العنوان إذا غاب الايمان، حضر التوتر
الكاتب أشرف سلامة
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1990
مشاهدات 72
نشر في العدد 961
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 03-أبريل-1990
لا شك أن الحضارة في البلاد العربية
-كما في البلاد الشيوعية- هي حضارة مادية قامت على فلسفات مادية منكرة للجانب
الروحي في الإنسان، وشاطبة من قاموسها كلمات الإيمان والدين والغيب، ومركزة كل
اهتمامها على النفع المادي وتحسين وضع الإنسان المادي في هذه الدنيا وحسب، وهي وإن
لم تستطع أن تمحو الإيمان من حياة الناس، وأن تقضي على معتقداتهم؛ لأن ذلك يتعارض
مع ما فطر عليه البشر؛ فإنها استطاعت أن تعزل الدين في أضيق الحدود، وأن تضعف
الإيمان في النفوس مغرورة بما حققته من إنجازات علمية، وما من شك أن الحضارة
الحديثة حققت منجزات تكنولوجية رائعة، وقطعت شوطًا عظيمًا في مجال العلوم
التطبيقية، ووفرت على الإنسان الكثير من الجهد والتعب في كل مجالات الحياة، ومكنته
من قوة وطاقة جبارة لم يكن يحلم بها منذ زمن قريب، ويفترض أن يعود كل هذا على
الإنسان بالراحة والطمأنينة، ويحقق له الاستقرار والأمان والسعادة، ولكن السؤال هو
هل أن هذا المفترض قد تحقق فعلًا؟ وإذا لم يتحقق ففيم يتمثل مردود هذه الحضارة
الحديثة على الفرد والمجتمع؟
خلل وضغوطات
إن قراءة الواقع تقول إن الحضارة
الحديثة مع أنها حققت ثورة تكنولوجية عظيمة لم تستطع أن ترقى بالإنسان، بل زادته
تخبطًا وحيرة ومأساوية، لقد وفرت هذه الحضارة للإنسان الطعام والشراب والكساء
والسكن والجنس والدواء ووسائل الترفيه، ولكن هذا الإنسان بقي غير مرفه، وهو مأزوم
مكتئب متوتر مفزوع؛ لأن هذه الحضارة تعاملت معه من جانبه الحيواني، ولكن الإنسان
ليس حيوانًا غير عاقل ولا مسؤول، وليست ضرورياته مادية فحسب؛ لأن الإنسان جسد وروح
وعقل، ولا يمكن أن يتحقق له الاستقرار والطمأنينة بإشباع جانب فيه على حساب جانب
آخر، بل إن إشباع هذا الجانب على حساب الجوانب الأخرى هو سر الخلل وعدم التوازن،
وما علينا إلا أن نقرأ بعين فاحصة ما يقع في المجتمعات الغارقة في المادية، ونرى
كيف يعيش الفرد فيها الخاوية حياته من الإيمان، إنه يعاني من الخواء الروحي الذي
لا يمكن أن تملأه كنوز الدنيا المادية كلها، إنه مضطرب مكتئب متوتر على الدوام،
يهرب إلى المهدئات والمخدرات والمسكرات والمنومات التي لا تسعفه، بل تزيده همًا
على هم وتغرق به أكثر، ومن هنا نفهم لماذا يقدم بعض هؤلاء على الانتحار، إنهم
ضاقوا ذرعًا بهذه الحياة المادية، وسدوا على أنفسهم من البداية الطريق إلى الحياة
الروحية، إن التقدم المادي لم يغنهم في مقاومة ضياعهم، وفي إنقاذ أنفسهم وإعادة
السكينة والطمأنينة إلى أرواحهم، وأحيانًا يتجاوز أثر هذا التوتر والانقباض الفرد
نفسه ليصل إلى الآخرين، فعندما يشتد هذا التوتر في فراغ نفسي خالٍ من القيم
والفضائل، وبعيدًا عن حسن السلوك الذي يعززه الإيمان يدخل الفرد بسهولة في عالم
الجريمة، وعالم الجريمة اليوم في الدول رائدة الحضارة الحديثة عالم مفزع، جعل
المفكرين والمصلحين يصرخون منبهين ومحذرين من الطامة الكبرى، كيف لا والقتل في
نيويورك أو غيرها من المدن الأمريكية أصبح كشربة ماء للكثير من الشباب الضائع،
إنهم يقتلون من أجل حفنة دولارات وفي كثير من الأحيان تذهب هذه الدولارات إلى جيوب
بائعي المخدرات.
إن الكثير من الناس ينسبون قلقهم
وتوترهم إلى ضغوطات الحياة الحالية، ولكن أليست هذه الضغوطات نتيجة النظرة المادية
للحياة والجري واللهاث وراء كل ما هو مادي فقط، وراء متع الحياة وزخرفها؟ وعندما
يخلو الإنسان بنفسه، ويتأمل حاله يدرك تفاهة ما يقضي حياته من أجله، وحقارة هذه
المادة، فإذا لم يكن الإيمان سندًا له وملجأه سقط في هوة التوتر والقلق، ومن ثم
جاءت أمراضه العصبية فالجسدية.
إن الإنسان المادي ليس متوترًا
وقلقًا بسبب الضغوطات اليومية وحدها، بل بسبب الخواء الروحي وهو أساس المشكلة،
يقول هيدجر أحد فلاسفة المادية: «إننا قد ألقي بنا إلى العالم، إننا هناك، إنني
هناك على ما أنا عليه ولست أعرف لماذا؟ ولا كيف؟ والشيء الوحيد الذي أعرفه حق
المعرفة وبصلابة هو أنني سأموت يومًا من الأيام، إنسان مستقبله محدود متناه، وأنا
أعرف ذلك، «هذا هو موقعي في العالم، أعرف أن وجودي غير ثابت وقصير الأمد، وأني قد
أفقده هذا هو الشيء الوحيد الذي امتلكه، ويمكن أن أفقده في أي وقت، وهذا هو سبب
وجود أساس من القلق والخوف والعذاب».
إن الإنسان المادي غير المؤمن بالله
وبالبعث إنسان متوتر بالضرورة، خائف على الدوام؛ لأن الوجود بالنسبة له هو وجود
مادي فقط، وبعد إشباع الجانب المادي فيه يبقى خائفًا من «المجهول»، أما المؤمن
فالوجود بالنسبة له ثنائي: وجود الدار الفانية (الحياة الدنيا)، ووجود الحياة
الباقية (الحياة الآخرة)، والدنيا عنده ليست سوى مطية للآخرة، والموت ليس سوى نقلة
من وجود زمني إلى وجود أبدي: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي
جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27-30). إن المؤمن الحقيقي نفسه مطمئنة راضية كما
تدلل على ذلك هذه الآية الكريمة، أما من لا يؤمن ببعث ولا حساب ولا يؤمن بحقيقة
سوى الموت الذي يمكن أن يأتي في أية لحظة.. فكيف يأتيه الاطمئنان؟
التوتر وشركات الأدوية
لا تخفي شركات الأدوية الرأسمالية
اغتباطها بزيادة أرباحها من بيع الأدوية المهدئة، ويحق لها أن تقول مصائب القوم
عندنا فوائد، فنظرة الشيوع التوتر والانقباض وما يترتب عنه من أمراض عصبية
وجسمانية في مختلف الطبقات الشعبية- تريك تصاعد استهلاك الأدوية المهدئة بالخصوص،
وكل أنواع الأدوية عمومًا مما صار يشكل عبئًا كبيرًا على ميزانيات الأفراد والدول،
ففي الولايات المتحدة تقدر كلفة العلاج مضافة إلى خسارة أيام العمل بـ (١٥٠) مليار
دولار سنويًا، وفي فرنسا زاد استهلاك الأدوية المهدئة بنسبة (٢٣٪) من عام ١٩٨٢ إلى
عام ۱۹۸۷، في حين زاد استهلاك الأدوية الأخرى في نفس الفترة (١٧%) فقط، وهذا
يعني أن سوق الأدوية الفرنسية تقدر بحوالي مليار فرنك فرنسي، وحسب سبر للآراء قام
به التلفزيون الفرنسي في سبتمبر ۱۹۸۹ فإن (٨٤%) من الفرنسيين يشكون من ضغوطات الحياة
ومن القلق والضجر، ولم يستفد من هذا الوضع صناع الأدوية فحسب، بل استفاد منه كذلك
المتطببون والمشعوذون والفلكيون الذين يلجأ إليهم القلقون الحائرون في آخر المطاف
بعد أن جربوا الأدوية والمهدئات دون جدوى.
الانتحار
وعلامات التوتر والقلق وفقدان
الطمأنينة والراحة والأمان التي جلبتها الحضارة المادية الحديثة- تزايد الانتحار
ومحاولات الانتحار، وقد وصل عدد الذين يحاولون الانتحار سنويًا ثلاثة ملايين شخص،
لكن وسائل الإعلام لا تركز إلا على انتحار المشاهير، وهذه الحالات وحدها تكفي
للتدليل على إذلالات الحياة العصرية والحضارة الحديثة، ويكفي أن نلاحظ أن معظم
حالات الانتحار تقع في المجتمعات المتقدمة صناعيًا، والغنية بصفة عامة، حتى أن هذا
الانتحار يأتي في الدول الصناعية المتقدمة في المرتبة العاشرة بقائمة أسباب موت
البشر، وهو أكثر عند الأغنياء منه عند الفقراء، أولئك الأغنياء الذين كرسوا حياتهم
لجمع المال فلم يحقق لهم المال -بكل ما يمثله من قدرة وقوة مادية- السعادة
المنشودة، وكلنا سمعنا هذا العام كيف أن ابنة أحد أثرياء العالم ووريثته الوحيدة-
كيريستينا أوناسيس التي أقدمت على وضع نهاية لحياتها في الأرجنتين بعد أن جربت
الزواج خمس أو ست مرات، وأغدقت على أزواجها المختلفين الجنسيات أموالًا طائلة،
ولكنها لم تحظ بحب حقيقي، ولم تعرف طعم الراحة والهدوء والسكينة، وفي غياب
الإيمان، وفي ظلمة المادية وعتمتها وصلت إلى الهاوية وسقطت، وتذكر كذلك على سبيل
المثال المغنية الفرنسية الشهيرة والمصرية المولد دليدا التي لم تنقذها لا شهرتها
وتعلق جمهورها بها، ولا أموالها من القلق والسوداوية، فأقدمت هي الأخرى في بيتها
الباريسي على وضع حد لحياتها، إن المادية نفق مظلم نهايته مسدودة، والذين ساروا في
هذا النفق حتى نهايته سقطوا مغشيًا عليهم من أثر الارتطام.
إن الإيمان بالله في النهاية هو
الملجأ والملاذ، وهذا الإيمان هو الذي يعطينا المعنى السامي للحياة، ويضمن الإخاء
والتحابب والتعاون، ويحقق كل القيم والمثل الجميلة، ويوفر للنفوس الطمأنينة
وللشعوب السلام والاستقرار، وبدونه يتقمص الإنسان الشر الذي يمكن أن يقضي عليه
وعلى الآخرين، قال الله -تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم
بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ صدق الله
العظيم. (الرعد: 28).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل