; بناء العقيدة عند «الإخوان المسلمين» (3) | مجلة المجتمع

العنوان بناء العقيدة عند «الإخوان المسلمين» (3)

الكاتب محمد العربي الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995

مشاهدات 101

نشر في العدد 1164

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 29-أغسطس-1995

  • صفات الله تؤخذ من النقل لا من العقل

  • آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل ولا تجسيم ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى

  • خالق الكون ومدبره متصف بكل صفات الكمال ومنزه عن كل صفات النقص

  • لا يوصف الله تبارك وتعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله عله بلا حد ولا غاية

وبعد أن انتهى الإمام البنا- رحمه الله تعالى- من الكلام عن ذات الله تعالى، دخل في الحديث عن صفات الله تعالى، وبدأه بالدلائل العقلية المستقاة من النظر في الكون، وفي النفس من الإبداع والنظام، والهداية، ودليل الفطرة، وأنها تجعل صاحبها يخرج منها، من غير أن يأتيه دليل أو برهان، أو وحي أو قرآن، بهذه العقيدة النظرية السهلة، وهي: أن لهذا الكون خالقًا صانعًا، موجدًا، وأن هذا الصانع لابد أن يكون عظيمًا فوق ما يتصور العقل البشري الضعيف من العظمة، وقادرًا فوق ما يفهم الإنسان من معاني القدرة، وحيًا بأكمل معاني الحياة، وأنه مستغنٍ عن كل هذه المخلوقات؛ لأنه كان قبل أن تكون، وعليمًا بأوسع حدود العلم، وأنه فوق نواميس هذا الكون؛ لأنه واضعها، وأنه قبل هذه الموجودات؛ لأنه خالقها، ومعدها؛ لأنه الذي سيحكم عليها بالعدم، وإجمالًا سيرى نفسه مملوءًا بالعقيدة بأن صانع هذا الكون ومديره: متصف بكل صفات الكمال فوق ما يتصور العقل البشري الصغير، ومنزه عن كل صفات النقص.

وتكلم عن مجمل صفات الله في القرآن وكأنه يريد أن يلفت النظر إلى أن تفاصيل صفات الله تؤخذ من النقل، لا من العقل، لعجز العقل عن إدراك حقيقة هذه الصفات وساق طرفًا منها، مدللًا عليه بالآيات القرآنية، ثم عقب بقوله: وصفات الله تبارك وتعالى - في القرآن الكريم كثيرة، وكمالاته - تبارك وتعالى. لا تتناهى، ولا تدرك كنهها عقول البشر، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه. 

الفرق بين صفات الله وصفات الخلق

 وبين الفرق بين صفات الله، وصفات الخلق بقوله: «والذي يجب أن يفطن له المؤمن أن المعنى الذي يقصد باللفظ في صفات الله. تبارك وتعالى- يختلف اختلافًا كليًا عن المعنى الذي يقصد بهذا اللفظ عينه في صفات المخلوقين. فأنت تقول: الله عالم، والعلم صفة لله تعالى، وتقول: فلان عالم، والعلم صفة لفلان من الناس، فهل ما يقصد بلفظة العلم في التركيبين واحد؟ حاشا أن يكون كذلك، وإنما علم الله. تبارك وتعالى- علم لا يتناهى كماله، ولا يُعد علم المخلوقين شيئًا إلى جانبه، وكذلك الحياة، وكذلك السمع، وكذلك البصر، وكذلك الكلام وكذلك القدرة والإرادة. فهذه كلها مدلولات الألفاظ فيها مختلف عن مدلولاتها في حق الخلق، من حيث الكمال والكيفية اختلافًا كليًا؛ لأنه تبارك وتعالى، لا يشبه أحدًا من خلقه، فتفطن لهذا المعنى، فإنه دقيق، ولست مطالبًا بمعرفة كنهها، وإنما حسبك أن تعلم آثارها في الكون، ولوازمها في حقك، والله نسأل العصمة من الزلل وحسن التوفيق.

وساق أدلة التجريبيين والمناطقة الدالة على الله وصفاته؛ ليس لأن المسلم شاكٌّ أو منكر؛ إذ الإقرار بوحدانيته سبحانه وبما ينبغي له من صفات الكمال والجلال في حكم البدهيات التي لا يحتاج في إثباتها إلى دليل أو برهان، ولا يطالب بالدليل عليها إلا كل مكابر مريض القلب لا يجديه دليل، ولا تنفع معه حجة، وإنما تتميمًا للفائدة.

آيات وأحاديث الصفات

وعرض لآيات وأحاديث الصفات، فساق طائفة منها كقوله: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ (طه: 5)، وكقوله ﷺ فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك. رضي الله عنه: «ولا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة».

وبين موقف الناس منها معقبًا على كل موقف فقال: انقسم الناس في هذه المسألة على أربع فرق:

1- الظاهرية

فرقة أخذت بظواهرها كما هي، فنسبت إلى الله وجهًا كوجوه الخلق، ويدًا، أو أيديًا كأيديهم وضحكًا كضحكهم، وهكذا حتى فرضوا الإله شيخُا، وبعضهم فـرضـه شـابًّا، وهؤلاء هم المجسمة والمشبهة وليسوا من الإسلام في شيء وليس لقولهم نصيب من الصحة، ويكفي في الرد عليهم قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى: ٦-١١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص).

 2- المعطلة....

-فرقة عطت معاني هذه الألفاظ على أي وجه، يقصدون بذلك نفي مدلولاتها مطلقًا عن الله تبارك وتعالى، فالله تبارك وتعالى. عندهم لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر؛ لأن ذلك لا يكون إلا بجارحة، والجوارح يجب أن تنفى عنه سبحانه، فبذلك يعطلون صفات الله- تبارك وتعالى. ويتظاهرون بتقديسه، وهؤلاء هم المعطلة، ويطلق عليهم بعض علماء تاريخ العقائد الإسلامية: الجهمية، ولا أظن أن أحدًا عنده مُسْكة من عقل يستسيغ هذا القول المتهافت، وها قد ثبت الكلام، والسمع والبصر لبعض الخلائق بغير جارحة، فكيف يتوقف كلام الحق تبارك وتعالى- على الجوارح، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

هذان رأیان باطلان لا حظَّ لهما من النظر، وبقي أمامنا رأيان هما محل أنظار العلماء في العقائد، وهما رأي السلف، ورأي الخلف.

3-السلف

أما السلف رضوان الله عليهم. فقالوا: نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت، ونترك بيان المقصود منها لله. تبارك وتعالى- فهم يثبتون اليد والعين والأعين والاستواء والضحك والتعجب.. إلخ، وكل ذلك بمعانٍ لا ندركها، ونترك لله تبارك وتعالى الإحاطة بعلمها، ولا سيما وقد نهينا عن ذلك في قول النبي الله: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله، فإنكم لن تقدروه حق قدره». قال العراقي: رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف، ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب بإسناد أصح منه، ورواه أبو الشيخ مع قطعهم رضوان الله عليهم - بانتفاء المشابهة بين الله وبين الخلق، وإليك أقوالهم في ذلك:

شواهد من أصول السنة

أ- روى أبو القاسم اللالكائي في أصول السنة، عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة - رضي الله عنهما ـ قال: «اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن، والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب -عز وجل- من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة، ثم سكتوا.

ب- وذكر الخلال في كتاب السنة، عن حنبل، وذكره حنبل في كتبه مثل كتاب السنة والمحنة، قال حنبل: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى إن الله- تبارك وتعالى، ينزل إلى سماء الدنيا.. وإن الله يرى و إن الله يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث؟ فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول الله حق إذا كان بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله ولا يوصف الله- تبارك وتعالى- بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ﴿ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ ﴾ (الشورى: 11).

ج- وروى حرملة بن يحيى قال: عبد الله بن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: من وصف شيئًا من ذات الله مثل قوله: ﴿ وَقَالتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌ ﴾ (المائدة: 64). فأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١ ﴾ (الشورى: 11)، فأشار إلى عينه، أو أذنه، أو شيء من يديه قطع ذلك منه؛ لأنه شبه الله بنفسه، ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء حين حدث أن النبي ﷺ لا يضحي بأربع من الضحايا، وأشار البراء بيده، كما أشار النبي قال البراء، ويدي أقصر من يد رسول الله ﷺ فكره البراء أن يصف يد رسول الله الله إجلالًا له وهو مخلوق فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء؟

د. وروى أبو بكر الأثرم، وأبو عمرو الطلمنكي، وأبو عبد الله بن بطة في كتبهم وغيرهم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون كلامًا طويلًا في هذا المعنى ختمه بقوله: «فما وصف الله من نفسه، فسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لا هذا، ولا هذا، لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف.

«اعلم، رحمك الله- أن العصمة في الدين أن تنتهي حيث انتهى بك، ولا تجاوز ما قد حد لك، فإن من قوام الدين معرفة المعروف، وإنكار المنكر. فما بسطت عليه المعرفة، وسكنت إليه الأفئدة، وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارث علمه الأمة، فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عينًا، ولا تكلفن بما وصف من ذلك قدرًا، وما أنكرته نفسك، ولم تجد ذكره في كتاب ربك، ولا في الحديث عن نبيك من ذكر صفة ربك فلا تتكلفن علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك واصمت كما صمت الرب عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف به نفسه مثل إنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها، فقد- والله- عز المسلمون الذين يعرفون المعروف، وبمعرفتهم يعرف وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته من الرب قلب مسلم ولا تكلف صفة قدره، ولا تسمية غيره من الرب مؤمن، وما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه سماه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى،

ووصف الرب تعالى من نفسه والراسخون في العلم الواقفون؛ حيث انتهى بهم علمهم الواصفون لربهم بما وصف نفسه التاركون لما ترك من ذكرها، لا ينكرون صفة ما سمي منها جحدًا، ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقًا؛ لأن الحق ترك ما ترك وسمى ما سمى، ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥ ﴾ (النساء: 115) وهب الله لنا ولكم حكمًا، وألحقنا بالصالحين.

4- الخلف

فأما الخلف فقد قالوا: إننا نقطع بأن معاني ألفاظ هذه الآيات والأحاديث لا يراد بها ظواهرها، وعلى ذلك فهي مجازات لا مانع من تأويلها، فأخذوا يؤولون الوجه بالذات، واليد بالقدرة، وما إلى ذلك هربًا من شبهة التشبيه وإليك نماذج من أقوالهم في ذلك: 1- قال أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي في كتابه: دفع شبهة التشبيه، قال الله تعالى: ﴿ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ﴾ (الرحمن: 27)، قال المفسرون: يبقى ربك وكذلك قالوا في قوله تعالى: «يريدون وجهه أي يريدونه، وقال الضحاك وأبو عبيدة: ﴿ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥ ﴾ (القصص: 88) أي إلا هو.

الأخذ بظاهر الآيات

وعقد فصلًا ضافيًا في الرد على مَنْ قالوا: إن الأخذ بظاهر هذه الآيات والأحاديث هو مذهب السلف، وخلاصة ما قاله: إن الأخذ بالظاهر هو تجسيم وتشبيه؛ لأن ظاهر اللفظ هو ما وضع له فلا معنى لليد حقيقة إلا الجارحة، وهكذا، وأما مذهب السلف، فليس أخذها على ظاهرها، ولكن السكوت جملة عن البحث فيها، وأيضًا فقد ذهب إلى أن تسميتها آيات صفات وأحاديث صفات تسمية مبتدعة لم ترد في كتاب ولا في سنة، وليست حقيقية، فإنها إضافات ليس غير، واستدل على كلامه في ذلك بأدلة كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

وذكر الإمام البنا كلام فخر الدين الرازي وأبي حامد الغزالي في تقرير مذهب الخلف وأمثلة إيضاحية تطبيقية منها قوله ﷺ: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»؛ إذ قال أصحاب هذا المذهب: لو فتشنا عن قلوب المؤمنين لم نجد فيهما أصابع، فعلم أنها كناية عن القدرة التي هي سر الأصابع، وروحها الخفي، وكنى بالأصابع عن القدرة؛ لأن ذلك أعظم وقعًا في تفهم تمام الاقتدار، ثم عقب بقوله:

إلى هنا وضح أمامك طريق السلف والخلف، وقد كان هذان الطريقان مثار خلاف شديد بين علماء الكلام من أئمة المسلمين. وأخذ كل يدعم مذهبه بالحجج والأدلة، ولو بحثت الأمر لعلمت أن مسافة الخلف بين الطريقين لا تحتمل شيئًا من هذا لو ترك أهل كل منهما التطرف والغلو، وأن البحث في مثل هذا الشأن مهما طال فيه القول لا يؤدي في النهاية إلا إلى نتيجة واحدة، وهي التفويض لله تبارك وتعالى.

الموازنة بين مذهبي السلف والخلف

 ثم عقد الإمام البنا فصلًا للموازنة بين السلف والخلف بعنوان: «بين السلف والخلف»، قال فيه: قد علمت أن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله تبارك وتعالى أن يمروها على ما جاءت عليه، ويسكتوا عن تفسيرها، أو تأويلها، وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله تبارك وتعالى، عن مشابهة خلقه، وعلمت أن الخلاف شديد بين أهل الرأيين حتى أدى بينهما إلى التنابز بالألقاب العصبية، وبيان ذلك من عدة أوجه:

أولًا: اتفق الفريقان على تنزيه الله – تبارك وتعالى- عن المشابهة لخلقه.

ثانيًا: كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله تبارك وتعالى، غير ظواهرها التي وضعت لها هذه الألفاظ في حق المخلوقات؛ وذلك مترتب على اتفاقهما على نفي التشبيه.

ثالثًا: كل من الفريقين يعلم أن الألفاظ عما يجول في النفوس، أو يقع تحت الحواس مما يتعلق بأصحاب اللغة توضع للتعبير وواضعيها، وأن اللغات مهما اتسعت لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم، وحقائق ما يتعلق بذات الله- تبارك وتعالى- من هذا القبيل، فاللغة أقصر من أن تواتينا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق، فالتحكم في تحديد المعاني بهذه الألفاظ تغرير، ثم بيَّن الإمام البنا - رحمه الله - المذهب الراجح الذي يعتنقه، وينبغي أن يعتنقه كل مسلم فقال: ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى- أسلم، وأولى بالاتباع حسمًا لمادة التأويل والتعطيل، فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان وأثلج صدره ببرد اليقين فلا تعدل به بديلًا، ونعتقد إلى جانب هذا أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق، ولا تستدعي هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديمًا وحديثًا، وصدر الإسلام أوسع من هذا كله، وقد لجأ أشد الناس تمسكًا برأي السلف، رضوان الله عليهم- إلى التأويل في عدة مواطن، وهو الإمام أحمد بن حنبل- رضي الله عنه، ومن ذلك تأويله لحديث «الحجر الأسود يمين الله في أرضه». وقوله: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» وقوله ﷺ: «إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن».

خلاصة القول

وخلاصة هذا البحث: أن السلف والخلف قد اتفقا على أن المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق، وهو تأويل في الجملة، واتفقا كذلك على أن كل تأويل يصطدم بالأصول الشرعية غير جائز، فانحصر الخلاف في تأويل الألفاظ بما يجوز في الشرع، وهو هين كما ترى، وأهم ما يجب أن تتوجه إليه همم المسلمين الآن توحيد الصفوف، وجمع الكلمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، هذا عن تصور «الإخوان المسلمون للعقيدة الإسلامية، أما عن البراهين الدالة على صحة الالتزام بهذا التصور، وكذلك الخطوات التي يسير عليها الإخوان في دعوة الناس والعمل معهم على بناء صرح هذه العقيدة، فستكون جميعًا محور الحديث في الحلقات القادمة إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل