغية، والكلمة المؤثرة من والديه، إذا ما وقع في ضيق - فهو بلا ريب - سيحقق ذاته من خلال أسرته المثالية لأنها تسمع ما يقول، وتحاوره محاورة الصداقة أو المصاحبة الحقيقية البعيدة عن صيغة الأوامر والزجر والردع التي غالباً ما يتبعها بعض أسرنا مع أبنائه، ذلك أن أسلوباً عقيماً كالزجر والردع يجعل الابن، وبخاصة في مرحلة المراهقة يقضي بمشكلاته إلى كينونة نفسه، أو إلى أشخاص مقربين من خارج الأسرة، كما تجعله يتهرب إلى أمور أخرى غير مستقيمة تنسيه هذا الوضع المرير إضافة إلى تنشئة شخصية غير مستقلة بذاتها تتخوف من كل قول أو فعل يصطدم بأوامر «الرئاسة الأسرية».
والأمر هكذا.. فتكوين مصاحبة أسرية رقيقة المشاعر، دقيقة الملامح هو الأصل في تربية الابن حتى تحفظه من المزالق الشيطانية المريبة، وتنتشله من المستنقعات الحياتية الأسنة، وما أكثرها في زماننا.
إن التربية الأسرية هي الأساس والمصاحبة الأسرية مع إزالة جدار الكلفة والتخوف الدائم، والتردد العقيم هي المطلب الملح في هذا الزمان.
بدر علي قمبر
معادلات إيمانية
حرث الآخرة
تغليب إرادة الآخرة يقتضي فهم حقيقة الدنيا والاستعداد لتحمل خسارتها
• من نتائج اختيار الآخرة: التوفيق للطاعة.. مضاعفة الثواب وإعطاء الدنيا معها
• نصائح ذهبية: فكر دومًا بالرحيل.. قلل من نومك.. احرص على وقتك
بقلم: الشيخ عبد الحميد البلالي
يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ (الشورى: ٢٠). ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (الإسراء: ١٩).
الحرث عملية صعبة فيها يتم شق الأرض وتقليبها، وإصلاحها إذا احتاجت إلى إصلاح، ثم تسميدها بما يقويها، والمداومة على التسميد بين فترة وأخرى، وتنظيف الأرض من الأحجار والأوساخ التي تؤثر في بذر البذور، والتأكد من وصول البذور إلى كل الأرض المزروعة ثم تغطيتها والبحث عن الماء، وشق القنوات لهذا الماء ليبلغ الأرض المزروعة، ثم الاستمرار بهذه السقاية يوميّا، ثم حراسة تلك الأرض من الطيور الأكلة لتلك البذور المزروعة، ثم رعاية الزرع عند بداية خروجه ومداراته من الرياح والآفات والطيور والقيام بعمليات فحص التربة بين فترة وأخرى ليتأكد من عدم فساد الأرض، وغزو الدود الأرضي الذي يفسد الزرع وتغطية بعض الزروع الذي لا يحتمل الحر، أو لا يحتمل البرد بأنواع الأغطية والواقيات، حتى ينمو الزرع ويؤتي حصاده.
هذه العملية المتعبة يمثلها الله سبحانه وتعالى لمن اختار الآخرة على الدنيا، فهو يقوم بمثل هذه العملية الشاقة، لكنه لا يبتغي الزروع المأكولة بل يريد ثمار الآخرة من رضوان الله عليه ودخول الجنة، والوقاية من النار.
فالحرث هو العمل المكلف به من عند الله تعالى، وتنقية الأرض من الآفات والأحجار، هو تنقية هذا العمل من الرياء والخطأ، وحماية الزروع من الطيور والآفات داخل الأرض وخارجها، هو الحذر من شياطين الإنس والجن والنفس التي بين الجوانح، وفحص الأرض بين فترة وأخرى هو المحاسبة للنفس ومراجعة الأعمال... هذه العمليات بالرغم من مشقتها إلا أن الحارث يجد متعة في عمليات الحرث وراحة نفسية عظيمة باعتماده على نفسه، وخروج عرق الجبين بتعبه انتظارًا لما سيعود عليه بالخير.
حراث الآخرة: فالشطر الأول من هذه المعادلة يبين الله تعالى فيه صفة حراث الآخرة، ومن اختاروا الآخرة على العاجلة ليكون شرطًا في استحقاقهم الزيادة في الحرث وشكر السعي الذي جاء ذكره في الشطر الثاني من المعادلة.
هذه الصفات كامنة في كلمة الحرث، وفي كلمة «السعي»، و«الإيمان»، و«إرادة الآخرة»، إذ قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾، (الشورى: 20) وقال تعالى في سورة الإسراء ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ (الإسراء: 19) قال في الآية الأخرى من السورة نفسها قال: ﴿وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. (الإسراء: 19)
فالإيمان صفة لازمة لكل عمل صالح وهو الاعتقاد بوجوب العمل، وبأسماء الله وصفاته، وبالإخلاص بالعمل، وابتغاء وجه الله فيه والجزاء الأوفى يوم القيامة وما يتصل بالإيمان من مستلزمات والحرث والسعي هما الهمة العالية ونبذ الكسل والحركة الدائبة حتى مغادرة هذه الحياة في سبيل مرضاة الله، وتحقيق العبودية التي خلقنا من أجلها ثم الهدف من هذا السعي هو إرادة الآخرة، والعلم واليقين بأنها خير وأبقى.
صفات حراث الآخرة: من الصفات الرئيسة التي ذكرها الله تعالى لحراث الآخرة - كشرط لاستحقاقها –:
1 – فهم حقيقة الدنيا: فهم يفهمون الهدف من وجودهم في هذه الدنيا، ويعرفون حقيقة الدنيا، فلا يعتزلونها، ولكنهم يشاركون فيها أهلها، ويفهمون كيف يتعاملون معها، ويحذرون منها أشد الحذر فقد ذم رجل الدنيا عند علي - رضي الله عنه – فقال: «الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه ومتجر أوليائه، ربحوا منها الرحمة، واحتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد أذنت ببينها، ونادت بفراقها، وشبهت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيبًا وترهيبًا، فيا أيها الذام الدنيا، المعلل نفسه متى خدعتك الدنيا؟ أم متى استذمت إليك؟ أبمصارع آبائك في البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ كم مرضت بيديك؟ وعللت بكفيك تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، غداة لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعك بقاؤك» (1)
فهم لا يزهدون في الدنيا أو يكرهونها لعلة فيها، بل عندما تكون، وما فيها من الزينة سببًا في نسيانهم لآخرتهم، وابتعادهم عن الهدف الذي خلقوا من أجله، أما إذا كانت لا تشغلهم ولا تبعدهم عن عبادة ربهم، فلا يذمونها، بل يحبون العيش فيها والتزود منها لآخرتهم، لذلك عندما قرأ أحدهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: ۷۷) قال: «ليس هو عرض من عرض الدنيا، ولكن نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك» (۲).
بل إنهم كانوا يطلقون على الاشتغال بالدنيا مع الابتعاد عن الآخرة «هزيمة» يقول الإمام ابن الجوزي مخاطبًا ذلك الصنف من الناس: «يا هذا الدنيا وراءك والآخرة أمامك، والطلب لما وراك هزيمة، وإنما العزيمة بالإقدام» (۳).
٢ – تحمل خسارة الدنيا: فمن اختار الآخرة على العاجلة، فإنه قطعًا سيخسر بعض مكاسبها، وإذا ما خير بين بعض مكاسبها وزينتها، وآخرته، فإنه يتحمل خسارة الدنيا على خسارة الآخرة، ولهذا السبب فإن معظم طلاب الآخرة يخسرون الكثير من زينة الدنيا ولا يحزنون لذلك، بل يستلذون هذه التضحية بالداني على الباقي، ويتحملون تلك الخسارة، بل يتوقعونها لأنهم مستيقنون بأن سلعة الله الغالية (٤) تحتاج إلى ثمن باهظ والحور العين تحتاج إلى مهر غال، ولهذا السبب قل أن تجد من طلاب الآخرة تاجرًا رابحًا، لأن دينه وأخرته تمنعه من كثير من الربح السريع.
يقول عمرو بن مرة «من طلب الآخرة أضر بالدنيا، ومن طلب الدنيا أضر بالآخرة، فأضروا بالفاني للباقي» (٥)، فهم يتحملون ضرر الدنيا ولكنهم لا يتحملون ضرر الآخرة.
٣ – لا يحبون الدنيا لذاتها: من أحب شيئًا تبعه وانشغل به فلذلك فإنهم لا يدخلون في قلوبهم سوى محبة الله تعالى، وإن أحبوا الدنيا فإنما يحبون ما يقربهم إلى الله تعالى فيها، وما يكون سببًا في زيادة محبتهم لله فيها، لذلك كثرت العبارات التي تصدر منهم بما يؤكد هذا المعنى، خاصة عند احتضارهم، فمما نقل عن الصحابي الجليل أبي الدرداء أنه كان يقول لولا ثلاثة لأحببت أن أكون في باطن الأرض لا على ظهرها لولا إخوان لي يأتوني ينتقون طيب الكلام كما ينتقى طيب الثمر، وأعفر وجهي ساجدًا لله عز وجل، أو غدوة أو روحة في سبيل الله (٦)
وكان آخر كلمات الصحابي الجليل معاذ بن جبل قبل وفاته: «اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الشجر، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة السم ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر» (٧)
بل إن شيخ التابعين الإمام الحسن البصري يجعل حب الدنيا لذاتها من الذنوب فيقول: لو لم يكن لنا ذنوب نخاف على أن أنفسنا منها إلا حبنا الدنيا لخشينا على أنفسنا منها، إن الله عز وجل يقول: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (الأنفال: ٦٧)، أريدوا ما أراد الله عز وجل (۸).
وحتى لا يلتبس كلام الإمام الحسن البصري على البعض، فإن الإمام القدوة التابعي الجليل سلمة بن دينار يوضح هذا الأمر بما لا يدع مجالًا للبس عندما سأله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن مسألة حيرته، وخشي على نفسه منها فقال مخاطبًا التابعي سلمة: «إني لأجد شيئًا يحزنني، قال وما هو يا ابن أخي؟ قال حبي للدنيا، قال: أعلم أن هذا الشيء ما أعاتب نفسي على بعض شيء حببه الله إلي، لأن الله قد حبب هذه الدنيا إلينا، لتكن معاتبتنا أنفسنا في غير هذا ألا يدعونا حبها إلى أن نأخذ شيئًا من شيء بكرهه الله، ولا أن نمنع شيئًا من شيء أحبه الله إن نحن فعلنا ذلك لم يضرنا حبنا إياها» (٩)
وإن لم يفعل فيكون هو الحب الذي تحدث منه الإمام البصري، واعتبره ذنبًا.
٤ – حرص شديد على الوقت: هم أشد الناس حرصًا على الوقت أن يمضي دون الاستفادة من كل دقيقة فيه، ويسابقون الزمن حتى يملأوا صحائفهم بكل ما يرتفع إلى الله، يعتبرون كل انشغال عن الآخرة من الخراب يقول يحيى بن معاذ: «الدنيا خراب وأخرب منها لب من يعمرها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها لب من يطلبها» (۱۰).
ولكثرة انشغالهم في العمل لآخرتهم فلا وقت لديهم ليتحدثوا عن الدنيا إلا بما لابد منه من تسيير أمورهم اليومية كالبيع والشراء وغيره متى إن أبا حيان روى عن أبيه عن التابعي الربيع بن خيثم يقول: «ما سمعت الربيع بن خيثم ذكر شيئًا من أمر الدنيا إلا أني سمعته مرة يقول: كم لكم مسجدًا» (۱۱).
ولئن كان البعض يرى في هذه الصورة شيئًا من المبالغة، فإنه ليس مطلوبًا من الجميع أن كونوا على قانون بن خيثم، فلا أقل من التقليل - ما أمكن - من الخوض فيما لا ينفع من أمور الدنيا، لأن ذلك يشغل عن الآخرة، ولقد أوضح الإمام الشافعي ذلك في عبارته المشهورة «نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل» (۱۲).
٥ – لا ينامون كثيرًا: لقد وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم – مادحًا لهم – بهذه الصفة عندما قال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الذاريات: ١٧ - ١٨)
ليس بسبب حبهم للسهر، أو إصابتهم بالأرق لكن بسبب معرفتهم بأهمية الوقت، وعلمهم بأن النوم يسرق منهم الكثير من هذا الوقت الثمين، لذلك يقللون ساعات نومهم لاستغلالها بما يقربهم إلى الله تعالى.
فالأسبوع الواحد فيه ما يقارب ١٦٨ ساعة، ينام الإنسان فيها من ٥٠ إلى ٦٠ ساعة، أي ما يعادل ثلث الأسبوع، وهي نسبة ليست بالقليلة، خاصة إذا ما عرفنا أن الثلثين الباقيين ليسا فارغين تمامًا للاستغلال، بل يتخللهما الكثير من فترات الطعام والعلاج والعمل والدراسة وصيانة البيت والسيارة وغيرها من الأوقات الضائعة.
ومن الكتب المفيدة الصادرة حديثًا في إدارة الوقت كتاب (دون أسليت) تحت عنوان (كيف يكون لك يوم بـ ٤٨ ساعة)، يتحدث فيه عن الكثير من الطرق التي يستغل بها الإنسان وقته، ومن أبرز تلك الطرق تقليل ساعات النوم.
وطلاب الآخرة لا يسعون لتقليل ساعات نومهم فحسب، بل يكرهون كل شيء يذكرهم بالنوم حتى إن التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح الذي أدرك مائتي صحابي كان يقول: لأن أرى في بيتي شيطانًا خير من أن أرى فيه وسادة، لأنها تدعو إلى النوم (۱۳)
٦ – التفكر الدائم بالرحيل: حدد الرسول صلى الله عليه وسلم المنهج الرباني لمن أراد سلوكه، ومن ذلك التفكر الدائم بالموت، فقال: «أكثروا ذكر هادم اللذات الموت» (١٤)، فمن أكثر ذكر الموت خاف انقطاع العمل مما يجعله أكثر شعورًا بالوقت فيدفعه ذلك لمسابقة الزمن ومضاعفة البذل، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل الا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (۱٥) والإدلاج هو مواصلة السير، ولاشك في أن من واصل السير في السفر يصل قبل ذلك الذي يكثر الوقفات والاستراحات، وكذلك أمر الآخرة، فمن اختارها على العاجلة جد في السير، وقلل الراحات فلا راحة إلا تحت شجرة طوبي كما قال ابن الفتح – رضي الله عنه.
يقول الإمام ابن الجوزي: «من تفكر في قرب رحيله تشاغل بالتزود» (١٦)
نتيجة اختيار الآخرة:
إذا ما حقق طلاب الآخرة الشطر الأول من المعادلة وهو إرادة الآخرة، والسعي لها والإيمان حقق لهم الله تعالى الشطر الثاني من المعادلة نتيجة طبيعية لذلك الاختيار وهي قوله تعالى له ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ (الشورى: ٢٠)، ﴿كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (الإسراء: ۱۹)
قال الإمام القرطبي مفسرًا قوله تعالى: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ : قيل نوفقه للعبادة ونسهلها عليه.
وقيل حرث الآخرة الطاعة، أي من أطاع فله الثواب.
وقيل ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي نعطيه الدنيا مع الآخرة (۱۷)
وقال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ (قولان)
الأول المعنى أننا نزيد في توفيقه، وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه
والثاني قال مقاتل ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ بتضعيف الثواب، قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ (۱۸)
وقال الإمام الشوكاني ﴿كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ عند الله أي مقبولًا غير مردود وقيل مضاعفًا إلى أضعاف كثيرة (۱۹)
ويعلق الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – في الظلال على هذه الآية فيقول: «ثم جعل الآخرة حرثًا والدنيا حرثًا يختار المرء منهما ما يشاء، فمن كان يريد حرث الآخرة عمل فيه وزاد له الله في حرثه، وأعانه عليه بنيته، وبارك له فيه بعمله. وكان له مع حرث الآخرة رزقه المكتوب له في هذه الأرض، لا يحرم منه شيئا، بل إن هذا الرزق الذي يعطاه في الأرض قد يكون هو بذاته حرث الآخرة بالقياس إليه، حين يرجو وجه الله في تثميره وتصريفه، والاستمتاع به والإنفاق منه» (۲۰).
على هذا تكون نتيجة اختيار الآخرة
١_ التوفيق للعبادة.
٢_ تسهيل العبادة والإعانة عليها.
٣_ إعطاء الثواب
٤_ إعطاء الدنيا مع الآخرة.
٥_ مضاعفة الثواب
٦_ قبول العمل.
===============
الهوامش
١_ عيون الأخبار ٢/٢٣٠.
٢_ الزهد – لأحمد ١٦٧.
٣_ اللطف في الوعظ ٢٠.
٤_ وهي الجنة – كما جاء في الحديث.
٥_ صفة الصفوة ٣/١٠٦.
٦_ الزهد لأحمد ١٢٥.
٧_ الزهد لأحمد ١٨١.
٨_ الزهد لأحمد ٢٨٣.
٩_ سير أعلام النبلاء ٦/٩٩.
١٠_ صفة الصفوة ٤/٩٥.
١١_ الزهد لأحمد ٣٣٦.
١٢_ بداية العبارة (الوقت كالسيف).
١٣_ البداية والنهاية ٩/٢٠٨.
١٤_ رواه الترمذي (ص.ج.ص ١٢١٠)
١٥_ رواه أبو نعيم في الخلية، وصححه الألباني (ص.ج.ص٦٢٢٢).
١٦_ اللطف في الوعظ ٨١.
١٧_ تفسير القرطبي ٨/٥٨٣٨
١٨_ التفسير الكبير ٢٧/١٦٢
١٩_ فتح القدير ٣/٢١٧.
٢٠_ في ظلال القرآن ٥/٣١٥١.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل