العنوان مصر و «حماس» (۲-۲).. «حماس».. عبء سياسي أم رصيد استراتيجي؟!
الكاتب محسن محمد صالح
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 59
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 22
السبت 07-فبراير-2009
محللون: إصرار السلطات المصرية على إغلاق معبر رفح بعد بدء العدوان يعكس رغبتها في إسقاط «حماس»!
أثناء العدوان.. الرئيس المصري أكد لنظيره الفرنسي ضرورة تغيير سلطة «حماس» وعودة سلطة « أبو مازن» إلى القطاع!
وجود مقاومة قوية في غزة عامل ردع للكيان الصهيوني يضمن عدم قيامة بأي مغامرات ضد مصر
حماس ، رصيد استراتيجي لأنها:
مقاومة إسلامية مشروعها ينصب على تحرير فلسطين.. ولم تتدخل في أي شأن عربي داخلي منذ نشأتها
مستقلة غير مرتهنة لأي نظام.. وعلاقتها مع إيران هدفها دعم برنامج المقاومة في ظل الخذلان العربي الراهن
متجذرة في وجدان الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.. وأصبحت رائدة المقاومة في الفترة الأخيرة
تتمتع بتماسك كبير وفعالية عالية وقيادة شابة.. مقابل حالة التفكك والفساد والترهل التي تعاني منها «فتح»
تتميز بديناميكية عالية تمكنها من التعامل بإيجابية حتى مع الجهات التي تختلف معها
أفشلت كل محاولات اجتثاثها أو ضربها.. وفي كل مرة كانت تعود أصلب عودا وأكثر شعبية
هل يمكن لمصر أن تتعامل مع «حماس» باعتبارها رصيدًا استراتيجيًا يخدم مصالحها العليا وأمنها القومي، وليس باعتبارها مشكلة أو عبئا يحرجها ويثقل كاهلها ، وتود لو ترتاح منه؟
من الواضح أن سلوك نظام الحكم في مصر مع «حماس»، خصوصًا منذ فوزها في الانتخابات وتشكيلها للحكومة، قد تعامل معها باعتبارها عبئا ومشكلة.. ودونما حاجة للتكرار، فإن تعامل مصر مع حكومة «حماس»، وموقفها من الحصار، ومن سيطرة «حماس» على القطاع، ومن إغلاق معبر رفح، ومن مشروع المقاومة، ومن مسار التسوية، ومن التيارات الإسلامية، ومن الرئاسة الفلسطينية، ومن العدوان الصهيوني الأخير على القطاع.. كلها تشير إلى مدى شعورها بوجود عبء أو مشكلة اسمها حماس!!
التسريبات التي رافقت إغلاق معبر رفح إثر سيطرة «حماس» على القطاع تحدثت عن أن الرئيس المصري حسني مبارك كان يتحدث المقربيه بأنه لن يسمح بنجاح حكومة «حماس» في القطاع.. ولذلك، فهمت «حماس» إغلاق المعبر باعتباره جزءا من عملية الإفشال والإسقاط غير المعلنة التي يمارسها النظام الحاكم في مصر ضدها ويظهر أن عمليات خرق الحدود والأنفاق والأحداث المرتبطة بخروج الحجاج والمرضى والمسافرين وعودتهم كلها زادت من حالة الاحتقان بين الطرفين.
كما أن تأييد الجانب المصري إرسال قوات عربية إلى القطاع فسرته «حماس» أيضا على أنه محاولة لإسقاطها، ولتعبيد الطريق أمام رئاسة السلطة وحركة «فتح» للسيطرة على قطاع غزة قبل تحقيق المصالحة والتوافق الوطني.. وعندما أبلغت «حماس» مصر باعتذارها عن المشاركة في مؤتمر الحوار، كان الرد المصري الشفوي عنيفا وغاضبا!
ضوء أخضر للعدوان!
قبل أسبوع من العدوان الصهيوني على القطاع سربت صحيفة "معاريف» العبرية بن كاسبيت، ۲۰۰۸/۱۲/۲۰م) معلومات تذكر أن بلادا عربية أرسلت إلى إسرائيل تطلب منها أن تقوم بالمهمة». وقالت الصحيفة: على الأقل في الوقت الحالي يشجعوننا على تحطيم رأس حماس والقضاء على قادتها»، مشيرة إلى أن إحدى الرسائل تضمنت قائمة أسماء موصى بها» للاغتيال من قادة «حماس»!
وفي زيارة وزيرة الخارجية الصهيونية تسيبي ليفني» للعاصمة المصرية «القاهرة» قبل يومين فقط من بدء العدوان صرحت بأن الوضع سيتغير في القطاع، وقالت: «إن سيطرة حماس على القطاع ليست مشكلة «إسرائيل» فقط، نحن نتفهم احتياجات مصر، وما نفعله هو تعبير عن احتياجات المنطقة، وقد رأى كثيرون في ذلك ضوءا أخضر مصريا بالغزو.
وقد فسر متخصصون إصرار السلطات المصرية على الاستمرار في إغلاق معبر رفح بعد بدء العدوان، وعلى عدم اتخاذ أي إجراء ضد المذابح الصهيونية في القطاع، وحتى مجرد سحب السفير المصري أو طرد السفير الصهيوني كما فعلت فنزويلا ومضمون خطاب الرئيس المصري، بل والمبادرة المصرية نفسها.. فسروا كل هذا بأنه دليل على رغبة النظام المصري في إسقاط «حماس».. يضاف إلى ذلك قدوم دحلان» إلى القاهرة قبيل العدوان، ومعه الكثير من أتباعه لعمل ترتيبات ما بعد سقوط «حماس».
وأشارت الأنباء إلى أن الرئيس المصري خلال محادثاته مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي» بعد أيام من بدء العدوان قد أكد ضرورة تغيير سلطة «حماس» وضمان عودة سلطة أبو مازن» إلى القطاع، مشيرا إلى دعم دول عربية أخرى لهذا الخيار، وقال: إن مصر لن تفتح معبر رفح إلا بوجود السلطة والمراقبين الدوليين وإشراف «إسرائيلي» لمنع تهريب أي أسلحة في المستقبل! وتسربت معلومات قريبة بهذا المعنى عندما زار الجنرال عاموس جلعاد المستشار السياسي لوزير الجيش إيهود باراك مصر يوم الخميس ۲۰۰۹/۱/۸م: حيث تحدث إليه مسؤول أمني مصري كبير مؤكدًا أن عودة السلطة و«أبو مازن» ضمانة للطرفين في فرض الاستقرار والأمن والنظام!
أي عبء ثقيل؟!
المبادرة المصرية التي أعلنها الرئيس المصري صبت في إطار إضفاء مزيد من قلق «حماس» من الدور المصري؛ إذ لم تنص على إدانة العدوان الصهيوني، ولم تميز بين المعتدي والمعتدى عليه، ولم تطالب بشكل واضح بانسحاب القوات الصهيونية من القطاع، ولم تتعامل بشكل مباشر مع الطرف الفلسطيني الذي يدير القطاع ويدافع عنه عندما دعت كلا من «إسرائيل» و«الجانب الفلسطيني لاجتماع عاجل من أجل التوصل للترتيبات والضمانات الكفيلة بعدم تكرار التصعيد ومعالجة مسبباته.. والجانب الفلسطيني المقصود هو رئاسة السلطة في رام الله لأنها الوحيدة التي يمكن أن تجتمع مع الجانب الصهيوني.
إن سلوك النظام المصري، خصوصًا في الفترة الأخيرة، لا يمكن أن يفهم منه إلا مزيد من الضغوط على «حماس»، ويعبر إلى أي مدى تتعامل السلطات المصرية مع «حماس» كعبء ثقيل!
رصيد استراتيجي
ماذا لو نظر النظام في مصر إلى «حماس» من زاوية أخرى كرصيد استراتيجي يصب في المصلحة القومية العليا لمصر؟ ولعل المعطيات التالية تفيد في توضيح الصورة:
أولا: إن «حماس» حركة حصرت عملها في العمل الوطني المقاوم على أرض فلسطين، ولم تتدخل في الشأن المصري ولا في الشؤون العربية طوال السنوات الإحدى والعشرين التي مضت على نشأتها، كما أن مشروعها الإسلامي مرتبط بالعمل على تحرير فلسطين، ولم يهدد النظام المصري ولا الأنظمة العربية القائمة.
ثانيا: إن «حماس» حركة مستقلة غير مرتهنة لأي من الأنظمة أو المحاور والنظام المصري أول من يعلم أن دعوى الولاء ل إيران أو العمل لحسابها غير صحيحة وأن استفادة «حماس» من علاقتها مع إيران في دعم برنامج المقاومة كانت أساسا بعد أن حاربتها الأنظمة العربية وأغلقت الأبواب في وجهها.. ثم إن الحركة تتمتع بديناميكية عالية تمكنها من التعامل بإيجابية حتى مع الجهات التي تختلف معها.
ثالثًا: إن «حماس» حركة متجذرة في وجدان الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وفضلا عن أنها أصبحت رائدة المقاومة الفلسطينية في السنوات الماضية فإنها فازت بشكل رسمي ونزيه بالانتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأصبحت من ناحية المؤسسة التشريعية تمثل أبناء هذه المناطق وتعبر عن همومهم وتطلعاتهم. ومن العبث تجاوزها أو محاولة تهميشها أو تهشيمها.
وقد أظهرت التجارب أن كل محاولات اجتثاث أو ضرب حركة «حماس» طوال السنوات الإحدى والعشرين الماضية قد فشلت وأنها كانت تعود في كل مرة أصلب عودا وأكثر شعبية.
رابعا: من المعروف في التخطيط الاستراتيجي أنه لا بد من وجود ما يُعرف به تهديد حقيقي في المفاوضات مع الخصم أو العدو، عندما يجنح للمراوغة أو لا يستجيب للحد الأدنى من المطالب، والتهديد الحقيقي الوحيد المتاح لمفاوضات التسوية مع الطرف الصهيوني هو اللجوء للمقاومة المسلحة.
إن ضرب المقاومة الفلسطينية هو ضرب لأداة الضغط الحقيقية للفلسطينيين وإضعاف للمفاوض الفلسطيني نفسه إن كان وجود مقاومة قوية في غزة عامل ردع للكيان الصهيوني يضمن عدم قيامه بأي مغامرات ضد مصر جادًا في انتزاع حقوق أو بعض حقوق شعبه ووضع له في «أحوال» و«أوحال» لا يمكن إلا أن تؤدي إلى فرض شروط الاحتلال عليه.
ومن المثير للأسى أن يأتي الكيان الصهيوني ليسوق نفسه لبعض الأنظمة العربية كشريك في الحرب على التطرف والإرهاب»، بينما هو يحارب «حماس» وقوى المقاومة، ليتمكن من الاستمرار في مصادرة الأرض المقدسة وتهويدها وإذلال شعبها... وفي الوقت نفسه تتعامى الأنظمة العربية عن النظر إلى حماس، وقوى المقاومة باعتبارها عنوانا لعزتها وكرامتها، وخط الدفاع المتقدم عن الأمة، بل ورافعة حقيقية المطالبها السياسية.
إن الطرفين الصهيوني والأمريكي يفهمان لغتي القوة والمصلحة، وإن وجود «حماس» ينبغي التعامل معه كقيمة مضافة حتى لمن يخالفها في مسارها.
خامسا: دونما انتقاص لشعب مصر العظيم وجيشها الذي لم تتح له فرصة قتال حقيقية، فقد خسر النظام المصري قطاع غزة في حرب ١٩٦٧م في يوم واحد بينما ظل القطاع صامدا أكثر من ثلاثة أسابيع بقيادة «حماس»، دون أن تتمكن آلة الدمار الصهيونية الهائلة من دخول المدن.
إن أمن مصر القومي يحتم عليها النظر إلى حركات المقاومة الفلسطينية بمعيار يبحث عن العناصر الإيجابية والإمكانات الكامنة فيها، ويمكن النظر هنا إلى قيمة قوى المقاومة الشعبية في أوضاع لا تكون فيها الجيوش النظامية قادرة أو راغبة في الدخول في حروب أو أداء أدوار معينة.
سادسا: إن أي عملية لإصلاح البيت الفلسطيني سواء أكان ذلك متعلقا بمنظمة التحرير الفلسطينية أم السلطة الوطنية أم الأجهزة الأمنية لن تتم إلا بمشاركة حماس»، وبأن تأخذ «حماس» حقها العادل ودورها الطبيعي في هذا المسار.
ثم إن «حماس» لا تزال تتمتع بتماسك كبير وفعالية عالية وقيادة شابة، في مقابل حالة التفكك والترهل والفساد والتراجع التي تعاني منها حركة «فتح»، التي لم تتمكن من عقد مؤتمرها السادس طوال السنوات العشرين الماضية. وعلى هذا، فإن مصر ستتعامل إن عاجلًا أو آجلا مع حركة «حماس»، إما كقيادة للشعب الفلسطيني، وإما كشريك في تلك القيادة ولذلك فمن الأولى أن يوجه النظام المصري جهده للتفاهم مع هذه الحركة، وأن يستفيد منها في رفع سقف المطالب الفلسطينية.
سابعا: إن الطريقة التي أدار بها النظام المصري علاقته به حماس: بما في ذلك قضية قطاع غزة ومعبر رفح، قد أثارت استياء وغضب الشارع المصري والعربي
والإسلامي بل والعالمي.. وتسببت في خسائر كبيرة للدبلوماسية المصرية، ولهيبة مصر ومكانتها.
ولو أن النظام المصري فتح معبر رفح وأفشل الحصار لنجح في:
- تحقيق شعبية هائلة في الشارع المصري، وقوى جبهته الداخلية.
- جعل مشكلة الحصار مشكلة إسرائيلية، وليس مشكلة مصرية.
- زيادة قدرته على التأثير على كل من «فتح» و«حماس» في تسريع خطوات المصالحة الوطنية.
ثامنا: لا يزال الكيان الصهيوني ينظر إلى مصر كعدو محتمل، ويضع استراتيجياته وفق معايير واحتمالات خوض حرب مع مصر وباقي الدول العربية.. ومن حق مصر أن تضبط استراتيجياتها وفق احتمالات العدوان الصهيوني، خصوصا وأن اتفاقيات كامب ديفيد جعلت من سيناء منطقة ساقطة عسكريًا.
ولذلك، فإن وجود كتلة مقاومة قوية في غزة لن يكون فقط عنصر حماية للفلسطينيين يمنع تهجيرهم وتجويعهم وإذلالهم، بل سيكون أيضا عنصرا دفاعيا وخطا أماميا رادعا للكيان الصهيوني من أن يقوم بمغامرات محسوبة أو غير محسوبة ضد مصر.
تاسعًا: لقد أسقط النظام الملكي في مصر عام ١٩٥٢م، عندما قصر في حق فلسطين في حرب عام ١٩٤٨م، وحملت مصر على كاهلها لسنوات طويلة عبء قيادة الأمة العربية لتحرير فلسطين، ولا يزال شعبها زاخرا بالعطاء والإمكانات.
ولا يعقل لدولة انطلقت منها جيوش تحرير فلسطين من الغزو الصليبي والغزو التتري، ألا تتمكن حتى الآن من مجرد طرد السفير الصهيوني، أو سحب السفير المصري.
وليس مطلوبًا من نظام الحكم في مصر الكثير في هذه المرحلة المطلوب منه فقط ألا يكون شريكا في الحصار، وأن يعلن أنه لم يعد ملزما بإغلاق معبر رفح أو الحدود، لأن السلطات الصهيونية نفسها لم تحترم اتفاقية المعابر، وخرقتها مئات المرات.. وأن يعلن أيضا أن مصر لن تدخل في أي اتفاق جديد ما لم يضمن الحقوق الكاملة للفلسطينيين فضلا عن أمن مصر القومي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل